"العزلة" مصير تركيا في ظل إدارة بايدن

15:19

2021-01-24

دبي - الشروق العربي - أدلى المرشح لمنصب وزير الخارجية الأمريكي الجديد، أنطوني بلينكن، بتصريح غير مسبوق ضد تركيا يوم الثلاثاء الماضي بقوله إن أفعالها كعضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) "غير مقبولة" وأن واشنطن "سترى ما إذا كان يتعين عليها القيام بالمزيد" فيما يتعلق بالعقوبات.

وأجاب بلينكن على سؤال من السناتور ليندسي غراهام بشأن شراء تركيا لنظام أس-400 الدفاعي روسي الصنع: "إن الفكرة القائلة بأن شريكاً استراتيجياً لنا - ما يعتقد أنه استراتيجي - سيكون متناغماً مع أحد أكبر منافسينا الاستراتيجيين في روسيا هو أمر غير مقبول".

ونقل بول أنتونوبولوس في صحيفة "غريك سيتي تايمز" الإلكترونية اليونانية اليوم الأحد أن العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، بوب مينينديز، وصف تصرفات أنقرة في سوريا واليونان وقبرص ودعمها للغزو الأذري في إقليم ناغورنو كاراباخ بأنها "مزعزعة للاستقرار".



ويرى أنتونوبولوس أن الإجابة التي قدمها بلينكن على سؤال مينينديز حول ما إذا كانت "نظرتهم واضحة بشأن تركيا في عهد أردوغان" هي التي أعطت أكبر نظرة ثاقبة لسياسة الإدارة الجديدة تجاه تركيا. أجاب بلينكن أنه في "المحصلة النهائية تركيا حليف.. لا تتصرف من نواحٍ عديدة كحليف" وتابع ضاحكاً "تحدٍ كبير جداً جداً بالنسبة لنا ونظرتنا واضحة جداً بشأن ذلك".

ويلفت التقرير اليوناني أن تركيا تدين بتشكيلها الحالي إلى البلاشفة الذين قدموا شحنات من الأسلحة والذهب للقوات التركية في الوقت الذي كان فيه الجيش اليوناني على وشك الاستيلاء على أنقرة خلال الحرب اليونانية التركية (1919-1922). ثم سرعان ما تخلت تركيا عن صداقتها مع موسكو، وقبل أربعة أيام فقط من الغزو النازي للاتحاد السوفيتي، وقعت معاهدة صداقة مع ألمانيا. في الواقع، كانت تركيا تفكر حتى في غزو منطقة القوقاز التي يسيطر عليها السوفييت.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتزامناً مع إعلان أنقرة الحرب على ألمانيا قبل شهرين فقط من استيلاء الجيش السوفيتي على برلين، انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي في 1952. لم تصبح تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي فحسب، بل تم ترقيتها بامتياز خاص بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي على البحر الأسود وسفوح القوقاز، بالإضافة إلى سيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل.

مع حصولها على هذا الامتياز الخاص، استمرت واشنطن باسترضاء أنقرة، بل باركت غزو شمال قبرص عام 1974، وتجاهلت المذابح ضد الأقليات الكردية والعلوية، وتتجاهل الآن الاحتلال التركي لشمال سوريا والعراق. على الرغم من هذه الفظائع، كانت واشنطن تسامح دائماً أنقرة لأنها ظلت ملتزمة بحلف شمال الأطلسي واستمرت في العمل كنقطة ضغط ضد روسيا، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عندما دعمت الإرهابيين الشيشان.

ومع ذلك، فقد قاد الرئيس رجب طيب أردوغان بلاده على طريق الاستقلال الجيو-سياسي والعمل لصالح تركيا وليس مصالح حلف شمال الأطلسي.

لقد تم تشجيع أردوغان على التصرف من جانب واحد من خلال إيجاد شريك في روسيا، وعلى الرغم من أن مصالح موسكو وأنقرة تتعارض في غالب الأحيان مع بعضهما البعض، فإن الأرضية المشتركة هي أنهما يعزلان الولايات المتحدة عن بؤر التوتر الجيو-سياسية الرئيسية، مثل سوريا ومنطقة القوقاز.



