صدى المدافع في العراق يلفت الأنظار عن جفاف نهر الفرات

14:04

2015-05-29

لندن - على مر التاريخ ارتبط اسم العراق بنهر دجلة والفرات، لكنّ هذين النهرين أصابهما ما أصاب العراق من وهن، ولم يعودا مثلما كانا من قبل منبع الأمل ومصدر الحياة. فقد أصاب الجفاف نهر الفرات ونقص منسوب المياه فيه فلم يعد قادرا على منح إكسير الحياة للعراق وجواره.
وحسب دراسة حديثة للمعهد الملكي البريطاني للدراسات الاستراتيجية “تشاتام هاوس”، يمرّ نهر الفرات بأزمة خطيرة نتيجة للاستغلال المفرط لمياهه والنمو السكاني المتزايد والتلوث، فضلا عن الصراعات الحالية في سوريا والعراق والسياسة المائية التي تتبعها تركيا ومحاولة استغلال تنظيم الدولة الإسلامية للسدود كسلاح استراتيجي.

ويشير معدّا الدراسة، الصادرة بعنوان “نهر الفرات في أزمة.. قنوات التعاون للنهر المُهدد”، نوار شموط، خبير الإدارة المائية والأستاذ في قسم المياه والبيئة بكلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق، وجلادا لان، الباحثة في معهد “شاتام هاوس”، إلى أن الموارد المائية الهائلة لنهر الفرات تعيش اليوم حالة من الأزمة، وفي ظل الحرب الدائرة في كل من العراق وسوريا تزداد الأمور سوءا؛ حيث يهدد الوضع البنية التحتية الرئيسية إلى جانب غياب التعاون والتنسيق في مجال السياسات، خاصة بالتصرف في مياه النهر. وفي غياب الاهتمام العاجل بأزمة موارد النهر، يمكن أن يشكل الفرات أزمة إضافية إلى جانب الكارثة الإنسانية الناجمة عن استمرار الاقتتال في المنطقة.


تهديدات متعددة

تسلطت الأضواء الدولية على أزمة نهر الفرات منذ عام 2013، حين أصبح محلّ تنافس بين التنظيمات الجهادية في العراق وسوريا من أجل السيطرة على الهياكل الحيوية في المنطقة، بما في ذلك نهر الفرات. وقد سعى تنظيم داعش إلى إيجاد معاقل استراتيجية له على طول النهر الذي تخضع أقسام مختلفة منه إلى سيطرة جهات حكومية وغير حكومية، كما أن هناك من يسيطر على السدود الكبرى، مما يجعل من غير الواضح معرفة من يمتلك السلطة وفي أماكن مختلفة على طول النهر.

وكان تنظيم داعش حين سيطر على سد الفلوجة، أوقف تدفق المياه لحرمان المحافظات الجنوبية من الماء، في حين قام بإغراق عدد من المدن أعلى النهر بما في ذلك مدينة أبوغريب، ويبين هذا الحادث قدرة ورغبة التنظيم في استخدام المياه كسلاح.

كذلك، أصبحت البنية التحتية للنهر سببا للتدخل الدولي في الصراع؛ ففي أغسطس 2014 اندلع قتال عنيف حول سد الموصل على نهر دجلة في شمال العراق، حيث حاول داعش السيطرة على السد، وتم صده من قبل مجموعة من قوات البيشمركة الكردية البرية والضربات الجوية الأميركية. وفي سوريا، سيطر تنظيم داعش، منذ أوائل عام 2013، على سد “الطبقة”، الذي يعد أكبر السدود وخزان المياه الرئيسي والمسؤول عن تنظيم تدفق مياه نهر الفرات في سوريا. ومنذ ذلك الحين، انخفض منسوب المياه خلف السد بشكل كبير.

وأسباب استهداف تنظيم داعش للسدود، يلخصها المحلل السياسي سوري محمد يوسف في ثلاثة أسباب:

* استخدامها ورقة ضغط في التفاوض على تحقيق مطالبهم.

* التحصن بها لعلمه بإحجام العراقيين عن الإضرار بالسد.

* تنفيذ سياسة الأرض المحروقة بتدمير كل شيء، إذا تيقن التنظيم أنه هالك لا محالة.

ويؤكد الخبراء أن انعدام الأمن وعدم وضوح الرؤية السياسية أديا إلى تفاقم التحديات المائية التي كانت سابقة لاندلاع النزاع الحالي في المنطقة. وتذكّر دراسة “تشاتام هاوس” بأن أزمة نهر الفرات تمتدّ إلى ما قبل اندلاع الأزمة السورية عام 2011؛ حيث دقّت السياسة المائية التركية ناقوس الخطر حول مستقبل نهر الفرات، حين عمدت تركيا، باعتبارها بلد المنبع، إلى بناء العديد من السدود متجاهلة العراق وسوريا المتشاطئة معها في مياه دجلة والفرات.

وقد حذّرت وقتها منظّمات بيئية من أن العراق إذا ما فشل في إتمام اتفاقات دولية تضمن حصصه المائية في شكل كامل، فإنه مقبل على “كارثة حقيقية تلحق بملايين الدونمات الزراعية في البلاد، ما يعني تحوله إلى جزء من صحراء البادية الغربية خلال مدة لا تتجاوز خمسة وثلاثين عاما”.

