النهضة تقفز من مركب حكومة المشيشي هربا من عاصفة الاحتجاجات

16:36

2020-11-28

دبي - الشروق العربي - تحاول حركة النهضة الإسلامية الشريك الرئيسي في الائتلاف الحاكم في تونس، من خلال تمسكها بتنظيم حوار وطني التهرب من مسؤوليتها في الأزمات التي تعيشها البلاد، وتترك حكومة هشام المشيشي، تتخبط في مواجهة عاصفة من الاحتجاجات وغضب شعبي قد تصعب السيطرة عليه في ظل استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وقال رئيس مجلس شورى حركة النهضة عبدالكريم الهاروني إن “تونس في حاجة إلى حوار وطني سياسي واقتصادي واجتماعي نظرا لصعوبة الوضع الذي زادته جائحة كورونا صعوبة”.

 وأضاف الهاروني في حديث لإذاعة محلية الأربعاء، “لا بد أن تتفق كل القوى السياسية والممثلين في السلطة على جملة من الإصلاحات والقرارات والأولويات خلال هذا الحوار الذي يجب أن ينبثق عنه موقف وطني موحد”.

وأشار الهاروني إلى أن “الحوار الذي دعت إليه الحركة لا يستثني أحدا بما في ذلك الحزب الدستوري الحر”، في خطوة تكشف حسب متابعين حجم الارتباك التي تغرق فيه الحركة، التي تحاول الانفتاح على الجميع حتى أشرس خصومها وهو الدستوري الحر برئاسة عبير موسي، حتى لا يحسب عليها الفشل الحكومي، الذي يضر بشعبيتها وخزانها الانتخابي.

وتجد النهضة في الالتفاف على مبادرات الحوار الوطني، فرصة لاسترجاع نفوذها المتراجع على وقع ما تعانيه من أزمة داخلية حادة، وانتقادات شعبية مستمرة لطريقة إداراتها لأزمات البلاد، بهدف العودة إلى المشهد من باب التوافقات الوطنية.

ومع توسع دائرة الاحتجاجات الشعبية، تحاول النهضة النأي بنفسها من تهم الفشل، بالقفز من سفينة الحكومة لتجنب ارتدادات الغضب الشعبي على موقعها في السلطة، كما لا تريد الحركة أن تتعرض لابتزاز من الأطراف السياسية بسبب ما يعانيه الائتلاف الحاكم من ضعف، ما يجعلها تحتمي بمبادرات الحوار الوطني التي تشهد زخما في الآونة الأخيرة.

وتتوجس أوساط سياسية من أن يشكل تأييد النهضة لإجراء حوار وطني موسع، مجرد مناورة للحفاظ على ثقلها السياسي ومنفذ للخروج من أزمتها التي تعمقت مع مأزق حكومة المشيشي التي كانت أول الداعمين لها.

وأبدى غازي الشواشي الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي (معارض) في تصريح لـ”العرب” تفاؤلا حذرا من اتساع نسق التأييد لمبادرة الحوار الوطني، أمام مخاوف من اصطفاف أطراف خلفه بشكل اضطراري “ولا يعكس جدية أو مصداقية في معالجة الأوضاع”.

وكان حزب التيار قد أطلق مبادرتين لتجاوز أزمات البلاد، تتمثل الأولى “في حوار وطني اقتصادي واجتماعي” باعتبار أن الثورة التونسية اقتصادية واجتماعية بالأساس، أما المبادرة السياسية فتتعلق بمراجعة المنظومة الانتخابية في تونس من حيث القانون الانتخابي ومرسومي الأحزاب السياسية والجمعيات، وفق توضيح الشواشي الوزير السابق في حكومة إلياس الفخفاخ المستقيلة في يونيو الماضي.

ولاحظ الشواشي أن “أغلب الأطراف اقتنعت بضرورة إنجاز هذا الحوار بما فيها حركة النهضة، وباتت تطالب بمشاركة الجميع دون استثناء”.

