هل الدين - حقاً- أفيون الشعوب؟

13:07

2014-10-01

محمد المزيني

سنظل مضطربين حياری، تائهي الدليل تجاه ما يجري من حولنا من أحداث، بدءاً من «الربيع العربي»، وما تلاه من تداعيات، مروراً بنشوء الجماعات الدينية المتطرفة من رحم مجهول، وانتهاء بعودة الطائرات الأميركية بعد صمت مستتب للتحليق فوق السماء العربية، وتحديداً فوق الأجواء السورية، للقضاء على الفلول الداعشية.

 

 

لم تقنعنا كل التحليلات السياسية، وتصريحات الجهات الرسمية حولها، وما تردد في الحوارات التلفزيونية وأحاديث المجالس العامة، التي لا تعدو كونها محاولات للفهم من خلال قراءات للظواهر بدلائل منقوصة لا تصل إلى العمق.

 

 

هذا ما دفع أحد السياسيين المرموقين العارفين ببواطن القضايا السياسية وتحولاتها على الأرض، إلى أن يصرخ بصوت مرتفع حائراً بما يشبه العجز ويسأل: «من أين خرجت علينا داعش؟» وبالمثل يقع المحللون السياسيون المخضرمون في فخ هذا السؤال، بما يعرِّيهم ويكشف عمق جهلهم، وهو ما أسقطهم في شباك السخرية المرة على ما آلت إليه أوضاع أمتنا المزرية، التي باتت جاهلة بكل ما يخصها، ثم ندير رؤوسنا يائسين وعاجزين تجاه البيت الأبيض الأميركي، انتظاراً لتصريحاته التي يبادر بها لفك بعض الرموز والشفرات السياسية، واتخاذ -بناء عليها- قرارات مصيرية، ومع هذا نظل متفرجين لا غير، لما سيتبع هذه التصريحات من عمليات عسكرية.

 

 

عجْزُنا عن تأويل كل الظواهر التي ضربت في جسد أمتنا وتغلغلت في تفاصيل حياتنا اليومية هو نتيجة لعدد من العوامل، أولها: غياب أدوات الضبط الاجتماعي، وتقاعسنا عن تتبع الحراك على كل الأصعدة، ولاسيما الحراك الديني. ولنتوقف عند الحراك الديني الذي ألّب كل المتدينين على مختلف أطيافهم سلباً أو إيجاباً ليس في يوم أو ليلة، ولكن زهاء أربعة عقود ماضية، وقد أفسح لها المجال كاملاً لاستعراض قوتها البلاغية حتى استحوذت على عقول الناس، وأصبحوا مسحوبين على رغم أنوفهم نحو مصدر ضوئها الحارق، حتى أوصلنا إلى بوابة التطرف والغلو الذي لبس عباءة الجهاد، الجهاد الذي كان يُدعى له من فوق المنابر، لهذا لا يمكن أن يُعفى عنه أحد من سدنة الفكر الديني وتوجهاته مهْما بالغوا في تبرئة أنفسهم من تبعات ما حدث، ولعل من أهم العوامل التي أدت إلى انتشار المد الديني المتطرف على مختلف درجاته جهلنا بالتاريخ، وإن كنا قد قرأناه فبطريقة تمجيدية وقدمناه للناس بصيغة تقديسية، بعيدة تماماً عن العقل، متغاضين تماماً الاغتيالات التاريخية السياسية الأربعة المشهورة (عمر، عثمان، علي، الحسين)، التي أسقطت دولة الخلافة، والإمامة معاً في ضربة واحدة بلا عودة، وأنَّى لها أن تعود، وقد أصبح القتل بعدها حقاً مشروعاً لكل القتلة المستدلين على مشروعيتهم بتأويلاتهم الدينية الخاصة، حتى أثخنوا تاريخنا الإسلامي بالدماء، ما يشيب من هوله الولدان.

 

 

وقد أسهمت حقولنا التعليمية في التغاضي المتعمد عن قراءات ذاك التاريخ المرتبط بنا مباشرة، تحت مبرر الفتنة، وقد وصل هذا المنع إلى تحريم مراجعة التاريخ والاستبصار بوقائعه وثوراته المأسوية التي وقعت بدفع ديني طاغٍ، وهي متشابهة الظروف إلى حد كبير بما يحدث اليوم.

