توحيد الصف سبيل لتجاوز المأزق العربي الراهن

14:02

2015-05-27

باريس -الشروق العربي– وجدت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نفسها، في أعقاب الربيع العربي، في سياق لعبة إقليمية فاشلة كانت محصلتها صفر على المستوى المحلي، حيث أصبحت تعاني من ضعف في الاقتصاد واضطراب اجتماعي وإرهاب يضرب في عمق الداخل. وعلى ضوء هذا الوضع تقدّم دراسة صدرت عن معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية بعنوان “مستقبل العرب.. ثلاثة سيناريوهات لعام 2025”، رؤى استشرافية لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المنطقة العربية.

تحمّل معدّتا الدراسة، فلورانس غوب وألكسندرا لابان، النخب السياسية ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة في أعقاب انتفاضات 2011؛ حيث فشلت جميع الأحزاب السياسية -القديم منها والحديث- في تقديم إستراتيجيات سليمة حول كيفية إصلاح الوضع. فما يعرف بالأحزاب الليبرالية العربية (تقدمية) بدأت انتهاج سلوك ليبرالي دون وعي بخصوصية المجتمعات العربية التي كانت ترزح لسنوات طويلة تحت قبضة حكم الحزب الواحد. في حين لم يتمكن اليسار العربي من الوفاء بالمطالب القوية التي رفعت شعار تحقيق العدالة الاجتماعية. أما الشباب العربي الذي كان المحرك الرئيسي للأحداث التي انطلقت في عام 2011، فلم يستفد من زخم الربيع العربي بل على العكس تم استبعاده وأصيب بخيبة أمل، كانت نتيجتها تحوّل عدد كبير منهم إلى التنظيمات الجهادية.

وتشير الدراسة إلى أن العالم العربي يمر، في عام 2015، بصدمته النظامية الثالثة، التي انطلقت منذ عام 2011. وبعد متغيّرات 2011، انتقل القلق المحلي من الهاجس الاقتصادي إلى الهاجس الأمني. وساهم انعدام الأمن في خنق النشاط الاقتصادي وظهور اقتصاديات الظل وتثبيط الاستثمار الأجنبي. لذلك ليس غريبا، أن يكون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المناطق التي تشهد أدنى مستوى للاستثمار الأجنبي في العالم.

وتوضّح فلورانس غوب وألكسندرا لابان أن السيناريوهات الثلاثة متساوية على مستوى احتمال حدوثها، دون التحيز إلى رؤية على حساب أخرى. وما يجعلها متساوية في إمكانية التحقّق هو أن التوقعات تنطلق من استقراء واحد للوضع الحالي، الذي هو في الأصل نتيجة لتداعيات وقعت في دول عربية بعينها في 2011، لكن آثارها امتدّت إلى كل المنطقة.

الاضطراب العربي

يحمل السيناريو الأول عنوان “الاضطراب العربي”. ويشير إلى أن الدول العربية، وبرغم محاولات الإصلاح فإنها لم تحقّق ما فيه الكفاية؛ بسبب استمرار العديد من التحديات.

وتتوقّع هذه الرؤية أن يكون الإرهاب الخطر الأكبر على المنطقة العربية، فرغم محاولات احتوائه، إلا أن توسّع نطاقه وتحوله إلى خطر عابر للحدود، سيجعل المنطقة عالقة في صراع طويل الأمد مع هذا التهديد، مما قد يعيق أو يؤجّل أي عمليات إصلاح داخلية، بسبب التركيز على الجانب الأمني.

وتلفت الباحثتان النظر إلى أنه، في ظلّ تمدّد الإرهاب، انتقل القلق المحلي من الهاجس الاقتصادي إلى الهاجس الأمني. وانتقلت السياسة الداخلية من التركيز على ضرورة إطلاق برامج الإصلاح إلى الاهتمام بالأجندة الأمنية، رغم أن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبطالة كانت العوامل الرئيسية التي دفعت إلى الاضطرابات عام 2011.

ونتيجة لهذه الأوضاع، لن تتمكن المنطقة العربية من تسجيل تقدّم ملموس على مستوى الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والقضاء على العنف وإعادة الاستقرار، الأمر الذي يجعلها تفقد، وفق السيناريو الأول، عشر سنوات من عمرها تقريبا.

