عندما يدعو حمد بن جاسم إلى استقالة عباس

02:43

2021-05-07

عدلي صادق

دبي - الشروق العربي - أطلق رئيس حكومة قطر ووزير خارجيتها السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رصاصة من رشاش نصائحه في اتجاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وهذه هي المرة الثانية التي يستهدف فيها حمد عباساً دون أن يجرؤ الأخير على الرد، إذ يعتبر ما تلقاه محض نيران صديقة. فرئيس السلطة متخصص في التشكي ممّن لم يتعرّضوا له بأيّ ذِكر سيء ولا على أيّ مستوى، بل لم ينطقوا بعبارة يُذكر فيها اسمه، مهما سمعوا منه أو سمعوا عنه من اتهامات ظنيّة ساذجة وأنباء تفصيلية مؤسفة!

في المرة الأولى عندما كان حمد في الحكم ظهر على شاشة “الجزيرة” لكي يفنّد على الهواء موقفاً لعباس دون مراعاة أن الرجل عضو في نادي الملوك والأمراء والرؤساء العرب. قال له عندما تلكأ في السفر إلى الدوحة التي استعدته “إن كنت لا تستطيع أن تحصل من الإسرائيليين على تصريح بمقدورنا أن نتدخل لكي تحصل على إذن الخروج”. كان حمد، لحظتها، يتعمد تصغير الرجل وتذكيره بأن الدوحة ممسكة أيضاً بمقاديره اللوجستية، فإن أرادت إبقاءه في رام الله فالأمر يسير وفي يدها.

هذه المرة يتعمد حمد التذكير بكبر سن الرجل، ويريده أن يستقيل لكي يمسك الشباب بدفة الحكم. وكان القصد الظاهر من كلام الحق الذي يُراد به باطل ـ بالنظر إلى أسبابه وأوقاته ـ هو تسخيف رئيس السلطة المُستهدف وتذكيره بعلوّ شأن الدور القطري، جزاءً على موقفه الأخير الذي ردت عليه حماس بما لا يسرّه. غير أن الجوهري في مثل هذه التفصيلات هو أن قطر جمعت مبكراً، في جوفها، بين حماس في أشد خياراتها وخطابها، وإسرائيل في ذُرى تطرفها، وعباس في أقصى شططه واستهزائه بخطاب حماس. فليس من سبيل إلى جمع الأطراف الثلاثة إلا في سياق الألاعيب الأمنية الاستراتيجية المعقدة المسكونة بكل ما تنطوي عليه من أسرار ونوايا، لاسيما عندما تُوزّع حصص إظهار الوداد والاحترام على الأطراف بالتساوي.

معلومٌ أن حمد بن جاسم هو الذي  تولى رعاية تأسيس قناة “الجزيرة” بالتقنية وبالكفاءات الإعلامية المميزة التي جاء بمعظمها من لندن. كانت له أسبابه للتعجل في إطلاق الذراع الإعلامية القادرة على اجتذاب مشاهدين من كافة المشارب، سواء أولئك الذين افتقدوا أنفسهم وآراءهم في المنظومة الإعلامية العربية، وهم خليط من النخب ومن البسطاء ومن التواقين ـ عن حق أو باطل ـ إلى سماع خطاب الاحتجاج الداخلي، أو من بين منتسبي أحزاب ما يسمّى “الإسلام السياسي” الذين اتسعت وتشابهت أوساطهم في العالم العربي بفعل تفشي الفساد ومظاهر الهوان السياسي.

كان هناك بالطبع المستعدون في مرحلة الاحتقان للاندفاع إلى النزاع الأهلي المفتوح الذي يؤدي ـ في المحصلة ـ إلى فتح بطون الأوطان واستنزافها، وإسقاط الدول لكي تُعاد صياغة أنظمتها وفق أحلام الأصولية الدينية خادمة مموليها.

كذلك كان هناك متعطشون من كل لون ثقافي أو أيديولوجي يفتقرون إلى وسيلة إعلامية تتجرّأ على المألوف وتخرج عنه، وتحاكي هواجس الجميع، فتعرض آراءهم حتى ولو كانوا متطرفين من زعماء تجار الحروب، شيوخ أفغانستان. فهؤلاء تذهب إليهم كاميرات القناة فتتيح لكل منهم التحدث براحته وتبشر المشاهدين السذّج الذين يراهنون على هكذا طيف لتحقيق النصر القريب المؤزّر!

في رصد تلك التجربة لم يكن المشاهد الذي يمتلك الحد الأدنى من الوعي؛ في حاجة إلى إقناع، بأن أمراً غامضاً وخطيراً يكمن وراء الإعلام القطري، ذلك على الرغم من كون الأنظمة هي التي وفّرت الأسباب الأساسية لنجاح “الجزيرة” في اجتذاب المشاهدين بكثافة. ولسنا في حاجة إلى التذكير بأن تخلّف المنظومات الإعلامية الرسمية تبعاً لتخلف النظم السياسية التي ظلت تجافي فكرة الحريات والليبرالية ومراعاة التنوع في المجتمعات، كما ظلت تتجاهل التداعيات الاجتماعية لفشل التنمية وتنامي الفساد. ولسنا هنا، على أيّ حال، في سياق تحليل تجربة الإعلام القطري، لكن دراسات إعلامية عدة قدمت إحصائيات عن عدد المعلومات السنوية المجانية التي تتلقاها أجهزة المخابرات من شاشة “الجزيرة”، والمفارقة الطريفة أن كثيرين من زبائن الشاشة المطلوبين للتقصي الاستخباري كانوا سعداء بظهورهم. فمعظمهم كانوا يختمون اللقاءات بالإعراب عن الشكر للاستضافة!

