البطالة تعصف بمكاسب المرأة في تونس ومستقبلها

21:36

2015-06-28

تونس - الشروق العربيأماطت أرقام المعهد الوطني للإحصاء الصادرة خلال الشهر الجاري اللثام عن نسب مرتفعة للبطالة في تونس، لا سيما لدى شريحة الإناث في وقت يدجّج الخطاب السياسي الرائج بعد 14 يناير بمقولات التناصف بين المرأة والرجل في الاستحقاقات الانتخابية وفي سياق ارتفاع نسبة تمدرس المرأة التونسية مقارنة بمثيلاتها في الفضاء العربي والإسلامي.

وأكّد المعهد الوطني للإحصاء في بيان صدر مؤخرا أنّ نسبة البطالة لدى الذكور خلال الثلاثي الأوّل من العام الجاري تقدّر بـ12.5 بالمئة بينما سجلت البطالة لدى الإناث نسبة 21.6 بالمئة، مشيرا إلى أنّ نسبة البطالة في البلاد قدرت بـ15 بالمئة من جملة السكان النشيطين الذين يقدرّون بـ4 مليون نسمة.

أرقام دفعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى دقّ ناقوس الخطر خلال تقريرها الأخير حول البطالة في تونس، حيث أشار التقرير إلى أنّ “الفتيات” في هذا البلد يقفن على رأس العاطلين عن العمل من حيث النسبة والعدد.

نفس الملاحظة توقفت عندها منظمة العمل العربية في تقريرها السنوي حيث اعتبرت أنّ نسبة البطالة في تونس ارتفعت بنسق كبير (من 13 بالمئة عام 2010 إلى 18 بالمئة عام الثورة و19 بالمئة عام 2012 وقد تراجعت النسبة في عام 2014 لتصل إلى حوالي 16 بالمئة قبل أن تعادل هذا العام الـ15 بالمئة) هذا خلال سنوات ما اصطلح عليه بـ”الربيع العربي”، موضحة أنّ النساء من أكثر ضحايا الاحتجاجات الشعبية في دول الربيع العربي ككلّ وفي تونس بوجه خاصّ.

هنا تنتصب العديد من القراءات التفسيرية لظاهرة بطالة المرأة في تونس تتجاوز في عمقها التبريرات التعميمية لواقع اجتماعي متردّ في البلاد تتقاسمه المرأة مع الرجل بعد زلزال الثورة التونسية وتنأى بنفسها أيضا عن القراءات الشمولية الباحثة عن خيط ناظم يفسّر الأوضاع العربية في كافة الأقطار بمنظومة تفسيرية يتيمة، ذلك أنّ الوضع في تونس من حيث القوانين والتراتيب والوضع الاجتماعي للمرأة يتباين عن بقية البلاد العربية لذا وجب اجتباء زاوية تحليلية تكون وفية للمكان والزمان والموضوع المدروس.

بطالة بعد "الثورة"

تربط قراءات سوسيولوجيا العمل في تونس بين مجالات العمل وبين الراهن الاجتماعي والاقتصادي بعد ثورة 14 يناير ذلك أنّ القطاعات المستوعبة للعاملين تنقسم إلى 51.7 بالمئة لقطاع الخدمات و18.4 بالمئة لقطاع الصناعات المعملية و15.6 بالمئة لقطاع الفلاحة والصيد البحري و14.3 في قطاع الصناعات غير المعملية. وحيث أنّ الأسبقية في التشغيل تعود إلى قطاع الخدمات والصناعات المعمليّة فإنّ أي مساس بهذا السوق سيؤثر سلبا على بطالة العاملين فيه.

في هذا المفصل يؤكد التقرير العربي الرابع حول التشغيل والبطالة الصادر عام 2014 أنّ إغلاق عدد من المؤسسات المشغلة لليد العاملة النسائية بعد الثورة والمختصة في النسيج والملابس -تؤكد مصادر رسمية أنّ أكثر من 400 مصنع ومعمل أغلقوا بعد الثورة بسبب الإضرابات العشوائية والمطلبية المشطة- أفضى إلى إحالة عدد من الإناث إلى “البطالة الوجوبية”.

