بين ميشيل وداعش

01:19

2014-08-25

ناجح ابراهيم

الأستاذ ميشيل أمين، أديب لبنانى، يعمل فى صحيفة الزمان التى تصدر فى لندن.. وهو شخصية مسيحية متسامحة مع نفسها ومع الكون كله.. وليس هناك تفسير للقرآن إلا وتجده فى مكتبته.. ولم يدع كتابا جيدا عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا قرأه، وهو يحب تفسير الفخر الرازى الشهير للقرآن الكريم حبا شديدا.. وهو التفسير الأساسى الذى اعتمد عليه الشيخ الشعراوى فى تجلياته الدعوية والإيمانية.

وأ/ ميشيل أمين شاعر موهوب لا يشق له غبار.. ولا تمر ذكرى مولد النبى صلى الله عليه وسلم فى كل عام إلا ويكتب قصيدة مدح فى الرسول صلى الله عليه وسلم.. وقد روى لي أ/ محمد عبدالشافى القوصى الكاتب بـ«الأهرام إبدو» أن أ/ ميشيل أمين زار إحدى القرى البريطانية التى يسكنها عدد من المسلمين البريطانيين وكان يلبس زيا عربيا فاستقبلوه استقبال الفاتحين الأوائل.. وكأنه أحد الصحابة وخاصة أن أ/ ميشيل أمين يتمتع بوجاهة وجمال وعروبية رائعة فى السمت والخلق خاصة إذا ارتدى الملابس العربية.

اجتمعوا حوله وحينما جاء وقت الصلاة قالوا له: نريد أن نسمع الأذان بصوتك.. تردد واستحى أن يقول لهم: إنه مسيحى.. ولكنه اضطر لقولها.

قالوا له: وما المانع؟.. نريد أن نسمع الأذان بلغة ولهجة أهله.. وجد نفسه يؤذن للصلاة بصوت شجى جميل.

ومن مآثر أ/ ميشيل أنه شارك فى صلاة الجنازة على الشاعر الشهير نزار قبانى رغم أنه مسيحى فلما استغرب البعض لذلك قال: وهل أنجب العالم العربى شاعرا مثل نزار قبانى.. ذلك فى الوقت الذى امتنع فيه بعض السلفية فى لندن عن الصلاة عليه.

ومن مآثره أيضا أنه زوج شقيقته لرجل مسلم ارتضى دينه وخلقه وقال لها: إن لم يكن هذا الرجل الذى يفهم الإسلام بحق أمينا عليك.. فلن يكون هناك أمين عليك.

ومن مآثره أنه كتب مقالة اسمها «فى هوى النبى محمد» فلما سأله أحد أصدقائه عن سر كتابته لمثل هذه المقالات قال: إننى أجد راحة نفسية فى الكتابة عن النبى محمد.. إننى عندما أفخر بالعروبة لابد أن أبحث عن رمز عال ورفيع مثل النبى محمد.

وحينما كان بعض أصدقائه يقول له: كيف تكتب ذلك عن النبى محمد وأنت مسيحى.. يقول: إن أغرب ما فى حياتنا أن محمدا والمسيح كالشقيقين المتوادين المتصافيين المتحابين إلى أقصى الحدود.. فى حين أننا نتناحر ونتباغض ونتقاتل ونتعصب إلى أبعد الحدود.

ومن أعظم مآثره كشاعر ديوانه الشهير «نبى الهدى» وفى إحدى قصائده شطرة شهيرة كررها وهى: «فبأى آلاء النبى تكذبان».. وكل قصيدة فيه تعد شرحا عظيما للإسلام.

تأملت هذا النموذج الإنسانى الفذ عظيم التسامح والتغافر والمحبة والمودة والذى لا يكاد يكره أحدا.. إنه فى سلام مع ربه ونفسه والكون والناس والطير والعالم كله.

قارنت بينه وبين نموذج داعش.. وسألت نفسى سؤالا عجيبا فزعت له برهة: أيهما أفهم للإسلام ورسالات الأنبياء؟ وأيهما أعظم تطبيقا لها؟ وأيهما أصلح للكون وللناس؟.. وأيهما أكثر ترغيبا للناس فى ربهم وفى الأخلاق الحميدة؟.. وأيهما أكثر حملا لميراث الأنبياء؟.. وأيهما تأمنه الناس ولا تخافه؟.. وأيهما تختاره لك جارا أو صديقا أو قريبا؟.. وأيهما تتعلم منه الأدب الراقى والمعانى الإنسانية؟ وأيهما أنفع للناس والمجتمع؟ إنها ليست مقارنة أديان.. أو بين جنة ونار.. أو نحل ومذاهب.. إنها مقارنة بين نماذج بشرية بعضها يسىء وبعضها ينفع.. بعضها ينفر وبعضها يبشر.. بعضها يكره وبعضها يحب.. بعضها يقتل وبعضها يحيى.. بعضها يذبح الآخرين سعيدا بفصل الرؤوس عن الأجساد وفرحا بتصويرها وبثها عبر الفضاء.. بعضها مثل داعش تسعد بهدم قبر النبى يونس وقبر النبى شيث بن آدم.. وهذه أول مرة يهدم فيها قبر النبى شيث فى التاريخ .. وهو نبى أنزلت عليه صحائف.. وبعضها صحبته تعلمك الحب والود والتسامح و«إن لم يصبنا منها وابل فطل».

إن الأديان السماوية الثلاثة بريئة من ظلم الظالمين وعسف الجبابرة وسباب الشتامين وجور الحكام الديكتاتوريين وسوء الخلق وتكبر المتكبرين.. وفسق الفاسقين.. وأكل أموال الناس بالباطل.. وقتلهم بغير حق.. وأعظم الآثام هى نسبة هذه الآثام إلى الشرائع والأديان السماوية.