سحر التراويح يغمر المصلين بجامع عقبة بن نافع في القيروان

16:02

2015-06-29

تونس - الشروق العربيلجامع عقبة بن نافع بمدينة القيروان، البعيدة نحو 160 كلم جنوب العاصمة التونسيّة، جاذبية خاصّة من بين مختلف جوامع تونس. وتزداد جاذبيّته خلال رمضان باستقطابه لآلاف المصلين المتدفّقين عليه لأداء صلاة التراويح، التماسا لنفحات وبركات الشهر الكريم واستظلالا بالمعالم الدينية العتيقة.

ويبدأ المصلون في التوافد على الجامع بعد الإفطار بقليل، لينهمك بعضهم في مساعدة العاملين بالجامع على فرش السجاد الخفيف على البلاط الرخامي العتيق.

ومع اقتراب موعد صلاة العشاء، بعد ساعتين من الإفطار على عادة أهل القيروان، ترى المصلين يحثون الخطى إلى الجامع، فرادى وجماعات، ومنهم من يحمل معه سجادته الخاصة، كأنهم في سباق من أجل إيجاد مكان في الجامع وموضع مناسب للصلاة.

يختار معظم المصلين مكانهم في الصحن الذي يتوسط الجامع، ومنهم من يختار موضعا في الأروقة التي تتشكل بها عادة حلقات حفظ القرآن الكريم.

يذكر أنّ الجامع الكبير أو جامع عقبة بن نافع، الذي أنشئ قبل نحو 14 عشر قرنا، احتضن طويلا حلقات للعلم والفقه تنهل من مختلف المذاهب والمدارس الفكرية والدينية، إلى أن وحّدها الإمام سحنون، خلال القرن التاسع للميلاد، في حلقة علم واحدة تستند إلى المذهب المالكي.

وتبقى بيت الصلاة التي ترفعها أعمدة من الرخام البيزنطي، المصممة بدقة هندسية وعناية فنيّة مبهرة، خالية من المصلين بعد خروج الأئمة وإتمام درس الفقه، وذلك على عادة شيخ المدينة الراحل عبدالرحمان خليف، المتوفى عام 2006، وكان يعدّ أبرز علّامة بالقيروان وإماما لجامع عقبة بن نافع ومؤسس الجمعية القرآنية بها خلال الستينات.

لا يكاد صوت الأذان يصدح من أضخم مئذنة، من بين 365 مسجدا وجامعا بمدينة القيروان، حتى يكتمل رصّ الصفوف استجابة لنداء الإمام.

عدد قليل جدا من بين الآلاف الذين قدموا إلى جامع عقبة، من يغادر قبل بدء صلاة التراويح. فالذين جاؤوا من بعيد على متن سيارات اكتظت بها المواقف المحيطة بالجامع الأعظم، لا يسعهم المغادرة قبل أداء صلاة التراويح خلف أئمة يتلون القرآن الكريم بقراءات تجمع بين عذوبة الصوت والخشوع.

ويتحمّل شق كبير منهم مشقة أداء 20 ركعة على عادة جامع عقبة منذ زمن، إلا من اختار الاقتصار على عدد زوجي منها. وتدوم مدة صلاة التراويح ساعة ونصف الساعة، يتم خلالها قراءة حزبين ونصف من بين الـ60 حزبا بالقرآن. يؤم المصلين 3 قراء يتناوبون بشكل دوري على الإمامة، وتنتهي الصلاة بالدعاء. وتشتهر القيروان برواية قالون عن نافع بالنسبة إلى القراءات القرآنية عند الصلاة. يتم تحفيظها في الكتاتيب والمدارس القرآنية المنتشرة في أرجاء المدينة، رغم معارضة بعض التيارات الإسلاميّة المتشدّدة التي سيطرت على بعض المساجد بين 2011 و2014 قبل عزل بعض أئمتها بتدخل أمني وقضائي.

وقال شيخ جامع عقبة، الطيب الغزي، إن رواية قالون هي “الشهيرة في القيروان وفي تونس.. ونحن نعتز بها ويكفي فخرا أنها تعود إلى نافع قارئ المدينة”.