الشهادة لا تساوي فرص عمل

بطالة وجوبية لم تسلم منها أيضا صاحبات الشهائد العليا اللواتي اكتوين بنار العطالة عن العمل بسبب ما يسمّى بـ”التخصصات” صعبة التشغيل من علوم إنسانية واجتماعية حيث لا تمتّ لسوق الشغل بأي صلة. ويؤكد المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة بطالة حاملي الشهائد العليا لدى الذكور تقدر بـ20.8 بالمئة فيما تقدر بـ39 بالمئة في صفوف الإناث حيث بلغ عددهم 222.9 ألف صاحب شهادة في موفى مارس 2015.

هنا يكشف التقرير العربي حول التشغيل عن أرقام مفزعة مؤداها أنّ نسبة العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات التونسية تضاعفت ثلاث مرات ونصف في الفترة الممتدة بين 2006 و2013.

يذكر في هذا الصدد أنّ الإناث يمثلن أكثر من 60 بالمئة من جملة الملتحقين بالتعليم العالي في تونس، وفق إحصائيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

المفارقة في السياق التونسي أنّ نسبة البطالة عند خريجي الجامعات تقدّر بـ29 بالمئة مقارنة بـ8 بالمئة عند من ليس لهم أي مستوى تعليمي وحوالي 12 بالمئة عند حاملي المستوى التعليمي الابتدائي، بمعنى أنّ معادلة “شهادة التخرج تؤمّن فرصة العمل” انخرمت وقوّضت من الأساس.

بالتوازي مع منظور الحراك الشعبي وتداعياته على سوق العمل بالنسبة للإناث على الأقلّ إضافة إلى انسداد أفق العمل لصاحبات الشهائد العليا تبسط القراءة الميدانية لسوق الشغل في تونس مقاربة تفسيرية لواقع بطالة المرأة. حيث تشير تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أنّ نسبة هامّة من الإناث التونسيات يباشرن أعمالا غير منظّمة لا تستجيب لحقوق العامل من حيث ساعات العمل والأجر.

إذ تؤكد “التعاون والتنمية الاقتصادية” أنّ 50 بالمئة من الشباب التونسي -غالبيتهم من الإناث- يعمل في القطاع غير المنظم دون الانتفاع بأي حماية ولا حتى القدرة على استمرارية العمل لأن أغلبهم يعمل بنظام العمل الهشّ -بلا عقود أصلا- ما يضعهم في مفارقة أليمة فهم عاملون في الميدان عاطلون في الإحصاء وفي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وترى المنظمة أنّ الاندماج المهني يشكل معضلة حادة في تونس فغالبية الشباب وبالخصوص من الإناث لا يباشرون الحياة المهنية وإن باشروها فإنهم يعملون في الإطار غير المنظم أو المؤقت ثم إنهم يخضعون في الغالب ليوم العمل المطول وللأجور الضعيفة.

وهو ما تسميه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بـ”الإطار غير المنظم” هو في المحصلة “سوق التجارة الموازية” الذي بات يشغّل أكثر من 500 ألف عامل دون أن ينتفع الكثيرون منهم بحقوقهم العمّالية من حيطة اجتماعية وضمان صحيّ وأجر محترم.

واقع اجتماعيّ تعيس يفرضه انعدام الخيارات وانسداد آفاق العمل في بلد تؤكد التقارير الدوليّة أنّ واحدا من ثلاثة عاطلين به لم يحظ بفرصة عمل منذ عام على الأقلّ بمعنى أنّ أكثر من 33 بالمئة من العاطلين يعانون من “البطالة طويلة الأمد”.

