سياسة اليد المرتعشة تجاه مكافحة الإرهاب تقرب تونس من فكي داعش

15:57

2015-06-29

تونس -الشروق العربي– بدا الهجوم الإرهابي على فندق بمدينة سوسة السياحية التونسية مؤشرا قويا على أنّ “سياسة اليد المرتعشة” التي انتهجتها حكومة الحبيب الصيد الائتلافية بين إسلاميين وعلمانيين تجاه الجماعات الجهادية، زجّت بالبلاد بين فكّي تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي أعلن تبنيه للهجوم الدموي، معتبرا إياه “غزوة نوعية موجعة” و”رسالة مخضبة بالدم إلى المرتدين في تونس ومن خلفهم أربابهم في حلف الصليب”. الأمر الذي قاد القوى الديمقراطية في البلاد إلى مطالبة الحكومة بـ”الضرب من حديد” ضد مختلف الجماعات الجهادية التي “استباحت تونس دولة وشعبا”.

ويجمع التونسيون من أحزاب سياسية ديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني ومواطنون على أنه “ما كان للتنظيمات الجهادية القيام بهجوم سوسة وغيره من الهجمات الموجعة لولا حالة استخفاف السلطات بخطورة تلك التنظيمات على كيان الدولة وأمن المجتمع، وغياب إرادة سياسية قوية تجعل من الإرهاب أولى أولويات الحكومة التي ائتمنها الشعب على أمنه واستقراره”.

وأجّج هجوم سوسة الذي خلف 39 قتيلا و39 جريحا أغلبهم من السياح الأوروبيين، غضبا شعبيا على السلطات التي “تسامحت كثيرا” تجاه الجماعات الإسلامية التي قويت شوكتها مستفيدة من هشاشة الوضع العام بالبلاد ومن غياب إستراتيجية كفيلة لا بتفكيك خلايا تلك الجماعات فقط، وإنما بـ”اجتثاث” الإرهاب فكرا وممارسة، بعد أن استفحل في مختلف مناطق البلاد وفرّخ في العشرات من المساجد التي استولى على منابرها جهاديون وجعلوا منها أوكارا لنشر خطاب تكفيري يحرض على العنف والكراهية.

وفي مؤشر على استشعار الحكومة بأنّ أمن تونس بات بين فكي الجهاديين، بحث حبيب الصيد خلال لقائه، السبت، بالأمناء العامين للأحزاب السياسية “إمكانية الإعلان عن حالة الطوارئ القصوى بالبلاد”.

شكوك متنامية

اكتفت الحكومة التونسية خلال الأشهر الثلاثة الماضية بالتركيز على تفكيك عدد من خلايا الجماعات الجهادية، وروّجت كثيرا إلى أنها تقود جهودا لمكافحة الإرهاب دون أن تتخذ “موقفا سياسيا شجاعا” يرفض أيّ نشاط للجماعات التي تتبنى فكرا جهاديا لا يؤمن لا بمدنية الدولة وسيادتها وهيبتها ولا بنمط المجتمع التونسي الذي تساوره “شكوك” حول مدى صدقية السلطات في شن “حرب حقيقية” على ظاهرة الإرهاب.

ويرى السياسيون أن تلك الشكوك مشروعة، باعتبار أن الناخبين التونسيين صوتوا خلال الانتخابات التي جرت في الخريف الماضي لفائدة نداء تونس ولمؤسسه الباجي قائد السبسي من أجل “إنقاذ تونس″ من مخاطر الإسلاميين على مكاسبهم السياسية والاجتماعية والأمنية التي قادتها دولة الاستقلال مند العام 1956 بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي كان يصف جماعات الإسلام السياسي بـ”الجراثيم” التي تسعى إلى نخر المشروع وطني الحداثي من خلال فكر متشدد يتناقض كل التناقض مع الفكر الإصلاحي المتسامح والمعتدل الذي قاده مصلحون تونسيون مند منتصف القرن التاسع عشر.

وروج نداء تونس الذي تأسس عام 2012 لنفسه بأنه “قوة سياسية علمانية” تأسست لمجابهة الإسلاميين الذين قال عنهم إنهم يسعون إلى استهداف الدولة المدنية ومكاسب التونسيين من خلال مشروع ظلامي يهدف إلى الرجوع بالبلاد إلى القرن السابع، وهو ما يفسر نجاحه خلال عامين من تأسيسه في استقطاب تيارات ديمقراطية وكفاءات متخصصة في جميع المجالات.

