إشكاليات أجندة حوارات القاهرة ما بعد الحرب على غزة

08:10

2021-06-13

ماجد كيالي

دبي - الشروق العربي - لا أظن أن أحدا من الفلسطينيين بلغت به السذاجة حد الاعتقاد بأن النجاح سيكون حليف حوارات الفصائل في القاهرة هذه المرة، أيضا، والذي هو في الأساس حوار بين الفصيلين الرئيسيين “فتح” و”حماس”، أي بين السلطتين في الضفة وغزة، علما وأن شرعية كل منهما انتهت منذ عشرة أعوام. ومعلوم أن العاصمة المصرية وحدها كانت قد استضافت العديد من جولات الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني، بل إن بعضها تمخّض عن اتفاقيات، لكن سرعان ما جرى الانقلاب عليها، وهو ما حصل في شأن اتفاقيات مكة وصنعاء والدوحة وغزة، منذ الانقسام الفلسطيني (2007)، لذلك بدا طبيعيا، أو مرجّحا أن تنتهي الجولة الحالية من الحوار إلى إخفاق، أيضا، بيد أن اللافت أنها انتهت قبل أن تبدأ!

مع ذلك لا ينبغي التسرّع في الحكم، لأن ذلك لا يعني أن الفصيلين المعنيين، أي حركتي فتح وحماس، قد انصرفا أو سلّما بتلك النتيجة، لأن الأمور هذه المرة على ما يبدو تختلف عن سابقاتها، إذ ما إن تم الإعلان عن فضّ جلسات الحوار وانصراف المتحاورين، حتى صدرت تصريحات مستعجلة من مسؤولين في فتح وحماس تفيد بأن الوفديْن مُجرّد أن رفعا الجلسات (التي لم تبدأ أصلا) للعودة إلى التشاور مع قيادتيهما، وأن جلسات الحوار قد تأجّلت لا غير.

وفي الواقع فإن هذه الجولة من الحوار الفتحاوي ـ الحمساوي تختلف أو تتميّز عن سابقاتها في العديد من المجالات. أولها، أن مصر هذه المرة تدخل بكل ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي واللوجيستي (بما يخص إعمار ما دمرته الحرب) لإنجاح الحوار، وهي تمون كثيرا على الطرفين المعنيين، لاسيما أن أيّا منهما لا يملك خيار تجاوز مصر.

ثانيهما، أن ثمة تطورات في الإقليم تفيد بإعادة تموضع العديد من الأطراف، ومن مؤشرات ذلك مثلا الانفتاح القطري والتركي على مصر، وبالتالي فإن قطر تدخل كطرف، وكراع للحوار، لاسيما بإمكانياتها المالية إلى جانب مصر، وهذا الدور (مع الدور التركي) لا بد سيشكل ضغطا على حركة حماس أو تشجيعا لها للانخراط في النظام الفلسطيني، في حين ستجد حماس نفسها معنية بتسهيل الأمر، خاصة أنه في هذه التوليفة، وفي هذا الظرف، يتحقق لها أكثر من أي وقت مضى أفضل قوة دافعة لتعزيز مكانتها كشريكة في النظام السياسي الفلسطيني إلى جانب حركة فتح، بغطاء ما حققته أو ما تعتبره نصرا لها في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

ثالثهما، أن حركة “فتح” باتت بحاجة إلى نوع من الإنعاش، أو الاستنهاض على خلفية التصدّع الذي حصل بها وعلى خلفية تضعضع مكانة الرئيس محمود عباس، فتحاويا وفلسطينيا، لاسيما بعد خذلانه الفلسطينيين بخصوص الانتخابات، وبخصوص احتضان الهبة الشعبية في القدس. بيد أن مشكلة حماس هنا أنها أسهمت من حيث لا تقصد في إنعاش مكانة الرئيس الفلسطيني، وهو ما حصل، وهو ما يحاول تصريفه في تعزيز أو ترميم مكانته الفلسطينية، وهو ما ترجمه حقا في اشتراطاته في الحوار، ولتسهيل انخراط حماس في النظام الفلسطيني.

بمعنى أكثر تحديدا، فإن حركة حماس التي أتت إلى القاهرة، لمحاورة حركة فتح، تحت غطاء الحوار الفلسطيني الشامل (18 فصيلا)، محمولة على ما تعتقد أنه معركة “الكرامة” خاصّتها، تبين لها أن ثمة صعوبة في تصريف ذلك، لأن الوضع العربي والدولي اليوم هو غير ذلك الذي كان إبان أخذت حركة فتح مكانة القيادة في منظمة التحرير (1968)، بعد معركة الكرامة حينها. ولا يتعلق ذلك فقط بأن مصر ليس بمقدورها ولا برغبتها، أن تمرر ذلك، أو لأن النظام الدولي لا يسمح به، بل لأن الرئيس الفلسطيني ذاته لا يقبل به، حتى في لحظة ضعفه، لاسيما مع إدراكه أن لحظة الضعف هذه هي التي أسهمت في دفع الأطراف الأخرى (عربية ودولية) لمساندته، ولإسناد موقفه إزاء حماس، ومنحه قوة مضافة.