التشدد الديني

مع كلّ ما سبق ذكره من تفسيرات سببية لبطالة المرأة في تونس، يبدو أنّ تجاهل ظاهرة التشدّد الديني المنتشرة لدى شريحة الشباب والفتيات في البلاد يجعل من قراءة الأرقام عملية مجانبة للصواب ونائية عن الوصول إلى الإجابات الشافية.

صحيح أنّ الربط بين التشدد الديني وعطالة المرأة في ظلّ غياب معطيات كمية وبراديغمات كيفية مضبوطة عملية غير مضمونة علميا، إلا أنّ الملاحظة التشاركية لأنثروبولوجيا المجتمع خلال الفترة الأخيرة تجعل من هذه الفرضية غير مستبعدة بالمرّة.

ذلك أنّ الناظر في عدد الإناث التونسيات المقاتلات في سوريا والعراق والذي -أي الرقم- يتجاوز الـ700 مقاتلة بينهن 300 في تنظيم داعش الإرهابيّ، وفق أرقام المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والأمنية والعسكريّة، فيما تقبع أكثر من 100 تكفيرية وراء قضبان السجون بتهمة مساعدة الإرهاب وتقديم الدعم اللوجستي للإرهابيين خلال عملياتهم الإجراميّة، يدرك أنّ خطابا متشددا بات يشدّ عددا من الإناث وهو خطاب يبصر في المرأة مجرّد “عورة” لابدّ من إخفائها كاملة وإبقائها في البيت إضافة إلى الفصل التام بين الذكور والإناث درءا للفتنة ومنعا للانحلال المجتمعي، وهي نقاط مثلت محور تركيز الخيمات الدعويّة في تونس والأفكار الأساسية لدروس دعاة التشدد الذين تقاطروا على تونس إبان حكم “الترويكا”.

وما الجدل الذي أثير خلال ترؤس المرحوم المنصف بن سالم لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي حول “النقاب” إلا تداع من جملة تداعيات تغلغل الخطاب السلفي لدى الفتيات والذي تجسّم أيضا في نسب التسرب المدرسيّ لهن من المعاهد والإعداديات، وهو انقطاع ربطته عدة تفسيرات باستبطان بعضهن لخطاب السلفية المتشدّد.

وبعيدا عن الأحكام الاعتبارية حول النقاب فإنّ مجرّد ارتدائه -بعيدا أيضا عن بوابة الحرية الشخصية- يفضي إلى بطالة آلية على اعتبار أنّ المؤسسات التونسية سواء منها العامة أو الخاصة لا تقبل بهذا اللباس في منظومة العمل داخلها.

بمعزل عن كافة التفسيرات المقدمة فإنّ بطالة المرأة في تونس تخسر البلاد الكثير من قوتها الناعمة المبنية على أسبقية تونس في الإحاطة بشؤون المرأة وتحريرها من ربقة الجهل والعقلية الذكوريّة.

هنا يفترض بالدولة التونسية تجاوز القصور الهيكلي القائم على التفاوت الكبير بين عدد المتخرجين سنويا -نحو 120 ألف طالب شغل- وبين قدرة المؤسسات العامة والخاصة على الانتداب -فقط 80 ألفا- وهو تباين سيزيد من حدّة الهوّة بين الشباب ذكورا وإناثا والسلطات التونسية وقد يحشر ببعض النسوة في منزلقات كنّ بالأمس في مأمن منها.

ذلك أنّ الإحصائيات الرسمية تشير إلى انجذاب بعض التونسيات العاطلات عن العمل إلى الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا وركوبهنّ قوارب الموت إلى إيطاليا.

وعوضا عن البحث في أمل متسربل بغيوم الليل في البحر أو التوق إلى “جنّة” مزعومة، وفق الادعاء الداعشي، مفروشة بدماء الأبرياء من مسلمي العراق والشام أو الدفع بنفسها في دوامة “اللحم الرخيص” في بعض الأقطار العربية الثرية تحت عنوان البحث عن حلاقة للعمل، لابدّ للسلطات التونسية من صنع “الأمل والعمل” قبل أن تغرق البلاد بالجمل وما حمل.