مصر تحت قيادة السيسي

20:13

2014-09-28

الشروق العربي 

حين أعلن عبد الفتاح السيسي عن نيته بأن يترشح لمنصب رئيس جمهورية مصر في آذار/مارس الماضي، كان مرتديًا بذّته العسكرية. ومع أن ذلك طبيعي لوزير دفاع منتهية ولايته، اعتبر الكثيرون هذا الظهور تأكيدًا على أن البلاد ستصبح جمهورية عسكرية مع السيسي على رأسها. و بعد حلول وأفول المئة يوم للسيسي فى قصر الرئاسة، يجدر التساؤل حول ما اذا كان السيسي يقوم باضفاء الصفة العسكرية على مصر؟

كان المحللون في الماضي ينظرون إلى تشكيل الحكومة للإجابة على هذا السؤال، حاسبين أنه يمكن قياس درجة التحول إلى نظام عسكري وفق عدد الشخصيات العسكرية الموجودة في الحكومة. فعلى سبيل المثال، ازداد عدد الشخصيات العسكرية في حكومات الرئيس السابق جمال عبد الناصر بعد انقلاب "الضباط الأحرار" في العام 1952، وعاد هذا العدد وانخفض بعد حرب 1967 واستمر بالتراجع في عهد الرئيس السابق أنور السادات. وبدا وكأن الطابع المدني ازداد في السلطة بشكل ثابت حتى الوقت الذي عُيّن فيه خلف السادات، أي حسني مبارك، رئيسًا للجمهورية.

أما الآن، وفيما يحكم مصر جنرال شعبي ومتقاعد منذ فترة ليست ببعيدة، فلم يعد هذا المعيار في تشكيل الحكومة ذات قيمة عالية مع أنه كان أداة تحليلية مفيدة في الماضي. فحكومة السيسي تتألف بشكل رئيسي من مدنيين، ومع ذلك هناك إشارات إلى أن الرئيس الحالي يعتمد بشكل كبير على القوات المسلحة لتطبيق عدد من السياسات، ولعلّ المثل الأبرز هو مشروع قناة السويس.

تحظى القناة الجديدة، التي يتم بناءها على أرض يملكها الجيش، بطابع خاص في سياسة السيسي، وتلعب القوات المسلحة دورًا كبيرًا في هذا المشروع  إذ يشرف عليه رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.  كما وتحمّل الجيش تكاليف الحفر في البداية ووفّر ملايين اللترات من الغاز من مخزونه الخاص، كما يُفترض، لتغذية الآلات المستخدمة لحفر القناة.

في الواقع، من دون المشاركة الفاعلة للجيش في المشروع، لاستحال توسيع قناة السويس نظرًا لشح الموارد المالية والطاقة في مصر. لكن السيسي يدرك الترحيب الشعبي الذي يحظى به مشروع السويس الجديد، لاسيما إن كان سيكتمل في سنة واحدة، وبالتالي هو يعتمد على المؤسسة الوحيدة التي يمكنها تحقيق هذا العمل البطولي الذي لا يمكن تحقيقه بأي طريقة أخرى، وهذه المؤسسة هي الجيش. وبحسب الرئيس السابق للهيئة الهندسية، ينفذ الجيش المشاريع ويقدم الخدمات في وقت أقصر وبكلفة أقل من شركات القطاع الخاص. ولا شك في أن السيسي يراهن على صحة هذا الكلام.

بالإضافة إلى ذلك، توجه السيسي إلى زملائه السابقين في الجيش للتبرع لصندوق "تحيا مصر" في مسعى رئاسي لجمع عشرات ملايين الدولارات دعمًا للاقتصاد المصري. ومع أن الرئيس وشخصيات بارزة أخرى تبرعت لهذا الصندوق يبدو الكثير من المصريين مترددين في حذو حذوهم، لاسيما أولئك العاملين في مجتمع الأعمال. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجيش هو القاعدة التي يستطيع السيسي الاعتماد عليها بارتياح؛ حيث أن الضباط والجنود الذين كانوا تحت قيادة السيسي يومًا، لبوا النداء وتبرعوا. وقام في هذا السياق كل من وزير الدفاع صدقي صبحي ورئيس الأركان محمود حجازي بزيارات رفيعة المستوى إلى المصرف وحثاّ الآخرين إلى القيام بالمثل. وقد ساهم أيضًا جنود من وحدات الجيش المختلفة، من القوات الخاص إلى هيئة التدريب للقوات المسلحة، بفعالية وعلنًا، وقيل إن المنطقة الغربية العسكرية جمعت الأموال وتبرعت بأكثر من 40 ألف دولار أمريكي للصندوق.

إن اعتماد السيسي على الجيش ليس مفاجئًا. فهو جنرال مخضرم في المؤسسة العسكرية ولا يزال يفرض نفوذه على مختلف صفوفها. لكن منذ أن أصبح السيسي رئيسًا، أحاط نفسه بعدد من الضباط السابقين مما يشير إلى أن أسلوب الحكم هذا يعتمد على وفاء عناصر الجيش للمؤسسة. ومع أن السيسي لم يعلن بعد عن فريقه الرئاسي، حضر عدد من مساعديه المحتملين أول مؤتمر صحفي له في آب/أغسطس، وكان أبرزهم عباس كامل. وهذا الأخير هو واحد من أقوى الجنرالات في مصر وأقلهم شهرةً. ويقال أن كامل، "أقرب شركاء" الرئيس السيسي، قد لعب دورًا مركزيًّا في حملة السيسي الرئاسية وقبل ذلك ترأس مكتبه في وزارة الدفاع وعمل في الاستخبارات العسكرية تحت قيادته. وحضر أيضًا المؤتمر الصحفي أحمد علي، الناطق الرسمي باسم الجيش سابقًا والعقيد المتقاعد الذي يتولى مسؤولية الشؤون الإعلامية للسيسي، بالإضافة إلى هشام الشريف وحاتم قناوي، الذين يقال إنهما يعملان للرئيس. وبعد، تدعي التقارير الإعلامية أن السيسي قد يعين محمد القصار، مساعد وزير دفاع وعضو في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في منصب وزاري.

بالتالي، كرئيس مقيد بالواقع الصعب في مصر ما بعد حكم الرئيس السابق محمد مرسي، وجد السيسي أن الحل الوحيد لدولة ضعيفة الأداء يكمن في اللجوء إلى الجيش. لذا،  يرجح أن يكون الجيش المسيّس القاعدة الجديدة في مصر في الوقت الراهن.

جلعاد وانيج هو مساعد مشارك في معهد واشنطن ومدير تحرير منتدى فكرة.