الانتخابات التشريعية: معضلة تشكيل القوائم

22:55

2021-02-24

أشرف العجرمي

دبي - الشروق العربي - يمضي الوقت بسرعة حتى موعد الترشح للانتخابات التشريعية والذي ينحصر بين 20 و 31 من شهر آذار القادم، ولا تزال الفصائل تواجه معضلة في تشكيل القوائم الانتخابية. وهذه المعضلة تواجهها حركة «فتح» أكثر من أي تنظيم آخر، ولكنها أيضاً تعتبر التحدي الأبرز للجميع، فهي مرتبطة بتحقيق الرضا الداخلي في صفوف الأعضاء والكادر التنظيمي وكذلك، وهذا الأهم، في أوساط جمهور الناخبين. و»فتح» في الواقع لديها مشكلة في إرضاء القاعدة التنظيمية بالنظر إلى العدد الكبير للذين يرشحون أنفسهم ويرون أنهم جديرون بعضوية «التشريعي»، ومحدودية القدرة على إرضاء الجميع.
قسم كبير من الذين يرغبون بالترشح في مختلف الفصائل والقوى بمن فيهم المستقلون، يرون بعضوية التشريعي مكانة اجتماعية وسياسية خاصة (برستيج) تستحق الصراع من أجلها، وبعضهم يرى فيها راتباً دائماً وامتيازات كبيرة بالنظر إلى الوظائف الرسمية الأخرى، وهؤلاء يعتبرونها مكافأة من المفروض أن يحصلوا عليها إما بسبب ما قدموه أو بسبب قربهم من القيادات المتنفذة. وللأسف فالواقع يقول إن القليل من المرشحين ومن أصحاب القرار ينظرون لوظيفة المجلس التشريعي بصورة عميقة كمهمة وطنية رفيعة المستوى، وبالتالي ينبغي أن يجري اختيار الأعضاء بناء على الكفاءة والأهلية والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة على أكمل وجه.
في الواقع، المجلس التشريعي كما كل برلمان في العالم هو عبارة عن مجموعة من اللجان المتخصصة، ولدينا هناك خمس عشرة لجنة دائمة وهي: لجنة القدس، ولجنة الأراضي ومقاومة الاستيطان، ولجنة شؤون اللاجئين (والنازحين والمغتربين)، واللجنة السياسية المتعلقة بالمفاوضات والعلاقات العربية والدولية)، واللجنة القانونية، ولجنة الموازنة والشؤون المالية، واللجنة الاقتصادية (الصناعة والتجارة والاستثمار والإسكان والتموين والسياحة والتخطيط)، ولجنة الداخلية والأمن، ولجنة الحكم المحلي، ولجنة التربية والتعليم والشؤون الدينية والثقافية والإعلام والآثار والشؤون الاجتماعية والصحية، ولجنة شؤون الأسرى والشهداء والمحررين والجرحى والمعتقلين، ولجنة القضايا الاجتماعية والعمل والعمال، ولجنة الطاقة والمصادر الطبيعية (المياه والزراعة والريف والبيئة والطاقة والثروة الحيوانية والصيد البحري)، ولجنة الرقابة العامة لحقوق الانسان والحريات العامة، وأخيراً لجنة شؤون المجلس. وبنظرة سريعة إلى هذه اللجان يتضح أنها مركبة وبها الكثير من التخصصات التي تحتاج بعضها إلى لجان خاصة بها. ولهذا فاختيار العضوية لـ «التشريعي» ينبغي أن يرتبط بالتخصصات الواردة في اللجان المذكورة أعلاه. وخاصة لدى التنظيمات والفصائل التي يتوقع أن تحصل على عدد كبير من المقاعد مثل حركتي «فتح» و «حماس». والعبء يكون أكبر على الفصائل الصغيرة التي يتوجب عليها أن تركز في قائمتها على أشخاص ذوي قدرات عالية ربما تنحصر أكثر في المجال السياسي والقانوني.
والأولوية في الاختيار للأعضاء الذين لديهم خبرة في عمل اللجان المختلفة حتى يضطلع المجلس القادم بمهامه على أكمل وجه، فهو ساحة كفاح داخلي من أجل الرقابة على المؤسسة التنفيذية لضمان أدائها لعلمها على أكمل وجه. وأيضاً متابعة عمل المؤسسات المختلفة، بالإضافة إلى البعد التشريعي المتعلق بسن القوانين المختلفة والذي يتطلب دراية وخبرة قانونية وأيضاَ خبرة في مجال الاختصاص الذي يتم التشريع فيه. وهناك مهمة في غاية الأهمية للمجلس وهي حماية وضمان الحريات الفردية والعامة وحقوق الإنسان الفلسطيني. وللمجلس أدوار أخرى مرتبطة بالنضال ضد الاحتلال سواء بملاحقة جرائم المحتلين والاهتمام بقطاعات الشعب الفلسطيني المتضررة من سياساته العدوانية. والبعد الآخر المهم هو التواصل مع العالم الخارجي وخاصة مع البرلمانات العربية والدولية لتأمين الدعم للحقوق الفلسطينية وهذا يتطلب خبرة سياسية في العلاقات الدولية. وباختصار يتناول عمل البرلمان كافة جوانب الحياة الفلسطينية، ويتميز عن برلمانات الدول المستقلة بكونه جزءاً من النضال الوطني التحرري. لهذا تكتسي معايير اختيار أعضاء البرلمان المبنية على الخبرة في التخصصات المختلفة حتى يؤدي وظيفته بصورة جيدة ومناسبة للدور المنوط به.
وهناك مسألة أخرى مهمة في عملية اختيار المرشحين وهي التي تتعلق بالبعد الجماهيري وبالتحديد بشعبية الأعضاء وقدرتهم على جذب أصوات الناخبين، ولهذا فمعيار الاستقامة ونظافة اليد والقبول الشعبي ينبغي أن يكون له دور في الاختيار. وعملياً هذا يبدأ بالقاعدة الجماهيرية للقوى والأحزاب السياسية. ولكي يكون الاختيار موفقاً يتوجب استمزاج رأي القواعد والكادر الأساسي في كل أماكن تواجد التنظيم. ربما تكون الانتخابات التمهيدية أفضل السبل لعملية الاختيار من أسفل إلى أعلى ولكن هذه لم تنجح في حالتنا الفلسطينية وخاصة لدى حركة «فتح»، ولكن المبدأ مهم، وعليه من المفروض إيجاد وسيلة للاختيار من القواعد ولو كان بأعداد أكبر من المطلوب ويكون للقيادة حرية الاختيار بين من تختارهم القواعد. لأنه في نهاية المطاف لا بد من اختيار من يساهم في كسب الأصوات وليس المنفرين والمحروقين.
وبالنسبة لحركة «فتح» تحتل هذه المعايير أهمية استثنائية لضمان ذهابها بقائمة واحدة مركزية تجمع مختلف الأطياف والآراء ومبنية على معايير متفق عليها وتناسب الجميع، ففي المحصلة النهائية هي تسعى للحصول على أكبر عدد من المقاعد، مع أن العملية الانتخابية القادمة قد لا تفضي إلى حصول أي حزب أو قائمة على الأغلبية وتتطلب مرحلة ما بعد الانتخابات توافقات وائتلافات وربما وحدة وطنية كاملة. ومشكلة الاختيار ليست بهذا التعقيد في الفصائل الأخرى وخاصة حركة «حماس» التي تتمتع بتنظيم مركزي يتيح للقيادة اتخاذ القرار الملزم لكل الأعضاء بعد إجراء المشاورات في مؤسسات الحركة.