هل ستشكّل غزة المركز التالي لانطلاق الجهاديين العالميين؟

13:25

2014-10-02

الشروق العربي 

قضى الجهاديون العالميون صيفاً حافلاً بالنجاحات في كافة ساحات النزاع في الشرق الأوسط تقريباً. إذ شهدنا إعادة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») على الساحتين العراقية والسورية، كما واجهت جماعة «أنصار الشريعة» في ليبيا اللواء الليبي المارق خليفة حفتر وقامت بصد هجومه. وبالإضافة إلى ذلك عاد تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» ليصبح ناشطاً للغاية في جنوب اليمن. إلا أن الجهاديين قدّموا عرضاً عسكرياً ضعيفاً في الحرب التي اندلعت في منطقة جغرافية حاسمة وهي: المساحة المركزية التي تشكّل همزة وصل بين غزة وشبه جزيرة سيناء، والتي تعتبر الأكثر رمزية في العالم الإسلامي، ونتيجة لذلك تُشكّل موقعاً رئيسياً لمختلف الجهاديين العالميين لإثبات مهاراتهم.

وبغية إجراء تقييم فعلي لمدى ضعف سجل الجهاديين وقدراتهم في الحرب التي شهدها قطاع غزة في عام 2014، يستحق الأمر المقارنة مع الحرب السابقة التي اندلعت بين إسرائيل و «حماس» في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. فقبل عامين فقط، شنّت خمس جماعات جهادية («جماعة أنصار بيت المقدس»، و«جيش الأمة»، و«جيش الإسلام»، و«مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس»، و «كتائب الناصر صلاح الدين») 99 هجمة صاروخية في غضون 10 أيام فقط على مدن عسقلان وإيلات وأشكول، والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وكرميه وكيبوتس سعد وكيسوفيم ونتيفوت وسديروت.

وفي المقابل، وعلى مدى ستة أسابيع خلال هذا الصيف، أطلق تشكيلاً مختلفاً يتألف من ست جماعات («سرايا عبد الله عزام»، و «أنصار الدولة الإسلامية في غزة»، «جماعة أنصار بيت المقدس»، و «جيش الأمة»، و «لواء التوحيد»، و«مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس»)  117 صاروخاً فقط. ويبرز ذلك كيف أن وتيرة الهجمات الصاروخية التي شنتها هذه الجماعات على إسرائيل وعددها الإجمالي كان أقل بكثير هذه المرة. ومع ذلك، كانت مختلف المواقع المستهدفة أكثر تنوعاً إلى حد كبير، ويعود ذلك جزئياً إلى أن هذه الجماعات استهدفت أيضاً وحدات "جيش الدفاع  الإسرائيلي" العاملة داخل قطاع غزة فضلاً عن البلدات والمدن الإسرائيلية المحيطة بالقطاع وصولاً إلى وسط إسرائيل. ووفقاً لما أعلنته الجماعات نفسها، شملت هذه المناطق "عسقلان، والموقع العسكري "عين هشلوشا "، وموقع استطلاع شرق من بيت حانون، وبني نتساريم، وشرق دير البلح، وإيلات، ومعبر إيرز، وإشكول، والقاعدة العسكرية "إسناد صوفا"، وشرق بلدة جباليا، ومن الشرق جحور الديك، ومعسكر الجيش كرم أبو سالم، وكفار عزة، ومجدل، وناحال عوز، ونتيف هعسرا، ونتيفوت، وأوفكيم، وريشون لتسيون، وسديروت، والنقب الغربي، والقاعدة العسكرية "زكيم"، و"المستوطنات الصهيونية" وفقاً للتعريف الشامل (في المصطلحات الخاصة للجماعات).

