حديقة الماريوت

12:58

2014-09-24

أحمد المسلماني

تمتد حديقة الشاى فى فندق ماريوت الزمالك وما حولها على مساحة ستة أفدنة، وهى واحدة من أجمل حدائق المبانى فى العالم.

وأما فندق ماريوت الذى يعود تأسيسه إلى عام 1869م فهو أقدم من نصف الدول أعضاء الأمم المتحدة.

كانت مقاعد حديقة الماريوت ممتلئة باستمرار.. ولم يكن لدى طاقمها الوقت الكافى لخدمة الزبائن.. لكن رقىّ أدائهم وحسن استقبالهم كانا كافيين للانتظار دون ضجر أو ملل.

لكن حديقة الماريوت تحولت فى أثناء ثورة 25 يناير 2011 إلى حديقة أخرى.. إلى مزيج من الثورة والدولة.. بعد أن غادر السياح وغاب الروّاد.

(1) كان شباب الثورة يخرجون من ميدان التحرير إلى مقاهى وسط البلد من «البستان» إلى «أفتر إيت». وكان «الأثرياء الثوار» يذهبون إلى ميدان التحرير لقضاء بعض الوقت ثم يعودون إلى حديقة الماريوت أو نادى الجزيرة.. وفى كل الأحوال كان «الحراك الثورى الثرى» يتحرك من باب نادى الجزيرة المواجه لباب فندق الماريوت.. ذهاباً وإياباً على مدار الساعة.

كان ذلك نمطاً جديداً للغاية فى «علم اجتماع الثورات».. يمكننا تسميته بكلمة صعبة: «البرجوازية الثورية» وبكلمة أسهل: «الثوار الأغنياء».

(2) فى مرات وجودى فى حديقة الماريوت كنت أرى فى عين بعض الذين يعملون فى الفندق نظرات دهشة واستنكار.. لماذا يثور هؤلاء؟ ما الذى أغضبهم من حسنى مبارك؟ هل يريدون إسقاطه حقاً؟!

لقد ذكرتنى ظاهرة «البرجوازية الثائرة» بمشهد يعود إلى سنوات ما قبل «يناير».

كان الصديق الأستاذ هانى عنان مسئولاً كبيراً فى حركة كفاية، وكان المشروع السياسى لحركة كفاية: إنهاء حكم «مبارك» وعائلته.. بلا تمديد أو توريث.

وفى ذات مساء رمضانى كُنّا مدعوين على حفل سحور فى فيلا هانى عنان الفاخرة فى المقطم، وقد طلب منى إعلامى لبنانى صديق أن يحضر السحور وأن يتعرّف على قادة «كفاية».

استقبلنا هانى عنان بكرمه المعهود، وكان حفل السحور برجوازياً بامتياز.. كانت الفخامة حاضرة فى كل شىء.

وقد فوجئت بالضيف اللبنانى يقول: هل أنت واثق أن الأستاذ هانى عنان مسئول فى حركة كفاية؟!.. قلت له: نعم. قال لى: ولماذا هو ضدّ نظام «مبارك»؟.. ما الذى يُغضِبه من هذا النظام؟

قلت له: إن هذا هو موقفه السياسى، ويزيدُه نُبلاً أنه لا يعانى شخصياً، ولكنه يريد الأفضل لبلاده!

اشترت جماعة الإخوان هذه الفيلا الشهيرة حيث أصبحت المركز العام للإخوان المسلمين، وحين التقيت هانى عنان بعد الثورة، رويت له قصة السحور والتعليق اللبنانى على المفارقة.. وضحكنا.

(3) لم يدرك نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك حقيقة التحولات الاجتماعية فى مصر، ومضى يتصور أن كل الأغنياء هم من أنصار النظام الدائمين.

كانت الخريطة التى لم يدركها «مبارك» تحوى الكثير من الجديد. كان أثرياء «الإخوان المسلمين» قد ازدادوا ثراءً.. وكان عدد كبير من «الجماعة» ممن كانوا لا يملكون شيئاً فى عهد «السادات» يملكون الكثير فى عهد «مبارك».. هناك (12) مليارديراً من جماعة الإخوان المسلمين تشكلت كل ثرواتهم فى عهد «مبارك» الذى زاد على ربع القرن.

إلى جوارهم كان هناك ما هو أخطر.. إنها ظاهرة «الأغنياء ضد الأغنياء».. وهنا لا أشير إلى حقيقة ثابتة فى كل نظام رأسمالى فى العالم.. ولكنى أعنى «أغنياء مبارك ضد أغنياء مبارك» و«أغنياء الحزب الوطنى ضد أغنياء الحزب الوطنى» و«أغنياء لجنة السياسات ضد أغنياء لجنة السياسات».. كان تعبير الفيلسوف الإنجليزى «توماس هوبز»: «الكل ضد الكل» هو ختام عهد «مبارك».

(4) إن العداء الذى كان واضحاً بين أقطاب النظام: المشير طنطاوى واللواء عمر سليمان واللواء حبيب العادلى.. ومجموعة الحرس القديم والحرس الجديد.. ثم العداء داخل الحرس القديم بعضه بعضاً والحرس الجديد بعضه بعضاً.. كان كفيلاً بأن ينهى نظام «مبارك» فى أيام.

كان البناء فى سنواته الأخيرة يشبه العمل الشهير للراحل أسامة أنور عكاشة «أرابيسك» حين انهار المنزل الملفّق فى لحظات.. لقد لقى نظام «مبارك» هزيمة بلا حرب.. انهار من داخله قبل أن يقرر الشباب البقاء فى الميدان.

كان الحزب الوطنى يشبه الحزب الشيوعى السوفيتى، وكان «مبارك» يشبه «بريجينيف».. وكان «جمال» يلهو فى حديقة القصر.. متصوراً أنه يركض نحو «الاتحادية».

لقد بدا الأمر ساخراً: النظام يريد إسقاط النظام!

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.

الأسبوع المقبل:

حكومة الثورة تخرج من «الماريوت» ووائل غنيم: «إحنا جيل هات من الآخر.. تدّينى إيه أدّيلك إيه»!