هكذا، وبينما ذهبت حماس إلى القاهرة بطموح أنها ستكون شريكة في المنظمة، وفي إعادة إعمار غزة، فإذا بها لا تستطيع لا هذا ولا ذاك. فعلى صعيد المنظمة يفضل الرئيس الفلسطيني البدء بالشراكة مع حماس من مدخل تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، مع وعد بإجراء انتخابات في حال سمحت إسرائيل بإجرائها في القدس، في حين تؤكد حماس أن المدخل هو إعادة بناء المنظمة بانتخابات أو عبر التوافق على أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني (خاصة من الخارج)، مع إعادة تعويم المجلس التشريعي المنحل، ريثما يتم تنظيم انتخابات جديدة.

أما في شأن إعادة الإعمار، فالحديث يدور عن قناة الأمم المتحدة ومؤسساتها وعبر الحكومة الفلسطينية، وطبعا برعاية مصرية، وهذا ما تراه حماس إجحافا بحقها وبمكانتها، وكورقة ضغط عليها. بيد أن ثمة مشكلة أخرى في هذا الأمر، أيضا، ومفادها أن الحكومة التي ستشارك فيها حماس، بحسب اشتراطات الرئيس الفلسطيني، يجب أن تلتزم بالمبادئ السياسية للجنة الرباعية الدولية (التي شبعت موتا)!

أيضا، كانت حركة حماس ذهبت إلى القاهرة وفي يدها ورقة أسرى إسرائيليين، إلا أنه تبين أن إسرائيل جعلت هذه الورقة بمثابة عامل ضغط على حركة حماس، بربطها الموافقة على إعادة الإعمار، بتبادل أسرى، وفقا لشروطها هي.

عقبة أخرى وضعت أمام دخول حماس المنظمة تتعلق بقبولها برنامج منظمة التحرير، وهي حجة غير مقبولة طبعا، إذ هل اتفاق أوسلو هو البرنامج؟ ثم متى أصبح اتفاق أوسلو برنامجا للإجماع الوطني؟ في المقابل تطرح حركة حماس فكرة الإطار القيادي، من الأمناء العامين للفصائل، بيد أن السؤال من هي تلك الفصائل، وما الذي تبقى منها؟

مع ذلك وبغض النظر عن الخلافات أو الكمائن السياسية، فإن الطرفين يشتغلان وفقا لقناعة تقوم على أرضية مشتركة، وهي تقاسم الشراكة في السلطة وفي المنظمة، وبرعاية مصرية وقطرية، أي أن الخلاف بينهما أو المفاوضة بينهما، على حصة كل منهما في القرار، أما في ما يتعلق بإسرائيل، فإن التهدئة أو الهدنة هي القاسم المشترك والباقي مجرد تفاصيل.

في كل الأحوال فإن الطرفين يتحركان من واقع كونهما سلطة كل في إقليمه، والمشكلة أن أيّا منهما لا يتأثر بالضغوط الشعبية، إذ اشتغل كل منهما على إضعاف المجتمع المدني، وتهميش أي حراك شعبي، هذا أولا. ثانيا، أن أيّا منهما لا يعتمد في موارده على شعبه أساسا بل على الداعمين الخارجيين وعلى الجباية الضريبية. ثالثا، تاريخيا لم تأت الشرعية من صناديق الاقتراع (تلك الشرعية انتهت من 10 أعوام). رابعا، ثمة كتلة من حوالي ربع مليون كموظفين وكمتفرغين يعيشون على الدخل المتأتي من السلطتين. خامسا، الشعب الفلسطيني لا يعيش في إقليم واحد، فهو مجزأ ومشتت. سادسا، ما تقدم يفسر أن تلك القيادة تحسب حسابا للقوى الخارجية في شرعيتها أكثر مما تحسب حسابا لشعبها للأسف.

مع ذلك يفترض إيجاد الوسائل والديناميات المناسبة للضغط على تلك القيادة / السلطة، لإحداث تغيير سياسي فلسطيني، وهذا يحتاج بداية إلى إحداث تغيير في الوعي السياسي الجمعي للفلسطينيين في الداخل والخارج، أيضا يتأسس على وحدانية الشعب والأرض والقضية والرواية التاريخية، وإجراء مراجعة نقدية للتجربة الوطنية الفلسطينية.