وعلاوة على ذلك، في الأشهر الثماني التي سبقت الحرب في  عام 2012، أطلقت الجماعات الجهادية 50 صاروخاً على إسرائيل. وخلال كل الفترة الفاصلة ما بين الحربين، التي دامت 20 شهراً، تم تنفيذ 30 هجمة صاروخية فقط. ومع ذلك، تم شن 12 ضربة خلال حرب هذا الصيف، نُفذت للمرة الأولى من سيناء وليس من غزة (وقد أعلنت «جماعة أنصار بيت المقدس» عن مسؤوليتها عن شن تلك الهجمات).

وفي خلال النزاع الذي دار في قطاع غزة عام 2014، وبينما كان إطلاق الصواريخ لا يزال يشكّل أولوية، نقل بعض الجهاديين المعركة إلى أوساط قريبة من إسرائيل. وقد استهدفت الضربات الجوية الإسرائيلية مقاتلين من مختلف الجماعات الجهادية بينما كانوا يحاولون إطلاق الصواريخ. ولكن عدداً من الأفراد شاركوا بالفعل أيضاً في القتال على الأرض بعد تدخل "جيش الدفاع الإسرائيلي" في غزة، بما في ذلك في خان يونس ورفح وأماكن أخرى. وقد استطعتُ التأكد من أسماء 33 شخصاً - فلسطينيين ومصريين وسعوديين - من الذين كانوا أعضاءً في الجماعات الجهادية العالمية، على الرغم من أنه من المرجح جداً أنه كان هناك آخرين قُتلوا وبقيت أسماؤهم غير معلنة.

وقد تم الإعلان عن بعضهم كأعضاء في «الدولة الإسلامية» أو مناصرين لها، الأمر الذي يبرز الكيفية التي اكتسبت فيها الجماعة درجة من الدعم داخل غزة، وإن كانت محدودة بالمقارنة مع تلك التي حصلت عليها «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي الفلسطيني»، والفصائل الجهادية الأخرى التي تشكل الاتجاه السائد في القطاع.

وفي خلال الحرب لوحظت ظاهرة جهادية جديدة أخرى في شوارع غزة: ففي حين كانت الهجمات الإسرائيلية قائمة، وزّعت جماعة «أنصار بيت المقدس» علناً مطبوعات خاصة بـ "الدعوة" لدعم "خلافة" «الدولة الإسلامية» الجديدة. كما قدمت الجماعة المعونات الغذائية. وتزعم أنها بتاريخ 19 تموز/يوليو 2014 وزّعت 10 آلاف من هذه الكتيبات، وفي 31 تموز/يونيو قدمت المعونات الغذائية للفقراء، وفي 12 آب/أغسطس قدمت 60 رزمة تحتوي على مواد غذائية بقيمة 150 شيكل لكل رزمة. أما بالنسبة إلى الشق العسكري فقد بدا أن أداء الحركة الجهادية الأوسع كان أضعف من ذلك الذي قدمته في الماضي القريب، إذ اتخذ نشطاؤها العظة من الحركات الجهادية الإقليمية الأخرى من خلال محاولة المشاركة في عملية تقديم الخدمات الإجتماعية والحصول على دعم سكان القطاع.

إذاً ما الذي يفسر مستوى النشاط الجهادي الأقل نسبياً في حرب غزة الثالثة؟ يمكن أن يُعزى ذلك جزئياً إلى الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب التي تبذلها الحكومة الإسرائيلية، وكذلك «حماس»، اللتان تواصلان قمع الحركة الجهادية لمنعها من أن تشكّل تهديداً للمصالح الخاصة لكل منهما، سواء أمن الدولة (إسرائيل) أو قاعدة قوتها وشرعيتها الإسلامية (حركة «حماس»).