وبدا نداء تونس خلال الانتخابات “ملاذا” لغالبية التونسيين من تسونامي جهاديين يسعون إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتفكيك مؤسسات الدولة وضرب الحريات، وهو ما يفسر أن أكثر من مليون امرأة صوتت له لحماية مكاسبها التي أصبحت مهددة من طرف مشروع الإسلام السياسي.

غير أن “ملاذ” القوى الديمقراطية، فقد الكثير من صدقيته بعد أن تمّ إشراك حركة النهضة الإسلامية في حكومة الحبيب الصيد، ونكث عهوده الانتخابية بأنه لن يتحالف مع الإسلاميين وإنما سيتحالف مع القوى الديمقراطية.

وغذّى إشراك النهضة في الحكومة “توجسا” لدى غالبية التونسيين بأن نداء تونس قد “خان” أصوات الناخبين وأنه ليس بـ”الملاذ الآمن” من مخاطر الجماعات الإسلامية، ورأوا في إشراك النهضة في الحكومة مؤشرا قويا على “نوع من التسامح” تجاه تلك الجماعات.

ولم يتردد السياسيون في التأكيد على أن إشراك النهضة تم بـ”دافع أمني” أكثر منه سياسي، مشدّدين على أن قائد السبسي “مهندس عملية الإشراك” راهن على النهضة باعتبارها القوة الانتخابية الثانية لتنفيس حالة الاحتقان التي تعصف بالبلاد وتهدئة الأوضاع المتوترة، كما راهن على دورها في “ترويض” الجماعات الجهادية وإقناعها بأن الحكومة ستتعامل بـ”مرونة” معها في إطار “وحدة وطنية” كرسالة “طمأنة” للجماعات المتشددة من جهة ورسالة “طمأنة” للشعب بأنّ “حكومة الصيد الائتلافية هي حكومة قوية قادرة على تسيير شؤون البلاد وإنقاذها من أزمة خانقة”، من جهة أخرى.

غير أنّ رسالتي الطمأنة “احترقتا” قبل وصولهما، حيث بدا أداء الحكومة خلال الأشهر الماضية “ضعيفا” و”دون تطلعات غالبية التونسيين”، بسبب خلافات عميقة داخل الأحزاب المؤتلفة. وهي اختلافات كثيرا ما تكتمت عليها حكومة ائتلاف هش تعصف بها تناقضات حادة بين إسلاميين يسعون إلى تنفيذ مشروع الإسلام السياسي وبين علمانيين يرون أن إنقاذ تونس من أزمتها لن يكون إلا بالنأي عن الإسلام السياسي وتنفيذ مشروع وطني ينبني على قيم الحداثة وحرية الضمير التي نص عليها الدستور.

سياسة اليد المرتعشة

فيما كانت الحكومة التونسية تنتهج سياسة اليد المرتعشة تجاه الجماعات الجهادية، كانت قيادات تلك الجماعات العائدة من سوريا والعراق ترص صفوفها وتنشط في إطار خلايا منتشرة في أغلب مناطق البلاد، وخاصة في الجهات المحرومة وفي الأحياء الشعبية حتى أنها “نجحت” في نقل هجماتها من مرتفعات سلسلة جبال الشعانبي إلى البلدات والقرى في تحول نوعي خطير، أكّده هجوم المتحف الأثري بباردو الذي خلف حوالي 70 ضحية بين قتيل وجريح.

وعلى الرّغم من أنّ “مخطط الزحف نحو المدن” بدا واضحا، إلاّ أنّ السلطات السياسية والأمنية لم تتخذ أي إجراءات صارمة لتحصين المدن من هجمات مؤكدة، كثيرا ما حذر منها الخبراء الذين ما انفكوا يشددون على أنّ “هجمات المجموعات الإرهابية في الجبال وفي القرى هي تمهيد للقيام بـ”ضربات نوعية موجعة تستهدف المدن الكبرى”.

