الذكي والإعلام العربي

13:55

2020-11-26

د.خليفة علي السويدي

دبي - الشروق العربي - لا يختلف اثنان على أهمية الإعلام عبر الزمان، لكنه اليوم أشد خطورة، فلم يعد الإعلام محصوراً على بقعة جغرافية محددة كما كان في الماضي.

فمع انتشار ثقافة التواصل أضحى ممكنناً للإنسان في كل مكان متابعة نفس الخبر من أكثر من مصدر، وهنا بيت القصيد، فبما أن الإعلام يمثل في حقيقته وسيلة جبارة لخلق ثقافة عامة لدى المجتمعات، فإن خطورة الاختراق الإعلامي الخارجي تمثل تهديداً واضحاً لسياسات الدول وأهدافها الاستراتيجية، ولكن ما الذي يدفع مواطن دولة ما إلى التوجه نحو الإعلام الخارجي وتجنب متابعة إعلامه الوطني؟ هناك العديد من العوامل، لكن أخطرها في هذا الزمن أن يتعامل الإعلام العربي مع الإنسان على أنه غبي. 

من يتابع تطور استراتيجيات الإعلام العربي عبر العقود المتأخرة يجد أمراً محيراً، ففي التاريخ القريب كان الإنسان العربي البسيط يصدق كل ما تتقاذفه أجهزة الإعلام الوطنية التي تمكنت في فترة تاريخية قريبة من تحويل كافة الإخفاقات إلى انتصارات عبر بيانات طنانة رنانة، ففي جل الحروب التي شاركت فيها الدول العربية، والتي انتهت في مجملها بخسائر فادحة كانت أجهزة الإعلام تحول بشعاراتها الهزيمة إلى انتصارات تاريخية مدوية، ولأن ثقافة العربي كانت سمعية في تلك الفترة كان الثقة الأكبر بنشرات الأخبار التي تبثها المحطات العربية، وقد اشتهر في تلك الفترة عدد من الإعلاميين الذين كانوا رموزا مصدقة في كافة أقطاب المنطقة، إضافة للبعد الوطني الذي كانت تبث منه تلك القنوات، وكانت الطبقة المثقفة في تلك الفترة هي من يتابع المقالات التي تنشرها الصحافة العربية، والتي تميزت بعدد رائع من كُتاب الرأي وحملة الفكر.

وكلما اقتربنا من التاريخ المعاصر، نجد أن المعادلة نفسها متكررة مع اختلاف الشكل والإخراج للأحداث، فقديما كانت التلفزيونات تبث بالأبيض والأسود، أما اليوم فهي ملونة ورقمية وفضائية، وكذلك الصحافة كان يغلب عليها السواد أضحت اليوم ملونة بأجمل الصور، وتتسابق في الفضاء الرقمي، لكن الشيء الوحيد الذي لم يختلف في الإعلام العربي، هو مضمون الرسالة الإعلامية، لقد عاشت أجهزة الإعلام العربية سكرة فكرية جعلتها متمرسة في استخدام استراتيجيات الماضي لحروب المستقبل، ومحور تلك الاستراتيجية يتلخص في أن المتلقي إنسان أمي، وقد تناست تلك الأجهزة أن الإنسان العربي أضحى متعلماً مطلعاً، بل ومفكراً، فهو لم يعد المتلقي السلبي الذي يؤمن بكل ما تتقاذفه أجهزة الإعلام المختلفة، بل أصبح ذا قدرات عقلية متقدمة ناقدة يستطيع من خلالها المقارنة بين مصادر الأخبار المختلفة، واختيار ما يغلب عليه الصدق، لسبب واحد أن أجهزة الإعلام الكاذبة والتي لا تحترم عقلية المتابع باتت مفضوحة علي الملا عبر قنوات الإعلام المتعددة، وعندما تجني أجهزة الإعلام الخارجية المصداقية لدى الإنسان العربي، تستطيع أن تدس له السم في العسل، وهنا تكمن الخطورة، أن الإعلام العربي مطالبٌ اليوم بتعديل نظرته للإنسان والتعامل معه بأنه ذكي، وإلا فقد الإعلام دوره الحضاري، وأضحى الإعلام الأجنبي هو مصدر الخبر الموثوق عن الإنسان العربي.