وأعرب عن أمله في ألا يكون قبول النهضة بمبدأ الحوار “مجرد مناورة أو هروب من إمكانية إقصائها، باعتبار أن هناك أطرافا تنادي بإقصاء كل الفاسدين وكل الذين تسببوا في تردي الأوضاع، في إشارة إلى الترويكا الحاكمة اليوم (النهضة، قلب تونس، ائتلاف الكرامة)”.

وتابع “لا نريد أطرافا غير راغبة في الحوار وتجد نفسها مضطرة لذلك.. نريد من يؤمن بضرورة إخراج البلاد من نفق الأزمات التي تغرق فيها”.

ويعتبر المتابعون أن النهضة بانضمامها إلى مبادرات الحوار الوطني تحاول التنصل من مسؤولية التصويت لحكومة المشيشي، خاصة وأن قيادييها قد أبدوا استعدادا لإجراء تعديل وزاري، في ظل توسع رقعة الاحتجاجات واستمرار الاحتقان الشعبي بالبلاد.

ويقول الشواشي “لولا تصويت نواب النهضة إلى جانب نواب قلب تونس وائتلاف الكرامة لما تمكنت حكومة المشيشي من التواجد ومنحها الثقة”.

وتابع “اليوم تحاول النهضة مع تزايد الغضب الشعبي، التنصل من هذه المسؤولية”. مستدركا “لكن ليس لهم الحق في ذلك وعليهم تحمل مسؤوليتهم وتبعات منح الثقة لحكومة المشيشي”. معلقا “كانت هناك إمكانية أخرى وهو عدم منح ثقة لهذه الحكومة والذهاب جميعا إلى انتخابات مبكرة”.

وعن حظوظ نجاح الحوار الوطني من عدمه، والذي سيلعب من خلاله الاتحاد العام التونسي للشغل، (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، دور الوسيط، يعتقد الشواشي أن نجاحه يتطلب عزيمة قوية ومصداقية من جميع الأطراف لطرح جميع المسائل وتحقيق تسويات تاريخية تشترط تنازلات من قبل الجميع. لكن، إذا استمرت التجاذبات السياسية من الطبيعي أن يفشل الحوار وسيدفع الجميع الثمن وأولهم الشارع التونسي.

ورأى أنه “ليس لنا خيار إلا نجاح الحوار، ودونه سنبقى ندور في حلقة فارغة”.

ويذهب بعض المتابعين للاستنتاج بأن حركة النهضة تحاول تدارك تراجع شعبيتها بالانضمام إلى المبادرات الوطنية، حتى لا تدفع فاتورة الغضب الشعبي وتأكل من رصيدها في المناسبات الانتخابية القادمة.

وأظهرت نتائج استطلاع رأي محلي أعده معهد إمرود كونسلتينغ، نشر في سبتمبر الماضي، تقدما كبيرا لشعبية الحزب الدستوري الحر الذي تترأسه عبير موسي، مقابل تراجع مستمر في نسبة المؤيدين لحركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي.

وبيّن الاستطلاع أن الحزب الدستوري الحر تحصل على نسبة 36 في المئة من تصويت التونسيين للانتخابات البرلمانية، فيما اكتفت حركة النهضة التي جاءت في المرتبة الثانية بنسبة 23 في المئة.

ويشكل سوء إدارة النهضة منذ انخراطها في الحكم في أعقاب ثورة يناير 2011 أحد أبزر الأسباب لتدني شعبيتها، وما زاد من تراجع الحركة سياسيا وشعبيا أزمة الزعامة التي اشتعلت مؤخرا بين قيادييها على خلفية الانقسام بشأن استمرار الغنوشي على رأس الحركة من عدمه.

ويشير خالد عبيد الأكاديمي المتخصص في الشؤون السياسية لـ”العرب” إلى أن “النهضة لا تريد التنصل من حكومة المشيشي بقدر رغبتها في ألا تبقى وحيدة في مواجهة العاصفة التي يراها الجميع الآن”.

 ويستنتج عبيد قائلا “النهضة تعتقد أنه بإمكانها عبر الحوار ألا تبقى معزولة ولهذا السبب ترى في الحوار المنفذ الذي ستتمكن من خلاله تجاوز أو تلافي ما سيحدث لاحقا بأخف الأضرار”.