وإلى جانب تمدّد الخطر الإرهابي، ترصد الدراسة تحدّيات وتهديدات أخرى تعيق أي تقدّم يمكن تحقيقه في أغلب دول المنطقة، ومن أبرزها الاستفزازات الإيرانية، وتدخّلها في الشؤون العربية، وحثّها على الخطاب العدواني والطائفي وتشجيع حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق. كما أن برنامجها النووي يشكّل تهديدا لأمن دول الخليج العربي، حيث تعتبر إيران دولة نووية، غير معلن عنها، مما يجعلها محلّ عدم ثقة من جيرانها الخليجيين، الذين يعطيهم التهديد الإيراني الحق في تنمية قدراتهم العسكرية والدفاعية؛ الأمر الذي يضع المنطقة بالكامل في حالة عدم استقرار.

ويتوقّع التقرير أن تلقي الأزمة في سوريا وليبيا والعراق، بظلالها على تطوّر المنطقة في السنوات القادمة، حيث ولئن يكون قد انتهى الصراع بحلول 2025، فإن بناء الدول وإعادة الإعمار سيحتاج سنوات، ناهيك عن التداعيات الاقتصادية والتهديدات الإرهابية التي تلقيها على كاهل دول قريبة لها.

وتصنّف دراسة المعهد الأوروبي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كأحد أهم أسباب عدم استقرار الوضع. ويشبّه التقرير الصراع بالمرض المزمن والعميق الذي سيبقى مصدر تحدّ للمنطقة بأسرها إذا تواصل شلل مفاوضات السلام وخلال الجمود السياسي لدى كلا الجانبين.

الانهيار العربي

يبدو السيناريو الثاني متشائما، وقد حمل عنوان “الانهيار العربي”؛ فبحلول عام 2025 ستبدو المنطقة العربية وقد فقدت الكثير من نشاطها وحيويّتها على عدة أصعدة، مع تراجع معدلات التنمية إلى الوراء، مما قد يؤدّي إلى محو التقدم الملموس الذي تحقق خلال القرن العشرين.

وسبب هذا التراجع ظهور تنظيم داعش، الذي أدخل المنطقة في اضطراب كبير جعل الدول العربية تسخر كل إمكانياتها لمحاربته، وإهمال تحقيق إصلاحات اقتصادية التي من شأنها خلق فرص عمل جديدة وتحقيق التنمية، حيث سيؤدي إهمال أو بالأحرى تأجيل الإصلاح إلى تآكل نمو الاقتصادات العربية وشل حركتها نتيجة لعدد من العوامل منها عدم الاستقرار، وعدم استدامة الدعم، وارتفاع أسعار الغذاء وغيرها.

ومن أخطر النتائج التي ستنجرّ عن هذه المقاربة ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات كارثية، الأمر الذي قد يدفع الشباب العربي العاطل إلى صفوف التنظيمات الجهادية، خاصة وأنها أصبحت تتعامل بمنطق اقتصادي أكثر منه أيديولوجي أو ديني بحت، حيث تغري هذه التنظيمات، وخصوصا داعش، الشباب المنضمّ إلى صفوفها برواتب ومكافآت مالية ضخمة. ومن لم ينضم إلى صفوف الجهاديين، سيكون ضمن جماعات مهمّتها تنظيم الإضرابات والمظاهرات رافضة للحكومة وسياستها وهذا بدوره، سيتطلّب اهتمام أمنيا على حساب التركيز على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

وستدرك الحكومات العربية، في نهاية المطاف، أن البطالة بين الشباب ومواجهة الإرهاب مشكلتان متلازمتان ويجب أن يتم الاهتمام بهما بتواز وفي نفس الوقت.

الطفرة العربية

على خلاف السيناريو الثاني، تحمل الرؤية المستقبلية الثالثة جانبا من التفاؤل، حيث يتوقّع هذا السيناريو أن تحدث طفرة عربية بعد 5 سنوات من تاريخ اندلاع انتفاضات الربيع العربي. لكن ذلك مشروط بتعافي الاقتصاد العالمي، وبالتحديد منطقة اليورو، خاصة إذا ما تزامن مع تحقيق التكامل الاقتصادي العربي في كل مجالاته. وستكون نتيجة ذلك انخفاض نسبة البطالة وارتفاع معدلات الناتج المحلي الإجمالي في جميع الدول العربية.

