ألم يأن للصعايدة أن يستريحوا؟!

17:36

2014-10-03

ناجح ابراهيم

مآسى الصعايدة لا تنتهى.. إذ إنها ثابتة فى كل العصور.. فأكثر الصعايدة هم الذين جاءوا جثثا هامدة فى صناديق من العراق فى عهد صدام.. وأكثرهم هم الذين كانوا يطردون بين الحين والآخر من ليبيا فى عهد معمر القذافى كلما أصابته نوبة جنون سياسية أو أراد أن يضايق مبارك فلا يجد أمامه سوى العمال المصريين فى ليبيا وأكثرهم من الصعايدة.. حتى بعد الثورة على القذافى تصور الصعايدة أن ليبيا ستكون أكثر أمانا، فإذا بها تنقلب إلى جحيم لا يطاق ليعود كل واحد منهم خالى الوفاض إلا من طعنة سكين أو طلقة رصاص أو قتل شقيق أو قريب على يد الميليشيات الإسلامية التى أرادت أن تنتقم من الحكومة المصرية التى عزلت مرسى فلم تجد أضعف من هؤلاء الصعايدة الذين يعمرون ويبنون ويصنعون فى كل مكان بأبخس الأثمان.

الصعيدى لا ثمن له فى وطنه، وإلا لما اضطر أن يلاقى الأهوال فى البحث عن أى لقمة عيش خارج وطنه حتى لو كانت مغموسة بالإهانة وفقدان الكرامة والأجر التافه والغربة القاتلة.

مات عم وردانى الصعيدى منذ عدة سنوات بتليف الكبد.. كان يعيش فى مدينة دار السلام جنوب سوهاج.. لم يكن له حظ من التعليم لفقر أسرته الشديد.. فى أوائل الخمسينيات لم يجد كغيره لقمة عيش فى بلدته ولم يجد نصف الجنيه ثمن التذكرة إلى القاهرة فكان يركب محطة ويمشى عدة محطات.. وينزل بينها للعمل لكى يأكل ثم يركب وهكذا حتى وصل القاهرة.. عمل كغيره كعامل أنفار يحمل الرمل والزلط مع هموم الدنيا كلها.. حتى عمل فى مرفق المياه الحكومى.

إذا جلست إلى عم وردانى أخرج لك كيسا فيه كروت الشخصيات المهمة التى قابلها فى حياته والتى يعتبرها جزءا من تاريخه.. وإنما يكرر (معرفة الناس كنوز)، إنه كالغريق يتعلق بأى قشة حتى لو لم يستفد منها.. كان يكرر (أنا معى ليسانس فى الحياة).

حرص على أن يعلم أولاده فى الأزهر.. مات بعد أن حصل ابنه الأكبر على ليسانس الشريعة والقانون.. عندما رأى شهادة التخرج اعتبر رسالته قد تمت.. وكشأن كل الصعايدة لديه عقيدة أن ابنه الأكبر سيتحمل المسؤولية من بعده.. (وأن الشهادة الجامعية هى سر الخلود).

معذور عم وردانى فهذه أكبر أمانيه.. وما دامت تحققت فليذهب إلى ربه كشأن الصعايدة جميعا.. كما رحلوا صغارا إلى الشمال وهم أحياء يرجعون مرة أخرى إلى الجنوب بعد الممات.. وكأنهم عشقوا العذاب والفراق لهم ولأهلهم أحياء وأموات.

لم يذق عم وردانى السعادة فى حياته إلا حينما حصل على شقة فى الإسكان الشعبى.. كان يتغزل دوما فى شقته ويدعو الجميع إلى البلكونة منشدا فيها أشعار الحب والهيام مقررا أن الله ستره بأمرين: الوظيفة الميرى وهذه الشقة.. مع أنهما متواضعتان.

كان رغم فقره، شديد الكرم ويقول لأصحابه: إذا كان معى خمسة جنيهات فالطعام عندى.. كان من المستحيل أن تذهب إلى بيته دون أن تشرب أو تأكل شيئا.

هكذا الصعيدى.. ارتحال وغربة عن وطنه حيا.. ثم العودة إليه ميتا بتليف أو سرطان الكبد بعد رحلة شقاء لا تنتهى.. بدءا من بهدلة القطارات خاصة فى الأعياد.. وانتهاء بحرائقها وكلها حدثت فى قطارات الصعيد المتهالكة.

ألم يأن للصعايدة أن يستريحوا أحياء وأمواتا؟!