السلاح لغة التسقيط السياسي في العراق

18:23

2021-04-19

د. ماجد السامرائي

دبي - الشروق العربي - في مواسم الانتخابات الأوروبية والأميركية يلجأ منظمو حملات المنافسة إلى استخدام أسلوب التسقيط السياسي ضد الخصوم عبر أدوات التشهير الشخصي مثل فضائح التورط المالي بتمويل الانتخابات من قبل جهات محلية أو دولية، أو بتعريض الهدف إلى حملات الفضائح الجنسية. وأصبحت أدوات الإعلام الحديثة، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي، ميدانا لهذا النمط من المنافسة السياسية.

في العالم الديمقراطي لا يمكن لحملات التسقيط السياسي الاستغناء عن المعادلة التاريخية (الإنجاز ووعود المستقبل) في منظومة المنافسة بين الأحزاب والسياسيين.

في ديمقراطية عراق 2003 الفريدة والمتخلفة في مظاهرها وفعالياتها الانتخابية لا توجد برامج حقيقية تخضع لمعادلة الإنجاز ووعود المستقبل، بل أحكام هيمنة فُرضت على الناس تارة باستخدام المذهب الشيعي وطقوسه ومرجعياته وتارة باستخدام سلاح الميليشيات.

رغم هذا الانتهاك الصارخ للعهدة الديمقراطية لا تجرؤ جهة دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة صانعة هذا النظام المشوّه، على أن تكشف هذه الحقيقة المرّة وتعمل على تغييرها، بل على العكس تمنحها الشرعية في كل دورة انتخابية، وهذه إحدى مشكلات شعب العراق المعقدة.

أمثلة مرّة يعيشها الشعب العراقي عند اقتراب موعد الموسم الانتخابي، ومظاهر مؤلمة لدكتاتورية أحزاب الإسلام الشيعي، التي وإن تستخدم بعض ما كان يستخدمه الدكتاتوريون في وسائل الضغط على المواطنين وإجبارهم على الخضوع، لكنها تضيف نمطا خطيرا وهو السلاح المزدوج بالسياسة في إسقاط الخصوم من خارج الطائفة الشيعية، بتوظيف طائفي يتجدد في العام 2021، إذا ما حصلت الانتخابات المُبكرة في العاشر من أكتوبر المقبل.

سيكون مفيدا للجمهور العراقي لو استخدمت ملفات الفساد في حملات التسقيط السياسي، لأنها ستساعد على عرض وثائق وحقائق مثيرة للجمهور تخدمه في تصعيد حملات فضح الفاسدين ومرجعياتهم. لكن الأحزاب الكبيرة، بالتوصيف المرحلي، تعرف ما تشتغل عليه، ولا تحتمل هذا النمط من الفضائح لأنها ستنال من الزعامات نفسها، وتعمل على تلافي مثل هذه الهفوات التي يقع فيها مديرو الجيوش الإلكترونية.

استراتجية التسقيط السياسي الجديدة هي الاستهداف المكوناتي لكل من العرب السنة والأكراد من قبل الزعامات الشيعية خصوصا الموالية لطهران. وتدفع حالة الخوف من المصير الأسود إلى تصرفات أكثر شراسة وعدوانية. ونسوق مثالا حصل قبل أيام، ليس المقصود من الاستدلال به الجانب الشخصي للمستهدف إنما الحالة العامة، وهو تعرض ظافر العاني نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان إلى حملة مُنَظمة شرسة من قبل زعامات الكتلتين الأكبر في البرلمان؛ سائرون بقيادة مقتدى الصدر، والفتح بزعامة هادي العامري الموالي لطهران.

بيانات وتصريحات نارية منها بيان النائب الأول لرئيس البرلمان من التيار الصدري، طالبت بطرده من البرلمان بسبب بيانه الذي ألقاه في اجتماعات البرلمان العربي في القاهرة، خلال عرض ملفات حقوق الإنسان في العالم العربي قبل عدة أيام. قدّم بعض الأمثلة عن انتهاكات في العراق كملف المغيّبين، بحدود مئة ألف مواطن عراقي قسم منهم ممنوع من العودة. الفقرة الأخيرة من بيانه، التي بررت هذا الهجوم العنيف، هي دعوته البرلمانيين العرب إلى أن تُعامل الميليشيات في العراق معاملة داعش.

ليس المهم موضوع خروج النائب العاني على ضوابط عمله كبرلماني لفضح جزء من الواقع السياسي العراقي، من الناحية الانضباطية هذا الموضوع مجاله السليم هو محاسبته داخل البرلمان المهيمن عليه من قبل الأحزاب والميليشيات. هنالك آليات على البرلمانيين احترامها.

كانت هذه الجهات الشيعية النافذة “مُهذّبة” مع هذا النائب حيث تم التعاطي بلغة سياسية وليست لغة السلاح الشائعة كما حصل للكثيرين ممن مارسوا النقد، وأبرزهم المغدور هشام الهاشمي.