ووفق هذا السيناريو، ستحقق المنطقة بحلول سنة 2016، طفرة نوعية وتبلغ مستويات غير مسبوقة في مواجهة البطالة ومكافحة الإرهاب، وهي القضايا التي تتعلق تقريبا بكل دولة عربية، وذلك انطلاقا من إدراك الحكومات العربية، في نهاية المطاف، أن هاتين المشكلتين الأساسيتين لن يتم حلهما إلا بالتعاون المشترك والاهتمام بهما في وقت واحد، وبطريقة غير منفصلة، أو بتسبيق الإرهاب وتأجيل ملف البطالة.

كما ستقدم بعض الدول عددا من المبادرات لحل الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها دول المنطقة، وهنا تتوقع الدراسة تقديم خطة اقتصادية موسعة على غرار خطة “مارشال” بعد الحرب العالمية الثانية، والتي من شأنها أن تقدم تمويل قيمته 100 مليار دولار لإنعاش الاقتصادات العربية المنهكة، وتقديم الدعم الحيوي لها للقيام بالإصلاحات الضرورية بطريقة مستدامة اجتماعيا بهدف تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وستساهم تلك التنمية الاقتصادية في تقليل أعداد المنتمين للتنظيمات الإرهابية ومحاصرة الإرهاب بشكل يحول المشكلة من تهديد استراتيجي لأمن الدول إلى مجرد مشكلة “مزعجة”، وذلك بالتزامن مع السياسات العربية المشتركة في مكافحة الإرهاب، والتي ستثبت فعاليتها في تقويض هذا الخطر بل وستزيد من ثقة العرب في بعضهم البعض.

وعلى الرغم من أن المنطقة لا تزال تواجه بعض التحديات مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان وغياب المحاسبة والفساد الحكومي، إلا أن الأسس اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ستكون قد وضعت بالفعل. وعلى المستوى السياسي، من المتوقع في السنوات القادمة، أن تؤسس الدول العربية قوات حفظ سلام خاصة بها، وتكون أول مهمة لها في سوريا، والتي سيمهد اتفاق السلام فيها إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

العمل المشترك

تمرّ دول العالم العربي والدول المجاورة لها، بمرحلة انتقال صعبة. وأصبحت حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر حزما في تعاملها مع نظرائها في الغرب، في الوقت الذي أصبحت فيه مساعدات الدول المانحة تكتسي أهمية أكبر مما مضى.

ويبدو أن التركيز الأميركي على محور آسيا ترك فراغا استراتيجيا من المحتمل أن تملأه دول أخرى مثل الصين، والهند أو البرازيل، لكن الأهم من ذلك أن الدول العربية بدأت تعتمد على نفسها بشكل متزايد في معالجة القضايا التي تواجهها. وتشير الدراسة الاستشرافية لمستقبل المنطقة العربية بحلول سنة 2025، إلى أن كل الدول العربية تواجه جملة من التحديات المشتركة بدءا من الإرهاب والبطالة في صفوف الشباب مرورا بالأزمة الاقتصادية العالمية وصولا إلى التغير المناخي.

ويتوقّع أن تقنع هذه التحدّيات الدول العربية بضرورة التعاون فيما بينها؛ ولكنه يوضح أن المقاربات الثنائية لم تعد كافية، حيث أثبتت التجربة أن الحكومات الوطنية لم تسطع حلّ أي من القضايا، التي سبق ذكرها بشكل منفرد، وعلى القوى الخارجية أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار عند تقديمها للمساعدات التي تمنحها للدول العربية.

وتخلص الباحثتان إلى أن التعددية، سواء كان من خلال الكيانات الموجودة أو كيانات أخرى جديدة، تعتبر هي الحل للمشاكل العربية، ليس في عام 2015 فقط بل في السنوات والعقود المقبلة، وهي مسألة ضرورة وليست خيارا؛ سواء لتحقيق التكامل الاقتصادي ولتبادل المعلومات الاستخباراتية، فالحلول دائما إقليمية وليست وطنية منفردة.

وإذا اتخذت الدول العربية منحى خاطئ في مفترق الطرق هذا، فإنها لن تواجه عدم استقرار طويل الأمد فحسب، بل ستفقد المكاسب الهامة التي حققتها على مدى العقود القليلة الماضية. وإذا كان المستقبل سيبدأ الآن فعلى الدول العربية أن تنطلق في العمل المشترك.