ومع اختراق الخطر الإرهابي للمربع الأمني الذي كثيرا ما اُعتبر “خطا أحمر”، ويعد محرارا أمنيا بامتياز، وتنفيذ أوّل عملية إرهابية وأخطرها في تاريخ البلاد في مُجمّع لقُصور تضمّ المتحف الوطني رمز ثراء حضارتها وثرائها ومقر البرلمان رمز سيادتها وتجربتها الديمقراطية وقتله للعشرات من السياح في منطقة باردو، وسط العاصمة، يكون تنظيم “الدولة الإسلامية” قد أعلن الحرب رسميا وعمليا على تونس في “غزوة” أجمع الخبراء السياسيون والتونسيون على أنها فتحت البلاد على كل الاحتمالات، بما فيها “عمليات” أخرى أشد وأنكى قد تزج بالتونسيين في حالة حرب شبيهة بما يحدث في الجارة ليبيا التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى “خزان” للمقاتلين التونسيين العائدين من سوريا والعراق الذين يتسللون إلى التراب التونسي بمساعدة من قبل الجماعات الجهادية الليبية، وفي مقدمتها “قوات فجر ليبيا”، التي تسيطر على المعابر الحدودية بين البلدين.

ويضيف الخبراء أن “غزوة باردو” تعد بالنسبة لتنظيم “داعش”، “فتحا لا لتونس العاصمة فقط، وما يحمله من دلالات سياسية وأمنية ودينية واقتصادية”، وإنما هو “إعلان حرب من تنظيم يسعى إلى إقامة إمارة تابعة له في شمال أفريقيا”.

وتوقع الخبراء أن مقاتلي تنظيم الدولة باتوا بعد هجوم باردو “أكثر ثقة في أنفسهم” على اختراق المنظومة الأمنية لتوجيه ضربات أخرى تستهدف بالخصوص المدن السياحية مثل الحمامات وسوسة والمهدية.

وكان هجوم باردو “رسالة قوية” من خلايا تنظيم “الدولة” في تونس إلى التنظيم الأم بسوريا والعراق بأن جهاديي تونس لم يبايعوا أبا بكر البغدادي نظريا فحسب، وإنما بايعوه عمليا على “زرع نواة” له في تونس قادرة على توجيه ضربة موجعة للبلاد.

وفي ظل هشاشة الوضع العام اجتماعيا وأمنيا، تسلل أكثر من 600 جهادي عادوا إلى تونس قادمين من مالي وحوالي 1400 جهادي قدموا من سوريا والعراق خلال عامي 2013 و2014 حاملين معهم “خارطة جديدة” لمنطقة المغرب العربي تجعل من تونس “دار جهاد”.

رسالة دموية جديدة

جاء الهجوم على سوسة كنتيجة لـ”مرونة السلطات في تعاملها مع الجهاديين”، وفق عدد من المحللين، وهي مرونة سهلت على الجماعات الجهادية تكثيف نشاط خلاياها التي يقدرها الخبراء عددا بـ 180 خلية، حتى أنها جندت 1200 شخص خلال عام 2014، وحاولت تسفيرهم إلى سوريا والعراق غير أن السلطات الأمنية منعتهم.

ولئن صدم هجوم سوسة السياسيين وفاجأ الأمنيين، إلاّ أنه لم يصدم الخبراء ولم يفاجئ غالبية التونسيين الذين كثيرا ما حذروا من مخاطر الجماعات الجهادية التي قويت شوكتها خلال السنوات الأخيرة،

ويبدو أن جهاديي تنظيم “الدولة الإسلامية” قد استنزفوا الكثير من الوقت والجهد والتخطيط للقياد بهجوم سوسة، ليؤكدوا أوّلا أنّ الضربات التي تلقوها من وحدات الجيش وقوات الأمن لم تشل نشاطهم ولم تمزق تنظيمهم، وليؤكدوا ثانيا وهو الأهم أنّهم يمتلكون من الروح القتالية ومن الجهوزية ما يجعلهم قادرين على اختراق كل الخطط الأمنية بل اختراق حتى المناطق الحمراء لتنفيذ عمليات إرهابية نوعية في المدن الكبرى، لما تمثله من رمزية سياسية واقتصادية وأمنية.

ويرى الخبراء أنه لا يمكن فهم الهجوم على سوسة بمعزل عن “العقيدة الأمنية” التي تتبناها المجموعات الإرهابية، إذ تعتبر أن “معركتها ميدانيا على الأرض هي بالأساس معركة أمنية”، تدور رحاها مع وحدات الجيش وقوات الأمن الذين تصفهم بـ”بالطواغيت” وهي تسمية “تستبيح دماءهم”، لذلك ركزت تلك المجموعات منذ عام 2012 على قتل وذبح الجنود والأمنيين باعتبارهم “حماة نظام الحكم”. وقادت العقيدة الأمنية لتلك الجماعات إلى “إحداث جهاز أمني” يتولى تأمين المسائل الاستخباراتية والتزويد بالمعطيات لضمان نجاح “الغزوات”.

