الخرفان

02:35

2014-10-06

جمال عبد الجواد

لن أكتب عن الخرفان التى فى بالك، لكنى سأكتب عن الخرفان التى غزت شوارع مدن مصر خلال الأسابيع الثلاثة أو الأربعة الأخيرة. إنها تلك الدمى المصنوعة من أنسجة ناعمة والمحشوة بمواد إسفنجية طرية لتأخذ شكل خرفان متنوعة الأحجام والأشكال. الخرفان لطيفة الشكل التى انتشرت فى شوارعنا هى الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة من القرارات والترتيبات. أظن أن هذه السلسلة بدأت بشخص أو عدد قليل من الأشخاص يسعون وراء الرزق والربح، فالرزق والربح هما الشىء نفسه فى غير مجال وظائف الحكومة والقطاع الخاص. ففى مجالات التجارة والاستثمار والأعمال يسعى الناس وراء رزق يقيم حياتهم، فيحصلون عليه فى شكل أرباح تحققها مشروعاتهم.

العاملون بعيداً عن الوظيفة يجهدون أنفسهم بحثاً عن أى فرصة للربح، فليس هناك مرتب مضمون يحصلون عليه فى نهاية الشهر، سواء عملوا أو لم يعملوا، وسواء ربحت الشركة التى يعملون فيها أو خسرت، وسواء رضى الناس عن المنتج أو الخدمة التى يقدمونها أو لم يرضوا. من يكسبون رزقهم اعتماداً على عملهم وأفكارهم عليهم أن يبقوا أعينهم مفتوحة طوال الوقت لتجنب إهدار الفرص التى تلوح. لاحظ بعضهم أن العيد يمكن أن يكون فرصة للربح، وأن طرح الدمى الخرفانية فى الشوارع سيغرى بعض الناس لشرائها لشكلها اللطيف، أو تيمناً بالمناسبة، أو استجابة لإلحاح طفل يريد أن يكون لديه خاروفه الخاص الذى يبقى معه لما وراء العيد غير مكتف بخروف العائلة الذى تتم التضحية به إرضاء لله وإسعاد للفقراء.

خطط صاحب الفكرة منذ عدة شهور لهذه اللحظة، فسافر إلى الصين باحثاً عن التصميمات المناسبة والمصانع القادرة على التنفيذ. اكتملت صناعة الخراف، فتم شحنها ليتم استقبالها فى موانئ مصرية قبل العيد بفترة كافية. جهز الرجل شبكة كبيرة من الموزعين وطريقة آمنة لنقل الخراف حتى تصلهم فى شكل نظيف جذاب، بالإضافة إلى نظام محكم لتسوية الأمور المالية، وبالطبع فإن كل هذا يجب أن يكتمل قبل فترة كافية من موعد العيد المبارك. نجحت خطة الرجل، وعرفت الخراف طريقها إلى شوارعنا ومنها إلى بيوتنا، فابتهج الأطفال وبعض الكبار، وفاز كل من نقل ووزع الخراف على رزق أسعده وأسرته فى موسم العيد، وجمع الرجل الذى أبدع الفكرة وخطط لها ووفر المال اللازم لتنفيذها أرباحه فيما هو يفكر فى الفرصة المقبلة.

قد لا تمثل دمى الخراف شيئاً مهماً بالنسبة لأغلبنا، ولكن هذه ليست هى المسألة. فالمنطق الذى يحكم طريقة عمل بائع «الخراف اللعبة» هو نفس المنطق الذى يحكم عمل منتجى ومستوردى السيارات والأغذية والملابس ومواد البناء وأجهزة الكمبيوتر والتليفونات والثلاجات والأحذية والدواء وكل شىء آخر نستخدمه فى حياتنا، والذى لم يكن ليتوفر لولا أن البعض منا جبلهم الله على حب الحرية التى يوفرها العمل الخاص، وعلى عدم الخوف من المغامرة بأوقاتهم وأموالهم. إنه إسهام القطاع الخاص فى حياة واقتصاد المجتمعات، والذى بدونه ما كانت الحياة لتبدو على ما هى عليه الآن، يسرى هذا على منتجات الرفاهية التى نستطيع الحياة بدونها، كما يسرى على أكثر الأشياء أساسية.

هذا هو الدور الذى يسهم به القطاع الخاص فى الاقتصاد والحياة فيما البعض عندنا لا يرى فى القطاع الخاص سوى الاستغلال والفساد مختزلاً الملايين من المنتجين والتجار فى حفنة قليلة من فاحشى الثراء الفاسدين، مطالباً الحكومة بالحلول محل القطاع الخاص، وهى الدعوة التى لا يوجد أكثر منها ضرراً على الوطن واقتصاده.

لا يمكن إنكار أن القطاع الخاص عندنا لديه مشكلات وفيه عيوب كثيرة، بدءاً من المبالغة فى الأرباح، مروراً بتجنب الاستثمار فى مجالات حيوية ورئيسية، وانتهاء بانخفاض جودة المنتجات والخدمات. غير أن هذه هى مشكلات وعيوب الحكومة قبل أن تكون مشكلات وعيوب القطاع الخاص. فالمستثمر الصغير أو الكبير المدفوع بحافز الربح يسعى للحصول على القدر الأكبر منه حتى لو ترتب على ذلك الإضرار بجمهور المستهلكين، طالما كانت الظروف تسمح بذلك، وهنا يأتى دور الدولة التى عليها أن توفر من الظروف ما يجبر القطاع الخاص على تقديم منتجاته وخدماته بأسعار وجودة مناسبة، فيفوز المستثمرون بالربح فيما تتحسن ظروف حياة باقى الناس بشكل يتناسب مع الربح الذى يحققه المستثمرون. فالمصباح الكهربائى الذى يفسد بعد تركيبه بأيام قليلة ليس ناتجاً فقط عن مستثمر جشع استورد أردأ ما تنتجه مصانع الصين، وإنما أيضاً عن جهاز رقابى عجز عن تطبيق معايير الجودة والسلامة على السلع المعروضة فى الأسواق. والأسعار المبالغ فيها التى يفرضها المستثمرون لبضائعهم ليست ناتجة فقط عن جشع القطاع الخاص، وإنما أيضاً عن عجز الحكومة عن محاربة الاحتكار والحفاظ على أقصى قدر من المنافسة بين أكبر عدد من المنتجين بما يضمن تخفيض الأسعار إلى مستويات مناسبة تحقق للمستثمرين أرباحاً مناسبة فيما تحمى دخول الناس من تعسف المحتكرين. وإحجام المستثمرين عن الاستثمار فى مجالات حيوية ومناطق محرومة ناتج عن إخفاق الحكومة فى توفير حوافز وضمانات كافية تشجع رأس المال على قبول مخاطرة الاستثمار فى مجالات ومناطق يزيد فيها مستوى المخاطرة عما يستطيع القطاع الخاص تحمله.

فالفارق بين بلد غنى وآخر فقير ليس فى أن أصحاب رأس المال فى البلد المتقدم، هم من حسنى النية الأتقياء فيما أصحاب رأس المال فى البلاد الأخرى معدومو الأخلاق جشعون، فالبشر هم أنفسهم البشر فى أى مكان، خاصة عندما يأتى الأمر لشئون المال. لكن الفارق يكمن فى وجود حكومات تطبق القانون وتنظم الأسواق بفعالية وكفاءة، وهو ما تخفق فيه حكومات أخرى، فتبقى بلادها فى تخلف وتبقى شعوبها فى فقر.