التحالف الدولى ضد الإرهاب والترتيبات الإقليمية الجديدة

16:22

2014-10-02

نفين مسعد

تعيد الحرب على الإرهاب الولايات المتحدة بقوة إلى منطقة الشرق الأوسط فى مرحلة بالغة التعقيد، فتيار الإسلام السياسى (و تحديداً جماعة الإخوان المسلمين) الذى راهنت عليه إدارة أوباما تلقى ضربتين موجعتين، الأولى فى مصر بعد 30 يونيو، والثانية فى اليمن بعد تراجع التجمع اليمنى للإصلاح أمام الحوثيين، فيما يبقى مستقبل إخوان ليبيا متوقفاً على اتجاهات توازن القوى والتدخلات الخارجية. ونظام بشار الأسد الذى ناصبته الإدارة الأمريكية العداء يجد أوباما نفسه فى موقع محاربة التنظيمات المتطرفة التى تعد أعدى أعداء الأسد. وإيران التى فشلت سياسة العقوبات فى ترويضها ما زالت ترفض التخلى عن حقها فى تخصيب اليورانيوم، وثمة اقتراحات جديدة تصب فى مجرى خفض كمية اليورانيوم المخصب وليس خفض منسوبه كما تريد الولايات المتحدة. وإذا أضفنا إلى ذلك التوتر فى العلاقات الأمريكية - المصرية مقابل انفتاح مصر على روسيا، وعجز إسرائيل عن القضاء على المقاومة فى الحرب الأخيرة على غزة، إذا أضفنا كل تلك المتغيرات بدا لنا أن الحرب على داعش مثلت طوق نجاة بالنسبة للولايات المتحدة لتعيد ترتيب أوراقها فى المنطقة.

فى هذه الحرب تحاول كل الأطراف إعادة التموضع بما يسمح لها بأن تجد لنفسها موطئ قدم على ساحة الشرق الأوسط. فتجد من الدول التى مثلت النواة الأولى للتحالف الدولى لمحاربة الإرهاب من كان غارقاً حتى أذنيه فى دعم جبهة النصرة أحد أذرع تنظيم القاعدة فى سوريا والمستهدفة الآن بالحرب. بدأ هذا الدعم بمساندة الجبهة فى مواجهة الجيش السورى الحر، ثم اعتباراً من مطلع 2014 انتقل الدعم لمساندتها فى مواجهة تنظيم داعش. لم تكن حقيقة أن جبهة النصرة جماعة تكفيرية خافية على أحد، لكن تم التغاضى عنها فى حينه فى إطار التنافس على توجيه مسار الأحداث فى سوريا، أما وقد دارت الدوائر على تنظيمات العنف ودعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف لمواجهتها فلا ضير أبداً من تلبية النداء خوفاً من التهميش، وتلك هى السياسة. كما أن تركيا التى رفضت فى البداية استخدام التحالف للقواعد العسكرية على أراضيها بدعوى حماية رهائنها الموجودين فى قبضة داعش، ها هى تعرض خدماتها بعد أن تم تحرير الرهائن، بينما الحقيقة أنها تخشى من تزايد النفوذ الإيرانى فى المنطقة، خصوصاً بعد تطورات اليمن. فلا يحتاج أحد إلى ذكاء ليعلم أن المشاركة فى التحالف هى نفسها قد تكون سبباً لاستهداف مصالح الدول المشاركة وكذلك رعاياها، ولقد هددت بذلك فعلاً جبهة النصرة، وقبل أيام تم اختطاف رهينة فرنسى فى الجزائر وقتله بواسطة جماعة جند الخلافة ثأراً للضربات الجوية ضد داعش. ومع ذلك فإن الصورة بالنسبة لتركيا أكثر تعقيداً من ذلك، فلقد استجاب مئات الأكراد الأتراك لنداء حزب العمال الكردستانى المحظور وذهبوا لمساندة قوات البشمركة فى تصديها لتنظيم داعش فى سوريا، وهذا يكرس معنى الأمة الكردية عابرة الحدود والدول، وليس فى هذا ما يريح لا تركيا ولا أيضاً إيران. صحيح أن ضغوطاً دولية تُبذل فى اللحظات المفصلية للجم تطلعات الأكراد كما حدث بإغلاق ملف الاستفتاء على مصير كردستان العراق الذى تبناه مسعود برزانى قبل شهور، لكن هذه التحركات الكردية لنصرة أكراد سوريا توضع تحت المجهر.

وفيما يخص إيران فإنها تواجه معضلة سياسية، فهى فى الوقت الذى لا تبتلع فيه بسهولة مشاركتها فى تحالف تتزعمه الولايات المتحدة (نلاحظ أن إيران لم تشارك حتى فى التحالف الدولى لتحرير الكويت عام 1991 رغم أنه جاء بعد عامين اثنين من انتهاء حربها مع العراق)، فإنها لا تملك إضاعة الفرصة لإثبات أهميتها الاستراتيجية فى ملف محاربة الجماعات المتطرفة. من هنا نفهم حديث ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن أهمية «إعطاء فرصة لإيران» كى تقوم بدور فى محاربة تنظيم داعش فى سوريا. هذا الحديث الذى جاء على خلفية لقاء جمع كاميرون بالرئيس الإيرانى هدفه إبقاء الباب موارباً أمام القيادة الإيرانية إذا ما قررت المشاركة فى التحالف، وذلك أن إيران من الناحية الفعلية تمتعت بفرصتها كاملة فى محاربة داعش وغير داعش فى سوريا، وبالتالى فإن ما نفهمه من خطاب كاميرون ليس اختبار قوة إيران فى سوريا لكن استفادة التحالف الدولى من الخبرة القتالية لإيران فى سوريا.

ما حدود النجاح الممكن للتحالف فى تحقيق الهدف منه؟ إجابة هذا السؤال تقتضى أولاً تحديد الهدف من التحالف، فالإرهاب كلمة فضفاضة تتخذ معانى مختلفة من وقت لآخر، ثم إن الإرهاب ليس محصوراً فى ساحة معينة، ففى الوقت الذى كان هذا التحالف يجرى فيه الحشد له أعلن تنظيم القاعدة عن تكوين فرع له فى شبه القارة الهندية، فهل ستمتد مظلة التحالف لتغطى شبه القارة الهندية مثلاً أم سيجرى نوع من توزيع الأدوار على نحو ما فعلت فرنسا فى مالى؟ يُروى أن نابليون استدعى قائد الجيش ليستفسر منه عن سبب هزيمة قواته، فرد القائد بأن هناك اثنى عشر سبباً للهزيمة أولها نفاد الذخيرة فأسكته نابليون لأن أول سبب يجبُّ كل الأسباب، فماذا بعد نفاد الذخيرة؟ لأن الهدف ليس هو دحر الإرهاب فسوف يتحور فيروس التطرف ويطل علينا فى ساحات جديدة وبأسماء أيضاً جديدة.