عبدالملك الحوثي ومد الذراع الإيرانية إلى باب المندب

14:56

2014-09-27

الشروق العربي -عاش الزيديون أربعة عشر قرناً بعيداً عن التضاد الذي نشأ ما بين السنة والشيعة، وهم بانتمائهم إلى زيد بن علي، كانوا وسطاً بين الطرفين، أقرب إلى الصوفية في محبة آل البيت، وأبعد عن التحارب من أجلهم، أو الثأر لدم الحسين، فاستمروا كبقية أهل اليمن من السنّة واليهود، وعاشوا الظروف التاريخية ذاتها، حتى ظهرت إيران الخميني في الإقليم.

وكان يخرج من بينهم العلماء الأجلاء والفقهاء الكبار، دون أن يتدخلوا في السياسة، أو يحاولوا فرض رؤية على الحكم في اليمن منذ الإمام وحتى الجمهورية وعهد علي عبدالله صالح، الذي تفجّرت في عهده النزاعات شمالاً وجنوباً، وكان أحد أشكال تلك النزاعات حرب الحوثيين على علي عبدالله صالح وحربه عليهم.

 

وراثة عبدالملك لأخيه

 

بمقتل حسين الحوثي في العام 2004 أصبح شقيقه الأصغر عبدالملك هو القائد الفعلي لحركة الحوثيين، وكان أول رد فعل له هو محاولة اغتيال محافظ صعدة ورئيس المخابرات العسكرية اليمنية علي السياني، واستمرت الحرب بينه وبين نظام علي عبدالله صالح طيلة السنوات التالية، وتفكك المجتمع القبلي في الشمال وبدأت تلتحق بالحوثيين قبائل إضافية، حتى أعلن في العام 2007 عن وقف لإطلاق النار، ولكن الحرب استمرت من جديد، وشنّ علي عبدالله صالح حربا عنيفة جداً بالطائرات والدبابات ضد صعدة، فتجمّع أهلها حول عبدالملك الحوثي، الذي بدأ يرسل قواته للتوغل داخل الأراضي السعودية، فردّ الجيش السعودي بالتعامل المباشر مع المتسللين، وكانت واقعة “جبل الدخان” الذي استولى عليه الحوثيون، واستعادته القوات السعودية.

وكانت الزيدية قد خرجت كمدرسة سياسية وفكرية من تحت عباءة بدرالدين الحوثي الذي ولد في العام 1925، وتحول من المذهب الزيدي إلى المذهب الجارودي، وهو من أهالي قرية ضحيان في صعدة شمال اليمن، أحد الفقهاء الزيديين المعادين للوهابية، عاش في إيران من العام 1994 وحتى العام 2002، قبل أن يقتله تنظيم القاعدة (جماعة أنصار الشريعة) في تفجير في العام 2010، ومن موقع الخطأ التاريخي ذاته، خرج بدرالدين الحوثي، حيث كانت الشرارة الأولى لحركته، تأسيس دار الحديث السلفية التي افتتحها الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في دماج، بتمويل من الشيخ السعودي مقبل الوادعي في العام 1979، بالتعاون مع آل الأحمر، حيث بدأ الهجوم على المذهب الزيدي، وتدمير الآثار الزيدية بحجة أنها بدع وضلالات، وكان نظام علي عبدالله صالح يدعم تلك الإجراءات ويكرّسها، مما استفز الزيدية في اليمن، وكتّلهم حول دعوة بدرالدين، بالتوازي مع نمو قوة الشيخ عبدالمجيد الزنداني وجامعته “الإيمان” التي شجعها النظام أيضاً، فترك الزيدية للقادمين من خلف الخليج العربي شرقاً بعد انتصار ثورة الخميني وبدء مشروع تصديرها إلى العالم.

 

أبناء الحوثي

 

في التسعينات، بدأ حسين الحوثي تحويل تعاليم والده إلى مشروع سياسي، من خلال حزب الحق وحركة الشباب المؤمن، وبدأت تتدفق عليهم المساعدات من إيران، لبناء المدارس الدينية الزيدية (وفق الفكر الجديد)، في كل من صعدة وصنعاء والجوف، وتغلغلوا في المجتمع اليمني بالطريقة ذاتها التي يدير بها الإخوان المسلمون شؤون تنظيمهم، بدءاً من الأسرة والطفل والشباب والشراكة الاقتصادية، ورغم إنكار الحوثيين لعلاقتهم مع طهران، إلا أن الحكومة اليمنية تمكنت مراراً من إثبات هذا الدعم وتلقيه من قبل الحوثيين.

