مصير نظام الأسد يرتبط بالتطورات اليمنية

14:34

2014-09-30

غسان الإمام

الحروب الدينية ليست هي الأكثر عددا. التاريخ سجل 173 حربا دينية. لكنها هي الحروب الأشد والأطول. انتظر الرئيس الكاثوليكي فرنسوا ميتران ثلاثة قرون، ليتمكن من تشكيل حكومة برئاسة بروتستانتي (ميشال روكار). ثم ندم. فجاء برئيس يهودي (بيير بيريغوفوا) الذي انتحر. فجاء بيهودي آخر (رولان فابيوس) الذي استقال من فرنسوا الأول. وعاد بعد 25 سنة وزيرا لخارجية فرنسوا الثاني.

استغرقت الحرب الدينية الأطول بين قبائل أوروبا مائة سنة. مضت على حروب العرب الطائفية والأمنية ثلاث سنوات. ما زلت متفائلا. فلن أعيش مائة سنة أخرى، في انتظار نهاية حروب «داعش» والغبراء.

لا أبثُّ التشاؤم. فقد دخلت حروبنا طورا جديدا. فالحرب بين «الخليفة» البغدادي وابن حسين أوباما، قد تكون بداية النهاية. أو نهاية البداية. لماذا؟ لأن حروب العسكر. والبيادق. والشبيحة، لا نهاية لها من دون ضباط. وقادة. وساسة. وزعماء.

الحروب النظامية أسهل وأسرع. استغرقت الحرب العالمية الثانية ست سنوات فقط. لكي تنتهي، كان لا بد من أن يموت 75 مليون إنسان. ويستقيل تشرشل. وَيُحْتَضَر ستالين. وينتحر هتلر. ويموت روزفلت. ويلقي «خليفته» ترومان القنبلة المخيفة على هيروهيتو. نجا الإمبراطور. فلم يرسلوه إلى غوانتانامو. ملَّ. فمات في الفراش بعد 43 سنة.

في الانتفاضة، لم يظهر لدينا بطل. زعيم. قائد، يستطيع أن يقود. يوجّه. يحارب. يفاوض. يوقّع. ينتصر. يستسلم. صرنا اليوم في مرحلة حرب محدودة. وواضحة. هناك قائد يقود على الأرض. وآخر يقود من فوق. وهناك بشار الذي حاول أن يكون الطرف الثالث. فصار المتهم على الهامش.

كيف تنتهي الحروب؟ عندما ترتسم الخريطة الميدانية. فالنهاية تكون بتسوية سياسية «لا غالب ولا مغلوب»، إذا بقي أوباما هائما في الجو. وبقي البغدادي «خليفة» على الأرض. أوباما مضطر لأن يغادر. ولايته الرئاسية تنتهي بعد عامين. وإذا لم ترثه المقاتلة هيلاري، فسيبقى لدينا بشار غربا. و«الخليفة» شمالا وشرقا.

الطامة الكبرى في أن يبقى «الخليفة» ويرحل الآخرون! المصالحة مستحيلة بين أوباما و«الخليفة»، لأسباب باتت واضحة. وهي صعبة بين أميركا ونظام بشار. فالعرب الذين يقاتلون اليوم «داعش» لن يقبلوا، على الأرجح، هم والعرب الذين يتفرجون، بمصالحة نظام طائفي يتحمل مسؤولية المجزرة الكبرى التي وضعته في عزلة خانقة عن العالم.

وهكذا، فالحرب في سوريا والعراق مرشحة للاستمرار، باستمرار وجود بشار والبغدادي. والقصف الأميركي الكثيف منذ أكثر من شهر، لم يقلِّص مساحة «الدولة الداعشية» في البلدين. فها هي تتوسع في سوريا على حساب الأكراد. وفي العراق، عادت «داعش» فاستعادت «الأنبار» وألحقت هزيمة كبرى، للمرة الثانية، بجيش المالكي النظامي.

أميركا خصصت وحدها 500 مليون دولار، لتدريب وتسليح «المعتدلين» السوريين. وهذا يعني أن أميركا تنشئ جيشا لها في سوريا، وستكون له حتما قواعد عسكرية، صالحة حتى لإنزال قوات أميركية وعربية، للقضاء نهائيا على دولة الخلافة.

وأميركا قد تعثر على هؤلاء السوريين وغير السوريين، شرط ألا ينقلبوا «إخوانا» أو «جهاديين». بمعنى أن الوجود الأميركي في سوريا يجب أن يضمن ولادة سوريا «ديمقراطية وليبرالية» يقبل العرب والعالم بها.

هل تستطيع أميركا السورية التعايش مع نظام بشار (الإيراني/ الروسي)؟ لا أعتقد. فحجم الاشتباك والاحتكاك سيكون كبيرا، الأمر الذي سوف يجبر النظام وحلفاءه على الدخول بمواجهة غير مضمونة مع أميركا. أو ترحيل بشار وشلته الاستئصالية. بمعنى القبول بحل سياسي سوف يجنب أميركا الصدام مع روسيا المسلحة بالفيتو في مجلس الأمن.

بوتين الآن في موقف ضعيف في سوريا ومجلس الأمن، بعد تدخله في جارته أوكرانيا، متجاوزا موافقة الشرطي الدولي (مجلس الأمن) لمصلحته. أبدى بوتين موافقة على تقويض نظام «الخلافة» الداعشية. وبالتالي، فالتهديدات الأميركية القوية لنظام بشار، بعدم اعتراض عودة «الوجود» الأميركي إلى المشرق العربي، قد تكون منطلقا لترحيل النظام الطائفي بالقوة.