كانت العلاقة الوثيقة بين ترامب وأردوغان مبنية على أسس العلاقات التجارية الشخصية للرئيس السابق في تركيا. في الواقع، كانا مقربين جداً لدرجة أن مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون وصف علاقة ترامب بأردوغان بأنها "علاقة صداقة"، بل إن الرئيس السابق وصف نظيره التركي بأنه "جيد جداً". ولكن من جهة أخرى، أدى عدم اهتمام ترامب بالعدوان التركي، حتى ضد اليونان العضو في حلف شمال الأطلسي، إلى زيادة جرأة أردوغان.

مع نظرة بلينكين ومينينديز "الواضحة" بشأن أردوغان، يبدو أنه ستكون سابقة منذ أن أصبحت تركيا عضواً في الحلف الأطلسي، بعدم استمرار السماح بجو التهدئة مع العدوان التركي. ويتمتع مينينديز بسجل حافل في معارضة الإجراءات التركية، مثل شراء أنقرة لمنظومة أس-400، ودعم غزو الأذري الأخير لناغورنو كاراباخ، وانتهاك المساحات البحرية لليونان وقبرص.



وكان بايدن صرح في 2015 أنه يتوقع ظهور كردستان المستقلة خلال حياته، وهو أمر لا تقبله أنقرة على الإطلاق لأنه يقوض سيادتها شرق البلاد. إلا أن التهديد بقيام كردستان المستقلة هو مجرد نقطة ضغط واحدة يمكن أن تستخدمها إدارة بايدن الجديدة ضد أنقرة. يمكن تطبيق المزيد من العقوبات التي من شأنها أن تدمر الاقتصاد التركي بالنظر إلى أن عملتها المتضررة فعلاً، مع وصول نسبة التضخم إلى 14.6٪ ومع اعتقاد 80٪ من الأتراك أن الرقم قد يكون أكبر، من دون نسيان تزايد الديون من جهة ثانية.

وعلى الرغم من أن موسكو تريد أن تواصل أنقرة انحرافها عن حلف شمال الأطلسي، إلا أن لها أيضاً حدوداً بالتعامل مع أنقرة. دفع نشر تركيا لآلاف الإرهابيين السوريين على حدود داغستان الروسية، موسكو إلى العمل من خلال إجبار أرمينيا وأذربيجان على إنهاء صراعهما والسماح بالانتشار السريع لقوات حفظ السلام الروسية في ناغورنو كاراباخ، بينما ترفض في الوقت نفسه المطالب التي لا نهاية لها من جانب تركيا برغبتها لنشر قوات حفظ السلام أيضاً.



اندلعت الحرب السورية قبل 10 سنوات بسبب الدعم الذي تلقته جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة من الغرب وتركيا وعدد من الدول العربية. واليوم تستمر الحرب فقط من خلال رفض تركيا إنهاء دعمها للإرهابيين في إدلب. هذه نقطة أخرى تضاف إلى سجل إحباط موسكو من أنقرة.

على الرغم من استرضاء الولايات المتحدة لأنقرة وتمييزها دائماً، يبدو أن الصبر على تصرفات أردوغان الأحادية الجانب قد نفد.

سيحاول أردوغان توجيه بلاده أكثر نحو روسيا رداً على الضغط الأمريكي المتزايد. قد تسمح موسكو لذلك إلى حد ما من أجل التسبب في مزيد من الانقسام داخل حلف شمال الأطلسي، لكن سيكون لها أيضاً حدود في التسامح مع تصرفات أردوغان.

ستحتفل تركيا في 2023 بمرور 100 عام على تأسيس الجمهورية الحديثة، ولكن بحلول ذلك الوقت يمكن أن تكون أنقرة أكثر عزلة من أي وقت مضى حيث قد لا ترغب كلا من الولايات المتحدة وروسيا في ممارسة ألعاب أردوغان.