وعلاوة على ذلك، فإن ثوره الجيش  الذي شهدته مصر في تموز/يوليو 2013 والعمليات اللاحقة ضد الأنفاق الحدودية التي تربط غزة بسيناء لم تُعق جلب المقاتلين الفرديين فحسب، بل أيضاً توريد الأسلحة والإمدادات الأخرى. ونتيجة لإغلاق مصر للمعابر، أمسى من الصعب جداً على المقاتلين الدخول إلى القطاع والبقاء على قيد الحياة داخله. لذا تُعتبر غزة في الوقت الحالي موقعاً معادياً للجهاد العالمي، وقد انتقل العديد من المقاتلين نحو مناطق النزاع الأكثر "جذباً" لعناوين الصحف والتي فيها المزيد من الفرص، وليست أقلها سوريا ولكن حتى ليبيا أيضاً.

وعلى الرغم من أنه قد يبدو أن فرص الجهاد العالمي في قطاع غزة قد تضاءلت، إلا أن السؤال لا يزال مطروحاً في الجوار حول استمرارية وجودة العمليات التي تنفذها مصر ضد جماعة «أنصار بيت المقدس» في سيناء. فمما يدعو إلى التشكيك بنجاحات الجيش المصري هو أن هذه الجماعة لا تزال قادرة على شن هجمات على القوات العسكرية المصرية، ومن ضمنها الموجة الأخيرة من عمليات قطع الرؤوس على طريقة «الدولة الإسلامية»، وعلى التجول علناً في العديد من المناطق شمال سيناء، (على الرغم من أن مستوى الهجمات في وادي النيل ووتيرتها قد تحسنا بالتأكيد عما كانا عليه في وقت سابق من هذا العام). فواقع أن الشيخ أبو أسامة المصري من «أنصار بيت المقدس» كان قادراً على تسجيل خطبة عيد الفطر علناً في أواخر تموز/يوليو دون أي معرفة مسبقة وملحوظة للجيش المصري، أو معاناته اللاحقة من الإزعاج، أمران يوحيان بأن حرية الجماعة من ناحية العمليات والحركة تبدو أفضل من تلك التي تقر بها مصر. وربما تكون مخاوف إسرائيل من أن تقوم الجماعة بالتخطيط لاستهداف أراضيها بطريقة أكثر تركيزاً هي من بين أسباب قيام هجمات متزايدة مزعومة بطائرات إسرائيلية بدون طيار ضد أهداف «أنصار بيت المقدس» مؤخراً.

ويشكّل جهاديو غزة العائدين مصدراً آخر للقلق بالنسبة إلى الأطراف الثلاث، إسرائيل ومصر و «حماس». فأولئك هم الغزيين الذين ذهبوا إلى سوريا أو ليبيا والذين سيحاولون في نهاية المطاف العودة إلى ديارهم حاملين في جعبتهم مهاراتهم الجديدة وأيديولوجياتهم المتطرفة. ومن المرجح أن يستمر هذا السيناريو قائماً كونه مسألة يمكن التحكم بها بالنسبة إلى الإسرائيليين والمصريين وقطاع غزة الذي تقوده «حماس»، ولكن مجموعة من الجهاديين العالميين ستبقى تشكّل وجهاً من وجوه بيئة غزة ومكوناً لأي قتال مستقبلي مع إسرائيل. ويُشار إلى أن صبر هذا النوع من الحركات وفطنتها يساعدها على الحفاظ على أي فرصة، وعلى جميع الفرص، والاستفادة منها. فحتى لو يبدو أنه قد تم قمعها في الوقت الراهن، سيكون من الخطأ عدم أخذها بالحسبان على المدى المتوسط والبعيد.

وكما شهدنا عدة مرات في مجموعة متنوعة من ساحات الصراع الأخرى، يميل نمو الجهادية العالمية وقوتها إلى مفاجأة أولئك الذين أخطؤوا في عدم إيلائها أهمية كبيرة أو توقعوا فشلها في وقت مبكر جداً. لذلك لن نتمكن من قياس مدى تردد أصداء هذه الحركة الجهادية الأوسع ومدى تحصين نفسها داخل قطاع غزة إلّا عندما تندلع الحرب القادمة بين غزة وإسرائيل.

 

تقرير معهد وأشنطن للشرق الأدني