تبقى إيران السنِّيد الأكبر للنظام العلوي. فمع كل غارة أميركية على «داعش»، هناك سرور وغبطة تكتمهما التقيَّة الشيعية في طهران. رسميا وعلنا، ينافق روحاني معلمه خامنئي، برفضه «الاعتداء» الأميركي على «سيادة» النظام العلوي و«استقلال» سوريا.

الازدواجية الإيرانية تبدو متناقضة بوضوح. فميليشيات إيران العراقية تقاتل «داعش» في العراق، تحت المظلة الجوية الأميركية! وهي تقاتل في سوريا مع «حزب الله» وبقيادة إيرانية، المعارضة السورية المسلحة، جنبا إلى جنب مع ما تبقى من قوات النظام الطائفي!

تدرك إيران جيدا تعقيدات أوضاع العالم العربي. خبرتها. وتجربتها في المشرق، بالذات، تعودان إلى العصر الشاهنشاهي، بعد الحرب العالمية الثانية. أي قبل تسليم أميركا/ كارتر الحكم في إيران إلى الخميني بثلاثين سنة.

كان الهدف الاستراتيجي استعادة الجيل الشيعي العراقي واللبناني من الأحزاب السياسية، على أساس الاستعلاء العنصري على العرب، في زمن الشاه، وعلى أساس طائفي ديني، في عصر الخميني وخامنئي. بسقوط المشروع القومي العربي، وفي غفلة الأحزاب العربية، سجلت إيران الخميني نجاحا باهرا. فقد تم استيعاب الأجيال الشيعية في «الغيتو الطائفي».

ولعب نظام البعث «الطائفي» المتحكم بلبنان دورا كبيرا، في تمكين إيران. و«حزب الله». و«الحجتية» الشبابية، من إغلاق المنافذ أمام أي حوار بين الأجيال. فنشأ جيل إيراني جديد مغلق العقل والقلب إزاء الثقافتين العربية والإنسانية. وتمت عسكرته وبرمجته، في إطار ثقافة معادية لأمته العربية وللغرب. وساعد على ذلك انحياز أميركا الأعمى لإسرائيل.

سياسيا، أسقط حزب الشيعة حكومتين لبنانيتين وفاقيتين. وفرض عصيانا مدنيا بنصب الخيام أمام مقر رئاسة الحكومة (رمز المشاركة السنية في السلطة). وأدى تسليح الحزب، بحجة مقاومة إسرائيل، إلى غزوه بالقوة بيروت كبرى مدن السنة على طول الساحل الشرقي المتوسطي. وهيمنته عليها إلى الآن بالتهديد والترويع.

مع انفجار الانتفاضات العربية، دفعت إيران «حزب الله» إلى خوض معركة النظام العلوي الطائفي ضد شعبه المسالم في سوريا. فشارك في مجازر النظام. وأكره الرئيس اللبناني ميشال سليمان على الانسحاب. واعتمد على حليفه الماروني العماد ميشال عون في التستر على نفوذه الذي يمارسه داخل الجيش اللبناني.

مع ظهور «داعش» و«جبهة النصرة» كتعبير سلبي، عن غضب السنة في العراق، لحرمانها من المشاركة السياسية، ولملاحقة عملاء إيران لزعمائها المدنيين وضباطها العسكريين بالاغتيال والاعتقال، وبعد مقتل ربع مليون سني سوري، تسترت إيران على مسؤوليتها عن نشوء الميليشيات الطائفية في سوريا، بتقديم نفسها حمامة سلام مستعدة للتحالف مع أميركا في مكافحة «الإرهاب السني»!

أخفقت إيران في «قولبة» البحرين لصالحها، كما فعلت بلبنان. فقد أحبط الحذر الخليجي العربي خططها. لكنها استغلت انشغال العرب والعالم بمكافحة «الإرهاب». فاستدارت لافتعال أزمة «ميلودرامية» في صنعاء، أسفرت عن «انقلاب» عسكري/ مدني، هيمنت إيران به على السلطتين العسكرية والمدنية، تماما كما فعلت في لبنان. وشارك في هذا التحول الخطير خبراء وعملاء «حزب الله».

الأزمة اليمنية لم تنته بعد. رفض الحوثيون حل العصيان المدني والانسحاب المسلح من صنعاء بانتظار تشكيل حكومة جديدة، بديلة للحكومة التي أجبروها على الاستقالة، مستعينين باقترابهم من «الحراك الجنوبي». وبحلفهم مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، للقيام بدور ميشال عون المتستر على طائفية التحرك الإيراني في لبنان.

كان التحرك المصري/ الخليجي سريعا لمجابهة وكشف «الانقلاب» الإيراني في الحديقة اليمنية/ الخليجية. والهدف الأول السيطرة على المدخل الجنوبي (النفطي) للبحر الأحمر، وتعطيل المرور فيه، إذا لم تتمكن إيران من تعطيل الملاحة في الخليج، في أوقات «الشدّة». والهدف الثاني تحريك الجاليات العاملة في الدول الخليجية، لافتعال «توترات» تهز الاستقرار.

حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل المحافل الدولية في نيويورك خلال انعقاد دورة الجمعية العمومية الحالية من خطورة ما يحدث في اليمن، ولا شك أن التورط الإيراني في اليمن، ستتم مواجهته خليجيا وعربيا بالضغط، لإسقاط النظام السوري مع النظام «الداعشي». فوضع حد للعبث الإيراني بالأمن القومي العربي كفيل بإنهاء الأزمة السورية. ربما بإنزال قوات عربية/ دولية، لاستعادة وحدة سوريا الترابية والوطنية. ولا شك أن للحديث عن اليمن تتمة ومتابعة ميدانيا. وسياسيا.