السياسى النبيل

13:13

2014-10-01

محمد أبو حامد

يقول رابليز: «العلم بغير ضمير ليس إلا خراب الروح»، فالسياسة دون أخلاق ما هى إلا خراب للأمم.

- إذا سألت الناس: ما رأيك فى السياسة والسياسيين؟ ستكون إجابة معظمهم: «السياسة قذرة وَسِخَة تستغل معاناة الشعب لمصالح سياسيين يتقنون حرفة الاستغلال والمنفعة الذاتية، لذلك وبشكل عام لا أثق بالسياسيين فمن كل أجندة وملف هناك بالضرورة مصلحة ذاتية تفوق أو توازى على أحسن تقدير مصلحة الشعب»، هذه العبارات وعلى الرغم من قسوتها فإنها فى الحقيقة تعبر عن واقع ملموس فى حياتنا السياسية، خاصة فى هذه الأيام ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية فالكل يرفع شعار أن السياسة بلا أخلاق وأن مبدأ ميكيافيللى فى كتابه الأمير: «الغاية تبرر الوسيلة» هو المبدأ الحاكم للعمل السياسى، الذى يجعله يتنكر صراحة لجميع الفضائل الأخلاقية حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية، وأتذكر أن الرئيس السيسى فى الاجتماع الوحيد الذى عقده مع رؤساء الأحزاب والسياسيين المستقلين قبل الانتخابات الرئاسية بأيام معدودة، وأثناء كلامه عن دور الدولة فى الحفاظ على حد أدنى من الأخلاق فى المجتمع، وجّه حديثه إلى أحد الحضور من الشخصيات العامة وقال: «أيوه يا دكتور فلان هقدر أمارس سياسة من غير كذب همارس السياسة بأخلاق»، ويبدو أن الرئيس قد وصله بطريقة ما أن الدكتور المذكور فى إحدى جلساته الخاصة قال: «هو يعنى هيعرف يمارس السياسة من غير كذب»، وكأن الكذب والنفاق والانتهازية صفات ملازمة للعمل السياسى.

- السياسة فى تعريفها البسيط هى: طرائق قيادة الجماعة البشرية وأساليب تدبير شئونها لما يعتقد أنه خيرها ومنفعتها والسعى لتحقيق مصالحهم والحفاظ عليها، وبناءً على ذلك فالإنسان ورعاية مصالحه يمثل الغاية العظمى للسياسة، وكذلك فإن الأخلاق هى: مجموعة القيم والمثل الموجهة للسلوك البشرى نحو ما يعتقد أيضاً أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر، وكلاهما، السياسة والأخلاق، تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفاً ومعنى، وفى ظل هذا التعريف فإنه لا يوجد أى تعارض بين الأخلاق والسياسة بل إن العلاقة بينهما وثيقة، يقول إيمانويل كنط: «لا يمكن للسياسة الحقيقية أن تتقدم من دون أن تكرم الأخلاق، إذ على السياسة أن تنحنى أمام الحق» فهذه العبارة جمعت بين ثلاثة مفاهيم: السياسة والأخلاق والحق، وتتقاطع هذه المفاهيم فى المقولة بواسطة لفظين دالين هما فعل «تُكرم» وفعل «تنحنى»، بحيث إن الفاعل لفعلى التكريم والانحناء هو السياسة، فالسياسة لا يمكن أن تتقدم وتحقق غايتها المذكورة أعلاه إلا باحترام الحق والأخلاق، تؤكد روس فى كتابها: «نظرية السلطة» أن مبدأ دولة الحق هو احترام الحريات واعتبار المواطن غاية فى ذاته وليس وسيلة، وينصح ابن خلدون فى كتابه: «العبر.. » الراعى بتوثيق العروة التى تربطه بالرعية، أى أن يسهر على مصلحتها، ويضمن ولاءها وحبها وأمانتها، وتستوثق العروة فى نظر ابن خلدون بالعدل فى الرعية والرفق بها والتوسط فى الأمور وعدم القهر والبطش بها والتنقيب عن عوراتها، وقد فهم السياسة بهذا المعنى الأخلاقى قادة عظماء كالمهاتما غاندى ومارتن لوثر كينج ونيلسون مانديلا، وقد نجحوا فى إيقاظ ضمائر الناس وحفز هممهم عبر مختلف الوسائل الأخلاقية لمقاومة الاستبداد والاحتلال فى آن واحد، ما حدا بالكثيرين إلى القول إن الشعبين الهندى والجنوب أفريقى ما كانا ليهنآ ببلاد محررة عادلة لولا أسلوب النضال السلمى الأخلاقى الذى أشاعه كل من غاندى ومانديلا كطريق رئيسية لنيل الاستقلال الوطنى، فالمهاتما غاندى وهو من استقلت الهند على يده، المؤمن بأن «اللاعنف سياسة القوى المتحضر» وأن «العنف» سياسة الضعيف العاجز ذكر أن هناك سبعة أشياء تدمر الإنسان ومنها «السياسة بلا مبادئ»، لقد أقسم غاندى بأنه لا يقول إلا الحقيقة ولن يكذب بسبب إصراره على مبادئه ولن يتعامل بالسياسة إلا بمبادئه التى تربى عليها وطبقها ولهذا استقلت الهند من أعظم إمبراطورية فى العالم «بريطانيا».