 

إيران الباحثة عن فراغ

 

أعلنت الحكومة اليمنية أكثر من مرة عن اعتقالها لشبكات تجسس إيرانية، وكان أول إعلان عن كشف شحنات أسلحة إيرانية في عام 2009 حيث أعلنت السلطات اليمنية ضبطها لسفينة إيرانية محملة بالأسلحة لدعم الحوثيين، وقضت المحكمة اليمنية في 25 من أكتوبر من العام 2011 بإدانة ستة بحارة إيرانيين بتهمة دخول الأراضي اليمنية بطرق غير شرعية، والاكتفاء بمدة الحبس السنتين التي قضوها في السجن من تاريخ إلقاء القبض عليهم، وترحليهم من الأراضي اليمنية، وجددت الحكومة اليمنية تأكيداتها بشأن الدعم الإيراني للحوثيين وضبطها لقوارب إيرانية محملة بأسلحة ومتفجرات وصواريخ مضادة للطائرات إليهم في يناير من العام 2003 وقال وزير الداخلية اليمني حينها عبدالقادر قحطان إن السفينة قادمة من إيران تحمل 48 طناً من الأسلحة والمتفجرات، وتقدم اليمن بطلب لمجلس الأمن للتحقيق في القضية واستجاب مجلس العقوبات في المجلس للطلب المقدم، ولم يصدر عن الأمم المتحدة أي قرار، وتحدث مسؤول أميركي للنيويورك تايمز أنهم اعترضوا شحنة مرسلة من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وأن أسلحة الكلاشينكوف وقاذفات آر بي جي وغيرها كانت على متن عبارة انطلقت من مصر وتركيا وتوقفت في عدن.

 

قطر والقذافي والفساد

 

في هذا العام 2014 كشفت دول خليجية أن دولة قطر تقدّم الدعم العسكري والمالي للحوثيين، مؤكدة أن لديها وثائق تثبت هذا الدعم، إضافة إلى الدعم السابق الذي تلقوه من نظام القذافي في ليبيا، وساهم الفساد المالي والإداري والعسكري في نظام علي عبدالله صالح، في تسهيل حصول الحوثيين على ما يحتاجونه من الدعم العسكري، من قبل مؤسسة الجيش ذاتها، لا سيما في مناخ التناقض الذي نشأ بين رأس النظام وقادة الجيش.

 

الموت لأميركا

 

شعار الحوثيين الأساسي هو “الموت لأميركا” وهو ما رفعوه أثناء اقتحامهم العاصمة صنعاء، وبعد تفجيرات سبتمبر في العام 2011، استغلّ علي عبدالله صالح موجة محاربة الإرهاب، وبدأ بشن هجومه على الوهابية والسلفيين في اليمن، مع تقديمه لدعم كبير ومتواصل لحسين الحوثي كي يثبت للولايات المتحدة أنه لا صلة له بالقاعدة، فتضخمت قوة الحوثيين أكثر وأكثر، ولكن مع تقدّم النفوذ الإيراني في المنطقة، وبالأخص بعد ابتلاع العراق من قبل الإيرانيين قويت شوكة حسين الحوثي، وبدأ في مناكفة نظام صالح للحصول على المزيد من المكاسب، ورفع اللهجة ضدّه حتى أنه اتهمه بأنه “عميل أميركي إسرائيلي”، وفي إحدى المناسبات التي ذهب فيها صالح لأداء صلاة الجمعة خرج أحد أتباع الحوثي وهتف بشعار الحوثيين: “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”، مما أحرج الرئيس وتسبب بحملة اعتقالات ضد الحوثيين. سمح المناخ الذي أصرّ علي عبدالله صالح على إبقاء الشعب اليمني فيه، لحسين الحوثي بأن يستغل شعارات العداء لأميركا، لاستقطاب اليمنيين وتوجيههم، وتحويلهم إلى أتباع ورعايا لمشروعه، واندلعت الحرب بين الحكومة اليمنية والحوثيين، واستعمل صالح القبائل، وفي خريف العام 2004 أعلن صالح أنه نجح في قتل حسين الحوثي ونشر صور جثته على صفحات الصحف الحكومية مسحولاً في الشوارع، وأصبح شقيقه عبدالملك هو القائد العام للحوثيين.

 

ثورة اليمن و تفكك الدولة

 

في العام 2011، انتفض شباب اليمن وناشطوه، وأعلن الحوثيون تأييدهم للثورة اليمنية، ولكنهم كانوا قد بدأوا يطلقون على حركتهم اسم “أنصار الله”، وكان عبدالملك الحوثي قد بدأ باستنساخ شخصية حسن نصرالله أمين عام حزب الله اللبناني، سواء في الظهور على الشاشات ومخاطبة مناصريه، أو في حركات الجسد، وفي عموم الأداء، وكان لصيقاً جداً بوالده، تعلّم منه وشرب التفكير الجديد الذي اجترحه بدرالدين، دون أن يلتحق بأي مدرسة علمية، وبعد مقتل أخيه نافسه على قيادة الحوثيين القائد العسكري الحوثي عبدالله الرزامي، ولكن عبدالملك تمكن بدعم والده من تزعّم الحركة، وبات يسبق اسمه بكلمة “السيد”.