وينبع نهرا دجلة والفرات من تركيا، ويدخل نهر دجلة مباشرة إلى العراق وتصب فيه عدة روافد داخل العراق تنبع من إيران، بينما يمر نهر الفرات بسوريا قبل أن يدخل العراق، ويروي النهران الأراضي الزراعية من شمال العراق إلى جنوبه، ويشكلان شط العرب في البصرة، المنفذ البحري للعراق على الخليج العربي. وقد أدت التنمية السريعة وغير المنسقة بين الدول التي تقع على ضفاف النهر (تركيا وسوريا والعراق) إلى تغيير نظام تدفق النهر، مما تسبب في الحد من 40 إلى 45 في المئة من تدفق مجرى المياه منذ أوائل السبعينات. وخلال الخمسين عاما الماضية، تم إنشاء حوالي 32 سدا وقنطرة حول النهر. وقد ألحقت عملية بناء السدود، إلى جانب زيادة الاستخدام المكثف للمياه في الزراعة والصناعة، أضرارا بمجرى المياه والبيئة على حد سواء.

ويعتبر النهر المصدر الرئيسي للمياه لـ27 مليون شخص في البلدان الثلاثة، بالإضافة إلى عشرات الملايين من الذين يعتمدون على المواد الغذائية والطاقة التي يوفرها. ودفعت حالة التدهور التي شهدها نهر الفرات، إلى جانب حالة الجفاف خلال العقد الماضي، إلى ارتفاع حالات الهجرة الجماعية من المناطق الريفية المحيطة به في كل من سوريا والعراق. وفي جنوب العراق، تسبب ارتفاع نسبة الملوحة والتلوث الحاد في انتشار الأوبئة والخسائر الزراعية. أما في سوريا، فقد أدت الضغوط السكانية الحضرية وتكاليف الغذاء إلى زيادة الاضطرابات الاجتماعية.

وتهدد الضغوط المتزايدة والمتعلقة بالنمو السكاني والصناعة والهندسة المائية الآن، التنمية البشرية على نطاق واسع في جميع أنحاء منطقة الفرات. ومن بين الأمور المثيرة للقلق استمرار عملية إنشاء السدود و البنى التحتية. وعلى سبيل المثال يعتبر مشروع جنوب شرق الأناضول في تركيا لتوليد الطاقة الكهرمائية والري الزراعي والذي انطلق منذ السبعينات أمرا بالغ الأهمية. حيث يهدف المشروع إلى دعم التنمية الاقتصادية في جنوب شرق تركيا، لكن العديد من السوريين والعراقيين يتخوفون بشكل كبير من تأثير هذا المشروع على إمدادات المياه.

وعلى مدى نصف القرن الماضي شملت خطط التنمية الوطنية أنشطة استغلال واسع النطاق لمياه نهر الفرات، والتي غيرت بشكل كبير حجم ونظام تدفق النهر. وأصبح التدهور اليومي لموارد النهر عائقا أمام عملية إعادة الإعمار والسلام في مستقبل المنطقة.

ومن المرجح أن يقلل الطلب المتزايد على المياه وخطط البنية التحتية غير المنسقة وتغير المناخ من تدفق المياه. بالإضافة إلى ذلك، تشهد المنطقة احتدام التنافس على الموارد بين الدول إلى جانب وجود عقبات جديدة أمام الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي.

تحديات مستقبلية

تصنف سوريا والعراق ضمن بلدان ذات موارد مائية شحيحة، في حين تبقى تركيا معرضة لتشهد حالة من الإجهاد في المستقبل على مستوى الموارد المائية. ومن المتوقع أن تتفاقم حالة نقص المياه في الدول الثلاث جراء التغييرات المناخية التي تعيش المنطقة على وقعها.

وستجد القوى السياسية في الدول الثلاث نفسها أمام تحديات كبرى خلال فصل الصيف، خاصة مع ارتفاع معدلات التبخر نتيجة ارتفاع الحرارة والتغيرات المناخية القاسية. إلى جانب ذلك يمكن أن تؤثر عوامل مثل تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة معدلات الهجرة على دول الجوار.

ويمكن الحد من خطر هذه الأزمة إذا ما تم التنسيق بشكل جيد بين دول حوض نهر الفرات وفقا للقواعد الدولية. وبالنظر إلى التحديات التي تواجهها المنطقة، يتعين على السلطات في الدول الواقع على ضفاف نهر الفرات التعاون من أجل التخفيف من حدة الأزمة وتجاوزها. يرجع ذلك إلى حقيقة بسيطة تتمثل في كون النهر هو وحدة هيدرولوجية لا تعترف بالحدود السياسية، وبالتالي ليس بإمكان دولة واحدة أن تكون قادرة على مواجهة التحديات بمفردها.

هناك حاجة ماسة للتعاون، من أجل إدارة موارد النهر. لكن العوامل التي تعيق الاتفاق أصبحت أكثر تعقيدا، بسبب النزاع المسلح والتغيرات السكانية والمناخية وضغوط التنمية، حيث يعيش كل بلد مرحلة مختلفة عن الآخر في مستوى التنمية الاقتصادية. إلى جانب ذلك تشهد دول المنطقة تغييرات ديمغرافية كبيرة ونموا اقتصاديا يرتكز على الزراعة التي تتطلب موارد كبرى من المياه مما يؤدي إلى احتدام التنافس على المياه. وتبقى حقوق التحكم في النهر محل نزاع، كما أنها تتشابك مع القضايا المثيرة لمشاعر السيادة وتاريخ العلاقات السياسية المشحونة.