إشارات سلبية من غزة ورام الله...!!!

15:41

2021-08-01

أكرم عطا الله

دبي - الشروق العربي - لا فرح حقيقياً بلا حلم حلق عالياً قبل أن يهبط على جبل أو على ضفاف نهر، فالحلم سيد المعجزات وصانع الإرادة لأن الناس تحلم بأهدافها فتحولها إلى خطط والإرادة تصنع الواقع وتجسد طموحات البشر.
هكذا سار التاريخ وهكذا حققت الدول والشعوب ذاتها وحياتها وتقدمها من ارتداء صوف الحيوانات والحياة في الغابة إلى الطيران في الفضاء والوصول للقمر ومن شدة الفقر إلى سُدة الرفاه.
منذ نكبتهم كان للفلسطينيين حلم العودة الذي صنعته حكايات الجدات عن البئر والتنور والبيدر وشجرة التين وبيت المختار والحقل والأرض، ثم تحول هذا الحلم إلى هياكل منظمة وجيش وقيادة وهوية ونشيد ومقاتلين كانوا يتسابقون بأرواحهم نحو الوطن، وكان قائدهم يقول لهم: «يرونها بعيدة ونراها قريبة» وكان آخر النفق الطويل الذي يبشرهم به والنور هو دافعهم للتصدي بأكفهم لمخرز أقوى الآلات العسكرية وأكثرها شراسة.
كانت لحظات الفرح كأنها تخرج من خلف ستارة مسرح التاريخ قبل أكثر من ربع قرن حين عاد قائدهم يعلن قيام سلطتهم وأن الشعب الفلسطيني من الآن فصاعداً سيحكم نفسه بنفسه وقد انتهى حكم الغريب، أتذكر تلك الأيام عندما وضعت الناس سلطتها الوليدة في حدقات العيون وصدر البيوت وبالمناسبة عبر التاريخ كانت فلسطين تحت الاحتلال ولم تقم فيها سلطة قبل ياسر عرفات إلا سلطة ظاهر العمر والتي استمرت فقط حوالى ثلاث سنوات، كان حلمهم يتحقق وكأن أبواب التاريخ تتفتح على مصاريعها وتضحك أخيراً للفلسطيني المنكوب بحزنه قبلها بأكثر من نصف قرن.
وأمام واقع يتجسد اليوم كشفه عري الانقسام وتفتيت الحكم الوليد بعد أن طردته حركة حماس من قطاع غزة تشكل نموذجان في الضفة الغربية وغزة كان من الطبيعي أنهما سيتنافسان على احترام المواطن وحقوق الإنسان والحريات، ولكن على ما يبدو أن الصراع بينهما أطاح بما تبقى من أمل للفلسطيني ببناء مستقبل زاهر، فالنموذج الذي تقدم أصاب الحلم برصاصة لا يعرف أحد إن كانت طائشة أو تعرف هدفها بدقة وهو قتل ما تبقى من أمل لدى الفلسطيني بحكم نفسه وإقامة دولته وهو يراقب النموذج الإسرائيلي الذي يسجن رئيس وزراء ويطيح بالصندوق بآخر اعتبر الملك الذي حقق إنجازات هائلة لدولته.
الأسبوع الماضي وردت إشارات من غزة ورام الله، إشارات ربما تكفي لإصابة الفلسطيني بالفزع من حكمه لنفسه لأن شيطان الأداء العربي يتجسد أمامه مكشوفاً بلا غطاء فلم يجتهد حتى المسؤولون لتبرير نمط بدائي من الإدارة وهو ما يعكس مسألة أخطر في تصورهم عن الشعب كان التعامل معه يجري كأنه لم يبلغ سن الرشد وممكن أن يبتلع أي شيء كالقطيع فهو فاقد للتفكير والتأمل والتحليل والحكم حتى.
الإشارة الأولى من غزة بعد أن أطلق حاجز عسكري لحركة حماس النار على سيارة لم تتوقف على ما يبدو على الحاجز، كان ذلك سلوكاً يعكس مدى الاستهتار بالأرواح القتل وإلى هنا لم يكن شك بأنه حادث فردي يتحمل مسؤوليته من أطلق النار لتطالب الناس ومنظمات حقوق الإنسان بتشكيل لجنة تحقيق بما حدث، وكانت المطالبة بلجنة حيادية لأن التاريخ محشو بلجان تحقيق القبيلة التي تقف مع أفرادها.
تشكلت لجنة تحقيق لم تكن حيادية وفي تقريرها قالت أيضاً: «بعد هروب المركبة من الحاجز أطلق عنصر من حماة الثغور النار لإيقافها وحسب تقرير الأدلة الجنائية تبين أن طلقتين أصابتا السيارة في الصدام الخلفي إحداهما انحرفت عن مسارها واصطدمت بجسم معدني من أجزاء المركبة وأصابت الفقيد من الأمام في منطقة الحوض أسفل البطن، ويواصل التقرير قائلاً: «إنه التفت إلى الخلف لحظة هروب المركبة من الحاجز ما أدى لإصابته في البطن لتخرج الرصاصة من الظهر».
هنا يحتاج الأمر إلى معجزة في زمن نهاية المعجزات أن تطلق النار من الخلف لتصيب الراكب من الأمام ولكن التقرير حاول التذاكي بأن الراكب التفت نحو الخلف فجأة رغم أن ردة الفعل الأولية عادة على إطلاق النار هي الاختباء والنزول للأسفل، وحين يلتفت الإنسان في المركبة يلتفت برأسه ولا يمكن أن يستدير في لحظة بزاوية 180 درجة لكن التقرير الذي لا يحتاج إلى الكثير من التفكير يقول ذلك، وهنا إذا كان مقتل أبو زايد حدثاً فردياً فإن تقريراً بهذا الشكل يعطي نموذج الإدارة في التعاطي أو التذاكي في التغطية على القتل لتصبح المسألة أزمة في العقل الجمعي.
الحادث الثاني الذي جاء من رام الله وهو أخطر باعتباره عن حكومة رسمية تحاول تقديم نموذج تحت الرقابة وهو قرارها بإلغاء مادة قانونية كانت تعطي الموظف حقه في إبداء رأيه على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يعتبر إلغاء هذه المادة تقييداً لحرية الرأي المكفولة يفترض لكل سكان الدولة أو من هم تحت الحكم الفلسطيني، ومن الآن فصاعداً لا رأي لمن يعمل في الدولة هذا ما تقدمه الحكومة وتلك البشرى التي تزفها.
وإذا كان النموذج الذي يطمح الفلسطيني لبنائه كدولة تعطي إشارات سلبية في إسكات الناس وسلبهم الحد الأدنى من حقوقهم وتكميم أفواههم فإنه بالقطع كفيل بإحباط كل فلسطيني حلم يوماً بإقامة دولة مستقلة وحكم مستقل، فهو يقاتل على أرضه من أجل حريته وليس لسلبها منه بكل بساطة وباسم القانون.
وإذا كانت هذه النماذج تقدم قبل الاستقلال والتي يتم تجيير إمكانياتها ولجانها وقراراتها بما يخدم مصالح الطبقة السياسية وأحزابها الحاكمة، فإن في هذا ما يضع على المستقبل علامات استفهام ولكنها علامات شديدة الإحباط لأنها تعطي صفعة الاستقامة من حلم انتظروه منذ أكثر من سبعة عقود ينتهي بهذا الشكل....!!!!