لم تعد التابلوهات التقليدية، كالشراكة بين السنة والشيعة والأكراد، صالحة في التعامل السياسي الجديد، فمن يقبلون الانضواء تحت لوائهم، خاصة من السياسيين السنة، عليهم الالتزام بقواعدهم وأهمها عدم المساس بالميليشيات “المقدسة”، لا فرق إن كانت تحت لافتة الحشد الشعبي أم خارجها، وإلا ستقطع عنهم “النِعَم” وامتيازات الوجاهة خصوصا من البرلمانيين. على من يريد التعبير عن معارضته الواضحة لحكم الأحزاب وميليشياتها أن يذهب إلى صفوف الوطنيين الأحرار الذين رفضوا تلك المزايا والمكاسب وتحملوا شظف العيش والغربة من أجل وطن سُرق من أهله.

استراتيجية التسقيط السياسي تستعيد ذات المفردات القديمة الجاهزة التي وُظفت في حملات الاضطراب الطائفي الدموية عام 2006 (داعشي، إرهابي، بعثي، أزلام النظام السابق) لأن الأحزاب الكبيرة وميليشياتها تتهرب من مواجهة حقيقتها ومسؤوليتها أمام الجمهور الذي سيضع صوته في صناديق الانتخابات، فتذهب إلى أدوات ووسائل الكراهية وتجديد نزعات الثأر بعد 18 عاما من الحكم.

الزعامات السنية الساعية إلى تجديد بطاقة مرورها في البرلمان المقبل تعلم بأن موضوع الولاء العملي المكشوف لطهران أصبح واحدا من البطاقات الخضراء للتنافس في الحملة الانتخابية الحالية. البعض منهم وافق واشتغل عمليا منذ انتخابات عام 2018، لكن هناك التزامات جديدة من بينها تطهير الصفوف من بعض المشاكسين إعلاميا، حتى وإن كانت المشاكسة في بعض الأحيان تنفع الرأس الحاكم في تمرير أكذوبة التنوّع السياسي في النظام القائم، كما أن ملّف مزدوجي الولاء بين طهران ودول الخليج العربية سيتضخم وسيأخذ طابعا جديدا، داخل المحافظات العربية السنية، تحت عناوين كالحشد العشائري الموالي لطهران وغيرها من الفعاليات.

لن يسلم الأكراد من استراتيجية التسقيط السياسي الجديدة، قد تساهم بها من خلف الستار أحزب كردية ذات خصومات تاريخية مع قيادة البارزاني، بترتيبات خفية من طهران. هذا الملف نضج وتم تحويله إلى قيادات الميليشيات بينها من ترفع العنوان القومي الكردي، خصوصا بعد التطورات المزعجة للإيرانيين في فضح الأكراد لمصادر الهجمات الأخيرة في أربيل، وقد يأخذ صيغة التسقيط بالسلاح أو إثارة الفوضى الأمنية كلما اقتربت أيام الانتخابات.

لا شك أن هناك إحباطا شعبيا عاما مسبقا من نتائج الانتخابات المقبلة، لأن الأحزاب وضعت تدابيرها في استمرار إدمانها الحكم من خلال تشريع القانون الانتخابي في 9 نوفمبر 2020 الذي طالب به ثوار أكتوبر، لكن خرج بصياغات ستوفر ضمانات لاستمرار حصول ممثلي تلك الأحزاب في 83 وحدة انتخابية على التصويت لممثليهم عبر تكريس القبلية والمناطقية، والترشيح الفردي سيشتت الهوية الوطنية الجامعة ويعّزز أساليب الابتزاز الديني المذهبي والعشائري.

التسقيط السياسي التقليدي سيكون مثالا رومانسيا لا يقدّم النتائج المطلوبة للولاء. بديله المقبل هو التسقيط بالسلاح وأدواته وأساليبه جاهزة، من بينها الاستعراضات العسكرية في شوارع بغداد واستحضار نماذج وأدوات التنكيل بالسلاح التي يُفزع تذكرها أبناء المحافظات السنية.

لكن مشكلة هذه الأحزاب هي الثورة الشبابية التي خمدت مؤقتا بسبب كورونا، هذه الثورة لن تعطي مشروعية لمرشحي الفساد والقتل في الانتخابات المقبلة، ولن تخضع للشكليات المتوقعة بالتصويت والترشيح القائلة بأن عدم ذهاب المصوتين من العراقيين إلى مراكز الاقتراع سيعطي الفرصة لهيمنة ذات الأحزاب، وأن ترشيح بعض الجهات الثورية من الشباب في تلك الانتخابات سيفيد بنسب متواضعة في المشهد البرلماني المقبل.

شعب العراق يتحمّل المسؤولية لانتخابه تلك الزعامات رغم علمه بفسادها. اليوم لن تكون هناك مهادنة، ما تريده هذه الأحزاب موالين وليسوا مشاكسين، يخضعون لإرادة الزعيم وجناحه العسكري.

لم يعد الفساد صفة مذمومة عند السياسيين، وغير مطروحة للمفاضلة بين المتنافسين في الانتخابات، كذلك المساءلة عن دمار العراق ومديونية 130 مليار دولار وسرقة 600 مليار أخرى. ما سيعرض هو الولاء التام لأصحاب المال والسلاح.

الخيار بيد الشعب الذي فجرّت في ضميره ثورة أبنائه الشجاعة التي قدمت أكثر من سبعمئة شهيد وأربعين ألف معوّق معاني الرفض الواضح. أولئك الراغبون بالذهاب إلى صناديق الاقتراع قادرون على وضع علامة أكس على جميع المتورطين بقتل أبنائهم وناهبي قوت حياتهم.