- هذا هو نموذج السياسى النبيل الذى نريده وهو من يقوم بإدارة الشأن العام، سواءً أكان فى الحكم أو المعارضة، كلاً من موقعه بهدف تحقيق رسالة نبيلة وهى بناء بلده والحفاظ عليه وخدمة أبناء شعبه وتحقيق الرخاء لهم، السياسى النبيل هو الذى يسعى من خلال حزبه أو تكتله أو وحده، إلى تحقيق برنامجٍ يعتقد أنه سيحقق ذلك، فإذا لم يتحقق استقال أو أتاح المجال لغيره لعلهم ينجحون فيما أخفق فيه، وإن كان صاحب سلطة تنحّى عنها، أو نُحّى بطريقةٍ ديمقراطيةٍ وهو راضٍ بذلك، وينتقل من موقع الحكم إلى موقع المعارضة أو اعتزال الحياة السياسية تماماً، كما يحدث فى الدول الديمقراطية الحقة وليس الشكلية، السياسى النبيل الذى يجعل الشعب غايته وليس وسيلته.

- بالمقابل يحكى أن هتلر كان يخفى تحت وسادته كتاب «الأمير» لميكيافيللى لينام هانئاً فوق وصيته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، وتروى ذات الحكاية عن ستالين وموسولينى وفرانكو وغيرهم من الديكتاتوريين الذين أباحوا لأنفسهم استخدام أشنع أساليب القمع والاضطهاد من أجل غايات رسموها لأنفسهم وأهداف وضعوها فوق كل اعتبار وهى: الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها خدمةً لمصالحهم على حساب جموع الناس ورغماً عنهم، فهؤلاء حتماً لا يجدون للأخلاق مكاناً فى السياسة، الأمر الذى نبه إليه الإمام الكواكبى قبل أكثر من مائة عام فى نص لا يزال يحتفظ بحيويته ودفئه حتى اللحظة الراهنة: «بأن الاستبداد يتصرف فى أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها.. هو يقلب القيم الأخلاقية رأساً على عقب ليغدو طالب الحق فاجراً وتارك حقه مطيعاً، والمشتكى المتظلم مفسداً، والنبيه المدقق ملحداً، والخامل المسكين صالحاً أميناً، وتصبح تسمية النصح فضولاً والغيرة عداوة والشهامة عتواً والحمية حماقة والرحمة مرضاً، وأيضاً يغدو النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطفاً والنذالة دماثة، وأنه أى الاستبداد، يرغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غى نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح».