قيادات دينية جديدة خارج سياق "المتأسلمين"!

15:40

2021-05-16

دبي - الشروق العربي - ردود فعل مختلفة، أثارها حوار الأمين العام لـ"معهد الخوئي"، السيد جواد الخوئي، الذي نشره موقع "العربية.نت"، 8 مايو الجاري، بسبب جرأته في طرح العديد من الأفكار التي لم يألف الوسط الديني تناولها بهذه الطريقة الشفافة والمباشرة من أستاذ في الحوزة العلمية بمدينة النجف العراقية، والتي تُعد مركزاً علمياً ومزاراً روحياً للمسلمين الشيعة من مختلف أرجاء العالم.

إرثُ النجف

الخوئي الذي تحدث منتقداً "التحزب"، ومؤيداً لـ"الدولة المدنية"، ومكرساً لمفهوم "المساواة" و"المشاركة" بين البشر، و"احترام الديانات"، بقدرِ ما يعبرُ عن آرائه الشخصية، التي يمثلُ فيها ذاتها، ولا يدعي فيها تمثيل أي هيئة أو مرجعية أو تيار ما، بقدرِ ما كان ينطلق من سياق كونه حفيد المرجع الديني الراحل آية الله أبو القاسم الخوئي، والذي كان يلقب بـ"المرجع الأعلى" و"زعيم الحوزة العلمية"، الذي يرجعُ له ملايين المسلمين الشيعة في العالم، ودرس تحت يديه مئات طلاب العلوم الدينية، وعشرات المجتهدين، والعديد من الشخصيات التي أصبحت من بعده مرجعيات روحية، يأخذ منها "المُقلدون" أحكامهم الفقهية، ولعل أبرزهم المرجع الحالي السيد علي السيستاني، والسيد محمد باقر الصدر، والشيخ ميرزا جواد التبريزي.. وسواهم.

أيضاً، يمكن القول إن جواد الخوئي، كان في كثير من الآراء التي طرحها، يعبر دون مواربة عن ما تؤمن به غالبية "مدرسة النجف"، ومسلكها الثقافي والسياسي، وتفريقها الدائم بين رجال الدين ورجال الحكم، وأطروحتها في العلاقة بين المذاهب والأديان المتنوعة، وأيضاً تمسكها بالسلم والبعد عن الحروب والعنف والاقتتال. أي أن الأمين العام لـ"دار العلم"، أفصح عن جزء من ثقافة نجفية أصيلة، حاول نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وتالياً الأحزاب السياسية الإسلاموية، طمسها، وتغييرها، لصالح أفكار لا تتواءم مع تلك التي كانت ديدين مرجعيات النجف وفقهائها!

الصراحةُ والشجاعة!

السيد جواد الخوئي، وفي حوار "العربية.نت"، كان واضحاً جداً في وضعه خطوطاً فاصلة بينه وبين تيارات "الإسلام السياسي"، غير آبه بما قد يسببه ذلك له من نقد لاذع، متجاوزاً إرثاً ثقيلاً من الدم، عندما اغتالت مجموعة من "القتلة" عمه السيد مجيد الخوئي، 2003، وسحلت جسده، في مدينة النجف، غير آبهة بحرمة المدينة التي تضم مقام الإمام علي بن أبي طالب، حيث يوجهُ "آل الخوئي" أصابع الاتهام، لعناصر من "التيار الصدري"، الذي كان على خلاف واضح مع مجيد الخوئي، واتهمه بـ"العمالة للإمريكان"، وهي التهمة التي ترفضها عائلته وأنصاره "جملةً وتفصيلاً"!

تطورُ الرؤية

ضمن الأفكار التي دارت في حوار "العربية.نت"، يجد القارئ تطوراً لأدبيات الثقافة الدينية النجفية. أي أن السيد جواد الخوئي، لم يكن حبيس كلاسيكيات هذه المدرسة التي يكن له كثيراً من الاحترام، بل عمل على تطوير أطروحاتها، بما يتواكب مع مستجدات العصر، ويلبي تطلعات المؤمنين في العيش ضمن حياة حديثة.

هذا النمط من التفكير، هو إحدى سمات القيادات الدينية الجديدة، والتي تسعى لأن تكون ذات نزعة "إنسانية" لا "مذهبية"، دون أن تخرج من عباءتها "الدينية"، التي تعتقد أنها ركيزة أساسية في هويتها؛ وهي هوية متحركة، غير جامدة، منفتحة على الآخر ومتفاعلة معه، بل تراه جزءاً من مكونها الذاتي والمجتمعي، ومن دونه تكون مشوهة وناقصة!

القادةُ الجدد

يماثلُ جواد الخوئي في "التفكير من خارج الطوق"، الأمين العام لـ"منتدى تعزيز السلم" في العاصمة الإماراتية أبوظبي، الشيخ المحفوظ بن بيه. وكلاهما يشتركان في عدة نقاط، لعل أبرزها:

1. "التدين الرحيم"، أي ذلك النمط من العلاقة الشخصية بين المؤمنين والله عز وجل، والتي تكون روحانية النزعة، رحمانية المظهر، بعيدة عن التعقيد والانغلاق؛ والقادرة على خلق منهج أخلاقي يحول بين المرء وارتكاب "الآثام" في حق ذاته وحق الآخرين، دون أن يجنح للانزواء.

2. نبذ العنف. وهو موقف نابع من إيمانهم بـ"رحمانية الخالق"، وبالتالي أن البارئ إنما يتعامل مع خلقهِ بعطفه وحنانه، وأن "الخلق عيال الله"، وعليه يجب احترام البشرية، وعدم ممارسة أي نوع من أشكال العنف المادي أو الرمزي أو المعنوي.

3. المساواة بين البشر، وعدم تفضيل بعضهم على بعض بناء على الدين أو العرق أو الجندر أو اللون. وجواد الخوئي والمحفوظ بن بيه في هذا الصدد، لا يكتفيان بالقيمة الأخلاقية، وإنما يتجاوزانها إلى التأسيس القانوني لهذه المساواة، من خلال التأكيد على مبدأ "المواطنة الشاملة"، وهو ما رسخته وثائق مهمة أصدرها "منتدى تعزيز السلم"، مثل وثيقتي "إعلان مراكش" و"حلف الفضول الجديد"، والتي ارتكزت على احترام حقوق الإنسان، ورفض منح امتيازات لدين أو طائفة أو مذهب على آخر، وأن مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات بين البشر، هو الأساس.

4. مدنية الدولة. وهما في هذا الصدد، لا يخفيان تبنيهما لمشروع "دول مدنية"، يقود زمامها الأكفاء سياسياً وقتصادياً وإدارياً، والأكثر نزاهة وخبرة، وأن لا دور لعلماء الدين في منازعة "القيادة السياسية" لتولي زمام السلطة، التي هي محكومة بـ"الدستور" المعمول به في كل دولة.

5. الفصل بين الدين والعمل الحزبي. وهذه النقطة بمثابة ركن زاوية في مشروع الشيخ المحفوظ بن بيه، والسيد جواد الخوئي، ونقطة انفصال بينهما وبين الكثير من القيادات الدينية التي تؤمن بالعمل الحزبي، كجمعات "الإخوان المسلمين" و"حزب الدعوة"، أو تلك التي تنتهج التكفير والقتل الصريح والواضح مثل "داعش" و"القاعدة". وفي هذا الصدد، يشير المحفوظ بن بيه إلى أن "خطورة ’الخوارج المعاصرين’ هى أضعاف أجدادهم التكفيريين، ذلك أن الأجداد كانوا ينهشون في دولة قوية وحضارة ثريّة، وأمّا خوراج اليوم.. فإنهم ينهشون في جسد منهك بلا حراك، ويغترفون من دماء فقراء وضعفاء أصابهم الوهن وتكالبت عليهم الأمم ، وتمكّن منهم الجوع والخوف".

التعاون والحوار

من أجل ذلك كله، هذه القيادات الدينية الجديدة، ذات النزعة "الإنسانية"، تعتقد أن الطريق للتخلص من الحروب وخطابات الطائفية والكراهية، لا يمكن إلا من خلال مواجهة الفكر العنيف وتفكيك بنيته المعرفية والفقهية أولاً، وبناء سياق ثقافي – ديني - اجتماعي بديلٍ ثانياً، وتآزر المعتدلين والحكماء في مختلف الأديان والثقافات واشتراكهم في مشاريع عملية ثالثاً، ورعاية الدولة الوطنية لـ"التنوير" وحمايتها "حرية الإيمان" و"الممارسة الدينية" تحت سقف القانون، بما يكفل عدم احتكار المتشددين لـ"الدين"، وبالتالي تحرير "الخطاب الديني" من "البازار السياسي" لكي يعود قوة رحمة وخير.

هذه القيم، رغم أهميتها، إلا أنها بنظر الكثيرين صعبة المنال والتحقق، وهو ما يجعل العمل عليها أكثر إلحاحاً، خصوصاً أن حوار السيد جواد الخوئي مع "العربية.نت" بقدر ما أثار سخط "المتأسلمين"، شكلَ مصدر أمل لدى المؤمنين بـ"السلم الأهلي" حتى من خارج الدائرة الدينية، ويعطي إشارة إلى أن هنالك قطاعاً واسعاً من الجمهور في الشرق الأوسط، لديه شغف وتطلع للأفكار الأكثر اعتدالاً وتسامحاً وبعداً عن الاستقطابات الدينية الحادة.