بعد إقرار المبادرة الخليجية للحل السياسي في اليمن وانتقال السلطة بالتوافق، استجابة لمطالب الثورة اليمنية، لم يوقف الحوثيون حربهم، ولم يعترفوا بالمبادرة الخليجية، في الوقت الذي لم يتمكن فيه الحكم الجديد من تلصيق مؤسسات الدولة اليمنية التي كانت قد بدأت بالتفكك والانهيار، وبالطبع كان لوجود علي عبدالله صالح دور كبير في العمل على تكريس هذا المسار، وهو يقيم في صنعاء ويدير الأمور بعد تركه الرئاسة، ومساهمته في شق الجيش إلى ما يشبه الميليشيات.

سقوط صنعاء

 

تصاعد ضغط الحوثيين، أمام ضعف المؤسسة الرئاسية اليمنية، ورئاسة الوزراء، وبدأت سيطرة عبدالملك الحوثي تتوسع على مناطق عمران والجوف والشمال كلّه، وباتوا على مقربة من صنعاء حتى صيف هذا العام 2014، وبدأ يصدر الإنذارات إلى الدولة في صنعاء، بضرورة إسقاط رئيس الحكومة والتراجع عن رفع أسعار المحروقات، ولكن صنعاء لم تستجب، فما كان من الحوثي إلا أن دعا إلى اعتصامات مدنية بالتزامن مع التحرك العسكري والزحف إلى العاصمة.

وفي صباح الاثنين، الـ22 من سبتمبر من هذا العام 2014، سقطت صنعاء بيد الحوثيين.

 

الحوثي وصالح من جديد

 

لم يتوقف علي عبدالله صالح عن مشروعه في إشعال “الثورة المضادة” وأعاد بناء تحالف من نوع جديد مع عبدالملك الحوثي، يخدم فيه كلٌ منهما مصالحه الخاصة، وكان الحوثيون رأس الحربة في تلك الثورة، ليتخلى صالح عن مناطق نفوذه لصالح الحوثي، ورغم أن الحوثيين كانوا قد شاركوا في الحوار الوطني لعشر شهور متواصلة، ولكنهم في الواقع لم يكونوا مؤمنين به.

وورد اسم عبدالملك الحوثي وقائده العسكري أبو علي الحاكم في قرار مجلس الأمن، بوصفهما معرقلين لعملية الانتقال السياسي في اليمن، ولكن لم يتبع هذا أيّ خطوات تنفيذية بحق الحوثيين، ويرجع كثيرون السهولة التي سقطت بها العاصمة صنعاء إلى رخاوة الرئيس عبدربه منصور هادي، وانعدام كفاءته وسوء قياسه وتقديره للتوازنات السياسية المحلية والدولية، ولكن الشارع اليمني ما يزال غير مصدّق لما حصل، وكثير من اليمنيين يعتقدون أن مؤامرة ما تكمن خلف هذا السقوط السريع لعاصمة اليمن، وانعدام دور الجيش والقوات المسلحة، حتى أن الرئيس هادي قال: “إن ما حدث كان مؤامرة كبيرة أعدت سلفا وتحالفت فيها قوى خارجية وداخلية تجاوزت حدود الوطن”، وقد اعترف الحوثيون أنهم تلقوا دعماً من الجيش اليمني ذاته، فقال القيادي الحوثي علي القحوم إن من أسماهم “الشرفاء” في الجيش والأجهزة الأمنية أيدوا “الثورة” من خلال عدم مواجهة الحوثيين، كما أكّد وزير الدفاع أنه قادم بدعوة العناصر الأمنية في الجيش والداخلية إلى عدم مقاتلة الحوثيين وهم يقتحمون صنعاء، أما الشعب اليمني فيرى أن المؤامرة قد نسجت ما بين ثلاثة أطراف هم علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي والرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي ووزير الدفاع اللواء محمد ناصر أحمد.

 

الخطوة التالية بعد صنعاء

 

بدأ عبدالملك الحوثي بعد أن رسّخ سلطته على العاصمة صنعاء ووقع اتفاقا ملزماً للدولة اليمنية وغير ملزم له، بإصدار تعليماته بالتحرك إلى الأهداف القادمة بعد صنعاء، وتتمثل في محافظتي مأرب والبيضاء، و صرّح الحوثيون بأن “المبادرة الخليجية” قد انتهت إلى غير رجعة، متمسكين باتفاق السلم والشراكة الذي وقع في دار الرئاسة والذي قالوا عنه إنه يوثق عقداً سياسياً بشراكة سياسية جديدة، تلبية للمطالب الشعبية. وعن موقفهم من علي عبدالله صالح قال الحوثيون: “نعتبر أن صالح لم يكن له أي دور بعد ثورة فبراير 2011 وما قبل ذلك نتمنى أن تعالجه مخرجات مؤتمر الحوار”، ورحبت طهران بانتصار الحوثيين الذين كثيراً ما اعتبرتهم الصحافة الإيرانية صدى للثورة الإسلامية في إيران التي نصبت طوقاً نارياً يوصلها إلى مضيق باب المندب، ولكن ما حدث وسيحدث سيؤدي إلى اندلاع صراع طائفي عنيف في اليمن يبقيه خارج التاريخ سنوات طويلة، ويجرح خاصرة الخليج العربي ويستنزف دوله.