غاية القول إن حمد بن جاسم هو مهندس دق الأسافين بأسلوب إظهار أو ادعاء تأييده الشيء ونقيضه والتودد للأضداد. ولم يكن ذلك من قبيل البراعة وإنما من قبيل التدبير الذي جرى على مستويات دولية أعلى منه بكثير. فلم يكن يستطيع، دون تدبير، أن يطرح نفسه ـ دون تدبير ـ  مدافعاً صنديداً عن أشد الأطياف الإسلامية تطرفاً وأعرضها وعوداً بالنصر والرضوان، وفي الوقت نفسه، أن يكون المقرّب والمقبولة وساطته، والمحببة إطلالته بالنسبة إلى إسرائيل.

إن مثل هذا الأنموذج، الذي لم ينزعج منه أيّ طرف، وظل يتقلد منصب وزير خارجية قطر لإحدى وعشرين سنة ونيّف (من يناير 1992 إلى يونيو 2007) يحتاج وحده إلى دراسة بحثية طويلة واستقصائية بامتياز. ولا يصح بالمطلق تعليل أدائه التخريبي من خلال الاعتقاد الخاطئ بأنه من أساطين الدهاء أو من الألمعيين المميزين في التعليم أولاً ثم في السياسة. فضلاً عن ذلك، لم يكن حمد بن جاسم من المشهود لهم بالنزاهة في عمله الحكومي، وإنما العكس البليغ هو ما حدث.

القصد أن الرجل الذي أدار التجربة القطرية المُلغزة لم يكن ألمعياً أو صاحب فكرة، وإنما محض أداة للتنفيذ، ربما يكون الدافع إليها كخيار هو توجس العائلة مما تعتبره خطراً سعودياً عليها. فليس ـ بالمنطق ـ سوى هذا الدافع يمكن أن يجعل الحكم في قطر يرى أن جوهر السياسة يكمن في إحراز الدور المتحرك في كل اتجاه، ولو من خلال البذل المالي الكبير، لكي تتحول قطر إلى حالة كيانية كأن وراءها “جحافل” مؤمنين ومريدين، متخطي الجنسيات والحدود، يرون فيها قبلتهم، فينعقد للحكم وزنه الوازن. وقد تورم هذا الدور بالفعل، سواء بهورمون الكورتيزون أو بالسمنة الطبيعية، حتى أصبحت قطر هي الأكثر رشاقة في حركتها للتدخل في شجار بين قبيلتين في شرقي آسيا، أو دول الساحل الأفريقي. وشتان بين ما تصرفه على هذا الصعيد وبين المئة دولار البائسة التي تصرف لغزة لكي يضمن فقراؤها ـ بحسبة الاقتصاد ـ نموّ فقرهم!

يمكن القول إن الطريق الذي سلكته قطر، في سياستها، حيال السلطة الفلسطينية، من خلال الدور الذي أنيط بحمد بن جاسم؛ مفهوم من خلال الاستدلال العام. لكن أيّ مجتهد في مؤسسة جامعية تمتلك الحد الأدنى من رصانة البحث العلمي سوف يصل إلى نتيجة لا مناص منها وهي أن الانقسام الفلسطيني وانقضاض حماس على النظام الناشئكان له سببان متداخلان: الغواية القطرية الإعلامية والمالية التي أوقعت حماس في منزلق الانقضاض الذي أدمى الشعب الفلسطيني وتسبب في الإجهاز على السياسة في الضفة وغزة واصطاد حماس في الجغرافيا وفي مرمى النيران؛ والسبب الثاني دور عباس وخياراته في التعاطي مع ذلك الانقضاض منذ مرحلة التمهيد، مروراً بمرحلة التنفيذ، وصولاً إلى موقفه الراهن. فالرجل لا يعرف الحد الأدنى من ثقافة الدولة رغم براعته في الكيديات، وكان حريصاً على تثبيت المسافة بين حماس وسلطته بمنطق القائل لها “أبعدك الله وأسعدك”. في الوقت نفسه حافظ عباس على المسافة القريبة والحميمة مع الدوحة. فهو القط الذي أحبَّ خَنّاقه!

هنا، يتوجب على الباحث أن يفتش عن كبار المُعلمين، الذين يقفون وراء هذا السياق كله ويديرون المشهد من بعيد. فأمثال حمد له من الغنيمة شغل التفصيلات. فالبوصلة عند الكبار، وهم المتكفلون بصيانتها وتحديد وجهتها، وهؤلاء معرفون بالاستدلال العام، لكن الباحث في حاجة إلى الحيثيات!

لن يصح اختتام هذه الفقرة دون الإشارة إلى نقطتين: الأولى أن الدور القطري نفسه، لا زال يشتغل بكامل الطاقم دون أدنى أهمية للمعطيات الشكلية التي تؤكد على أن حمد بن جاسم أصبح خارج الحكم بعد ترسيم صيغة الأمير الأب والأمير الابن. فمرجعيات الحكم وتوجهاته الرئيسة لم تتغير، لأنها في الأصل أسريّة وعائلية لديها مقاصدها المحددة، وتتابع كل شيء على مدار الساعة. والنقطة الثانية أن حماس، التي ابتلعت الطُعم، باتت في حاجة إلى وقفة موضوعية مع الذات، لكي تتعرف أولاً على حقيقة موضعها بعد التجربة الطويلة، وتتعرف على نوعية الحصاد الذي بين يديها الآن، بالمعنى الوطني والتاريخي والاستراتيجي وحتى  القيمي الذي نشأت على أساسه.