 

 

فلم يترك لنا فرصة الدراسة الواعية المتعمقة يوماً، واستنتاج حقيقة مفادها بأن أكثر الثورات الدينية وحتى معظم الحركات التي قامت على منهج ديني على مر التاريخ ليست إلا حركات سياسية تهدف إلى الاستئثار بالسلطة، والاسترزاق من حروبها.

 

 

من العوامل الأخرى التي أوصلتنا إلى هذا المنحنى الخطر محاربة كل الأصوات العاقلة والأفكار المستنيرة، وإقصاؤها بكل الطرق، منها الاغتيالات المنظمة لرموز الفكر والثقافة.

 

 

لتحرق بذلك كل المبادرات الهادفة لتعليم الناس معنى الحرية تدريجياً وتدريبهم على ممارسة حياتهم من دون ملاحقات من أي نوع، منها أيضاً: ترك المد الديني بكل أطيافه لمحاصرة عقول الناس التي وصلت إلى مستوى الاحتباس الديني حد الغليان المنذر بانفجار وشيك، وقد حدث فعلاً، فعندما تنغلق حياة الناس بطريقة غير متسامحة، وتصور الحياة حقيقة على أنها نار المؤمن، وجنة الكافر، ولاسيما لأولئك الذين لم يروا في حياتهم سوى البؤس والشقاء فإن الموت في سبيل أي شعار أو دعاية دينية يصبح لذيذاً ومطلوباً بشدة، من العوامل أيضاً: ضخ الكراهية والمقت في قلوب الشباب للأنظمة والجماعات المستأثرة بالسلطة والمال من دون غيرها، وترك الشعوب تتضور جوعاً وفقراً، وقد رأينا عياناً كيف عثر على مستودعات تغص بسبائك الذهب ورزم أوراق مالية عربية وأجنبية تعود ملكيتها إلى رؤساء ومسؤولين وشخصيات كبيرة فروا من وجه الثوار، بينما شعوبهم ترزح تحت وطأت الفقر والفاقة، وهذا ما عزز لدى الشباب المطحونين قناعتهم بنبل أهدافهم المتمثلة بتخليص شعوبهم من فساد أنظمتهم.

 

 

ما نغض الطرف عنه من دروس التاريخ هو أن أي حركة تصحيحية إصلاحية ما لم تقم بمراجعات وصيانة لقيمها ومبادئها وما لم تصبح متساوقة مع حركية الزمن وتطوراته فإن مآلها -لا محالة- إلى الاضطراب والتفكك ثم الزوال، ولن ينفعها التشبث بحرفية قيم حركتها ومبادئها وتقديسها.

 

 

أما الثورات والحركات الدينية التي تصر دائماً على العودة إلى الوراء بشكل حاد للنظر إلى المستقبل من عمق التاريخ المضطرب والموبوء بالفساد، فإنها ستقتلع الأرض من تحتها، وتوجد لها ألف مبرر ديني لقتل الناس من مخالفين ومختلفين، كما تلتمس لها غطاء شرعياً متزمتاً في فرض مفاهيمها الخاصة علی أرض الواقع، ولاسيما إذا استسلمت للغة السلاح كوسيلة فصل خارج حدود الكلمة العاقلة، -وكما قلت- فإن العقل الذي هو مناط التفكير والتدبر أسلم قياده للاحتباس العاطفي الجياش، الذي غُذِّي عبر حقب متلاحقة بتكفير الآخر، وكراهيته والدعاء عليه فوق المنابر، كما دُس بين المناهج بأكثر من شكل وطريقة، وقسّم الناس في مراتب شركية ثلاث، والتمس دلائل تفسيقهم علی أهون الأسباب، والاستئثار بالدين والصلاح وحجرة على ثلة من الناس واختراع مصطلح الفرقة الناجية كل ذلك أدى -وسيؤدي- إلى انفجارات لها دوي مروع سيحرق الأخضر واليابس، ولن ينظر إلى الدين على هذا النحو إلا على أنه أفيون الشعوب، وحقيقته ليست كذلك لو تُرك للأخلاق فقط.