معظم القرّاء الذين يؤمّون الناس هم من الشباب، حفظوا القرآن عن مؤدّبين ومدرسين خارج الجامع، وخاصّة بدار القرآن التي أسّسها الشيخ عبدالرحمان خليف في الثمانينات.

وقال الغزي إن جامع عقبة يعجّ بالمصلين في صلاة التراويح، وهؤلاء يأتون من محيط مدينة القيروان والقرى المجاورة، وكذلك من مدن مجاورة. ويتضاعف عدد الوافدين خلال العشر الأواخر من رمضان خلال صلاة القيام التي تسمّى في التقليد القيرواني بـ”التهّجد”.

ويعود سبب هذا الإقبال، حسب الغزي إلى “أن هناك سرّا في جامع عقبة، يجذب فئات مختلفة من الشباب والكهول والشيوخ والأطفال برفقة آبائهم، ويفضّلون الصلاة في جامع عقبة على مساجد أخرى”.

المقرئ عمر مزهود، 40 عاما، قال إنه حفظ القرآن الكريم طفلا، وقد بدأ في إمامة الناس في التراويح، منذ كان في الـ16 من عمره. وأوضح أن القيروان تمتاز بـ”تقديم حفّاظ القرآن في المحاريب دون سواهم”، حيث لا يعتمد الإمام على القراءة من المصحف، وإنما يعتمد على حفظه عن ظهر قلب، وكذلك المصحّحون من خلفه، وهذه ميزة جميع مساجد القيروان.

وأشار مزهود أنه يوجد في القيروان أكثر من 300 حافظ للقرآن الكريم، بقواعده من الشباب والكهول.

وأفاد الإمام الشاب رشيد العلاني، 20 عاما، أنه حفظ القرآن في سن 17 سنة، عند الشيخ المكي بكّار، مضيفا أن هناك أجواء روحانية في صلاة التراويح بجامع عقبة، وأنه حصل على فرصة الإمامة فيه، داعيا الشباب إلى النسج على منواله.

جوهري عمر شاب أندونيسي يدرس بالجامعة التونسية، 21 عاما، وجدناه بين المصلين في جامع عقبة، قال “جئت لأداء صلاة التراويح وسائر الصلوات بجامع عقبة بن نافع خلال شهر رمضان”، موضحا أنه سيقضي كامل شهر رمضان في القيروان قبل أن يعود إلى بلده بعد العيد. وقد كان مع جوهري في جامع عقبة 4 من مواطنيه يؤدون صلاة التراويح، وهم يسكنون مع عائلات تونسية في القيروان، حسب توضيحه.

عرف عمر القيروان أثناء مجيئه إلى تونس العام الماضي وطالع كتبا ومطويات سياحيّة ورد فيها أن الحضارة الإسلامية بتونس بدأت بالقيروان، قائلا “أريد أن أعرف معرفة دقيقة هذه المدينة” في إشارة إلى معالمها وخصوصياتها.

وقال إنّ أهم ما أعجبه في القيروان هو جامع عقبة وكذلك “وجود عدد كبير من الناس يصلون الصلاة في وقتها في رمضان والحرص على حفظ القرآن الكريم”.

تمكن جوهري عمر من الحصول على إقامة بمبيت الجمعية القرآنيّة بالقيروان. وهذه الجمعيّة تستقبل بدورها 26 شابا أفريقيا، من بوركينافاسو وأوغندا وغيرها جاؤوا لحفظ القرآن الكريم، منذ فترات تتراوح بين عام و5 أعوام، يقضونها في الحفظ دون سواه.

وكل من يحصل على شهادة الحفظ يعود إلى بلده ليقوم هناك بفتح كتّاب أو التدريس في مدرسة قرآنية أو مواصلة دراسته الجامعيّة، وتحظى شهادة الحفظ القيروانية بتقدير من عديد الدول الإسلامية وخصوصا السعودية.

ويتعاظم سحر القيروان ونفحاته، في ليلة الـسابع والعشرين من رمضان، بشكل لا يوصف على مستوى العبادات والعادات والفرحة وأفواج الزائرين من مختلف جهات البلاد ليشهدوا ليلة هي خير من ألف شهر.