ولم تكن تقديرات تلك الجماعات بخاطئة، بل إنها تعكس على خلاف ما لا يراه عدد من السياسيين، أنهم يتحركون وفق خارطة أمنية واضحة لديهم تمكنوا من رسمها بتجنيد العشرات من عناصر الخلايا المزروعة في الأحياء الشعبية وفي قلب العاصمة أيضا وهي خلايا على معرفة دقيقة بتونس.

وكان الأمنيون التونسيون يطلقون من حين لآخر صيحة فزع، مشدّدين على أنهم يخوضون حربا غير متكافئة مع المجموعات الإرهابية لا من حيث العتاد والتجهيزات ولا من حيث توفر المعلومات الاستخباراتية، حتى أنهم لم يترددوا عامي 2012 و2013 في اتهام حكام تونس الجدد بأنهم “يفتقدون للإرادة السياسية الواضحة في مكافحة الإرهاب”.

فقد كانت الأجهزة الأمنية على وعي بأنّ الوضع بدا ينفلت من سيطرتها وأدائها في ظل تسلّل المئات من الجهاديين والعشرات من القيادات التي كانت تقاتل في صفوف “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق ونجاح التنظيم في زرع الخلايا وسط حالة من “التسامح المريب” من قبل السلطات.

وأكد هجوم سوسة، كما يذهب إلى ذلك كثير من الخبراء ، أنّ الجماعة الإرهابية التي تقف وراء العملية “أرادت أن تربك الأجهزة الأمنية وتحبط عزيمتها وترسل لها رسالة دموية مفادها أنها قادرة على اختراق أي منطقة أمنية حمراء مجهزة بتجهيزات عالية، وأنّ “العقيدة الأمنية الجهادية هي أشد من العقيدة الأمنية النظامية”.

وبعكس بعض المواقف يتسلح تنظيم “الدولة الإسلامية” بذكاء حاد على غاية كبيرة من الدهاء تغذيه الكراهية المقيتة التي لا تستنكف من قطع الأرزاق، بل ترى فيه “المخنق” الوحيد للزج بوضع متأزم في حالة أشد تأزما، لذلك أشّر هجوم سوسة على حرب معلنة على الاقتصاد التونسي المنهك بطبيعته من خلال ضرب قطاع السياحة الذي يعدّ قطاعا حيويا في تونس يمثل أكثر من 7 في المئة من الناتج المحلي.

فقد أرسل التنظيم المتشدد رسالة دموية مضمونة الوصول إلى كلّ الأسواق السياحية مفادها أنّ تونس لم تعد وجهة آمنة للسياحة وبذلك يكون الإرهابيون قد أجهضوا مسبقا الموسم السياحي القادم الذي تعول عليه البلاد لإنعاش الاقتصاد.

ويشدد التونسيون على أنّ بلادهم عليها أن تبدأ تاريخا جديدا في علاقتها بمكافحة الإرهاب، وهم يقولون إن تونس قبل 26 جوان 2015 ليست تونس بعده، مطالبين حكام تونس الجدد بـ”إعلان الحرب رسميا على الإرهاب”، باعتبار أن الهجوم استهدف تجربتهم الديمقراطية الناشئة.

ويبدو أن هجوم سوسة “عمق لدى نداء تونس الذي يقود الحكومة بعد أن ائتمنه الناخبون على أمن البلاد الشعور بمخاطر الإسلاميين”، حيث اعتبر أنّ “الحرب الّتي يشنّها الإرهابيون هي حرب موجّهة ضد الشعب ومصادر رزقه وقوته واقتصاده مثلما هي موجهة ضدّ دولته ومؤسساتها”.

ويرى الخبراء الأمنيون والعسكريون أن تونس تخطو نحو “حرب مصيرية” ضد جماعات الإسلام السياسي بجميع تنظيماتها وعناوينها لن تقودها وحدات الجيش وقوات الأمن فحسب، وإنّما ستساهم فيها كل القوى الديمقراطية ومختلف فئات المجتمع من خلال تجفيف الحاضنة الاجتماعية للجهاديين.

ويشدّد الخبراء على أنّ كسب تونس لمعركتها ضد الجماعات الجهادية مرتبط أولا بإرادة سياسية قوية تجتث ظاهرة الإرهاب من أصولها، وثانيا بدعم سياسي وعسكري وأمني من قبل الدول الغربية، وثالثا بالأوضاع المتأزمة في ليبيا.