صمود الفراغ الرئاسي وصمود لبنان

16:09

2014-09-26

خير الله خير الله

لماذا كلّ هذا الصمود للفراغ الرئاسي القائم في لبنان منذ الخامس والعشرين من أيّار الماضي؟.

من الأمور القليلة الجيدة، هذه الأيّام، في لبنان عدم وجود اسرار. كلّ شيء مكشوف. كلّ ما في الأمر أنّ لبنان يواجه مرحلة أخرى من الانقلاب الكبير الذي يستهدف طبيعة تركيبته وطبيعة ومجتمعه والنظام السياسي فيه.

كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط من 2005 محطّة اساسية في طريق تنفيذ هذا الانقلاب، الذي يعبّر عنه حالياً منع «حزب الله» مجلس النوّاب من انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

يحصل ذلك في وقت يحتاج لبنان إلى رأس للدولة خلفاً للرئيس ميشال سليمان الذي غادر قصر بعبدا يوم انتهاء ولايته، قبل أربعة أشهر، وانتقل إلى منزله وصار مواطناً عادياً، كما في أي بلد حضاري.

يحتاج لبنان إلى رأس للدولة لسبب في غاية البساطة يتمثّل في أن البلد يمرّ حالياً في مرحلة قد تكون الأخطر منذ قيام لبنان الكبير. وهذا عائد اساساً إلى ما يدور في الإقليم حيث حال مخاض من بين سماتها سقوط الحدود المعترف بها دولياً بين الدول.

سقطت الحدود بين سوريا ولبنان بعدما قرّر «حزب الله»، بناء على طلب ايراني المشاركة في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه من منطلق مذهبي ليس إلّا. وسقطت الحدود بين العراق وسوريا بعد تمدّد التنظيم الإرهابي المسمّى «داعش» بفعل توافر بيئة ذات طابع مذهبي بحت حاضنة له في العراق. ما ساعد في نشوء هذه البيئة كان الممارسات المذهبية لحكومة نوري المالكي التي بلغ بها الأمر احتقار السنّة العرب وارسال ميليشيات إلى سوريا لملاقاة «حزب الله» في دعم النظام.

في ظلّ هذا التطوّر الإقليمي البالغ الأهمّية، كشف لبنان أن صيغته ليست بالضعف الذي يعتقده كثيرون، بمن في ذلك رأس النظام السوري الذي لم يكن يتحدّث عن لبنان إلّا من زاوية «هشاشة» تركيبته.

كان مفترضاً في كلّ القوى السياسية في لبنان العمل من أجل لملمة الوضع فيه وتحصين الداخل بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية، الذي هو رئيس الدولة المسيحي الوحيد في المنطقة.

المؤسف، أنّه وجد من يتصرّف من منطلق أن الضغوط التي يتعرّض لها لبنان لا يمكن أن تستغلّ من أجل تغيير النظام فحسب، بل لإلحاق الوطن الصغير بالمشروع الإيراني ايضاً. باختصار شديد، يريد «حزب الله» أن يكون لبنان تابعاً لإيران و«ساحة» من الساحات التي تستخدمها ورقة في المفاوضات مع من كان إلى ما قبل فترة قصيرة «الشيطان الأكبر» من جهة وفي لعبة ابتزاز العرب من جهة أخرى.

يكفي عرض لمسلسل الأحداث في لبنان للتأكّد من أن الفراغ الرئاسي حلقة اساسية في هذا المسلسل، الذي بدأت تفاصيله تتبلور في المرحلة التي مهّدت لاغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه ثم الاغتيالات الأخرى، التي استهدفت اللبنانيين الشرفاء وكان آخرهم الوزير السابق محمّد شطح.

من تظاهرة «شكرا سوريا» التي خطب فيها الأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصرالله في الثامن من آذار 2005 ، إلى حرب صيف العام 2006 التي افتعلها الحزب من أجل التغطية على حدث اغتيال رفيق الحريري واضطرار القوات السورية إلى الانسحاب من لبنان، لم يتغيّر شيء في لبنان.

كلّ ما حدث في السنوات الماضية صبّ في خانة تدمير المؤسسات اللبنانية والاقتصاد اللبناني وتهجير أكبر عدد ممكن من اللبنانيين، خصوصاً المسيحيين...وتكريس «حزب الله» لاعباً اساسياً وحيداً في البلد وتحويل بيروت مدينة ايرانية على المتوسّط.

هناك خيط غليظ يربط بين كلّ الأحداث وصولاً إلى ما نشهده اليوم من مآس في عرسال تسبّب بها تدخّل «حزب الله» عسكرياً وأمنياً في سوريا. هذا الخيط الغليظ مرّ بمحطات عدّة بينها الاعتصام في بيروت من أجل تعطيل الحياة فيها وضرب الاقتصاد، وحرب مخيّم نهر البارد التي استهدفت منذ العام 2007 ايجاد «داعش» في شمال لبنان، في طرابلس تحديداً، لتبرير العودة السورية إليه. من يتذكّر ما قاله حسن نصرالله عن مخيّم نهر البارد واعتباره المخيّم «خطّا أحمر»؟.

لم تكن غزوة بيروت والجبل الدرزي في الـ 2008سوى حلقة مكملة في مسلسل اخضاع لبنان. لم تكن المطالب الشعبية والعمالية التي تخرج إلى الشارع بين الحين والآخر سوى وسيلة تستخدمها قوى التعطيل من أجل ضرب مؤسسات الدولة اللبنانية.

لم يكن الإتيان بحكومة «حزب الله» برئاسة نجيب ميقاتي سوى محاولة أخرى لتأكيد أن المشروع الإيراني الذي يترافق مع شراء أراضي المسيحيين والدروز في مناطق معيّنة لا يمكن أن يتوقّف قبل تغيير طبيعة لبنان ونظامه وتركيبته الاجتماعية.

ليس صدفة أن تكون حكومة «حزب الله» ألغت التأشيرات بالنسبة إلى الإيرانيين وفعلت كلّ ما تستطيع من أجل عزل لبنان عن محيطه العربي ومنع العرب، خصوصاً الخليجيين، من المجيء إلى لبنان.

هناك محطات كثيرة يمكن التوقّف عندها وصولاً إلى ما نحن عليه الآن، أي الفراغ الرئاسي في ظلّ التوتير في عرسال ومنع الحكومة اللبنانية من استعادة الجنود ورجال الأمن المخطوفين لدى ارهابيي «داعش» و«النصرة» بالطرق التي تعتبرها مناسبة والتي تحافظ بالفعل على هيبتها، أو ما بقي منها.

هذا الفراغ هو بمثابة ضرب لكلّ مؤسسات الدولة اللبنانية. كلّ الهدف الوصول إلى مرحلة يستسلم فيها اللبنانيون لـ«حزب الله» وسلاحه الذي عاد عليهم بالويلات. إنّه السلاح الذي يوجهه الحزب إلى صدور اللبنانيين الذين يرفضون، أقلّه إلى الآن، التسليم بأنّ رئيسهم يجب أن يكون في خدمة ايران، تماماً كما كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في العراق.

يرفض اللبنانيون بكلّ بساطة أن يختار «حزب الله» رئيس الجمهورية اللبنانية، وأن يكون البديل من الفراغ المثالثة بين المسيحيين والسنّة والشيعة بديلاً من المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. هذه لعبة ذات طابع ابتزازي، أقلّ ما يمن أن يقال عنها أنّها مكشوفة أكثر من اللزوم.

هناك صمود للفراغ الرئاسي. لكنّ هناك صموداً للبنانيين أيضاً. أفضل تعبير عن هذا الصمود اسقاط حكومة «حزب الله» ومجيء تمّام صائب سلام، بكلّ ما يمثّله، رئيساً لمجلس الوزراء.

تمام سلام يقاتل يومياً على رأس النواة الصالحة في حكومته المشروع الإيراني الساعي إلى تغيير وجه لبنان والقضاء على ثقافة الحياة فيه لمصلحة ثقافة الموت. بات الفراغ الرئاسي أفضل تعبير عن هذه الثقافة في المرحلة البالغة الخطورة التي يمرّ فيها لبنان.