لا يزال القوس مفتوحاً

14:06

2020-10-26

طلال عوكل

دبي - الشروق العربي - مخطئ الإسرائيلي اليهودي، الذي يتظاهر ويطالب نتنياهو بالاستقالة، فهؤلاء لا يرون إلاّ مصالحهم الخاصة، ولأن منطلقاتهم، لا تنبع من رؤية عميقة لمصلحة وبقاء دولة إسرائيل، التي يهدد بقاء نتنياهو في الحكم إمكانية إطالة عمرها.
لقد حقق هذا الزعيم المتطرف، إنجازات استراتيجية كبرى لإسرائيل والمشروع الصهيوني، من دون أن يدرك أن حجم إنجازاته، سيكون السبب في تهديد وجود الدولة.
المشروع الصهيوني تجاوز الحدود الإقليمية التي سعت الحركة الصهيونية لتحقيقها، إلى الحد الذي يجعل إسرائيل دولة ذات نفوذ وتأثير واسع، ويكاد يكون مهيمنا على القارة الإفريقية.
التوسع الإسرائيلي الذي يملأ فراغات شديدة تركها العرب منذ وقت، نتيجة عجز في الرؤى وفي كيفية الحفاظ على المصالح القومية والوطنية، حتى لو وضعنا جانباً مدى الأهمية الموضوعية التي تحظى بها القضية الفلسطينية.
لن يكابر الفلسطينيون، حتى يقللوا من خطورة الانهيار العربي، أو أن يعتقدوا أنهم وحدهم قادرون على هزيمة المشروع الصهيوني المرتبط أشد الارتباط بالسياسات الاستعمارية العالمية.
الآن يمكن لكل من كان يدّعي أن إسرائيل هي ولاية أميركية، والحال ذاته بالنسبة لمن سبق أن ادعى أن اليهود هم الذين يقودون السياسة الأميركية فيما يتعلق بالمنطقة العربية والصراع العربي الصهيوني.
ثمة وجاهة في الجدل وفق هذه الادعاءات، ولذلك فإن الفلسطينيين بحاجة إلى عمقهم العربي، لمجابهة المشاريع والمصالح والاستراتيجيات الاستعمارية الأميركية الصهيونية.
إسرائيل التي يسكنها تسعة ملايين، بينهم مليونا فلسطيني، وأكثر من مليون غير يهودي، لا يمكنها وحدها، الهيمنة بالقدر الذي يحققه نتنياهو حتى لو كانت تملك ما تملك من إمكانيات، ما يعني أنها أداة ومشروع استعماري للسيطرة بيد قوى الاستعمار العالمي.
لا تعني هذه القراءة المستعجلة أن تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية مرهون بانهيار منظومة الاستعمار العالمي، فهذه قد تستغرق وقتاً ليس قصيراً لكن أداة المشروع وهي إسرائيل مرشحة لأن تنفجر من داخلها بسبب طبيعتها.
والآن ثمة من يقول في إسرائيل، إن تطبيع العلاقات مع السودان لا يفيد إسرائيل كثيراً، وبعض آخر يتحدث عن قيمة هذه الخطوة على صعيد الزراعة والأمن، فيما بعض ثالث يتحدث عن قيمة الخطوة، في إطار السيطرة الإسرائيلية على القرن الإفريقي، وبالتالي على القارة السوداء. في الحقيقة فإن التطبيع مع السودان، ينطوي على أبعاد أمنية عسكرية ذات أبعاد استراتيجية خطيرة فضلاً عن الأبعاد الاقتصادية.
السودان دولة فاشلة ففي حين أنها معروفة بإمكانياتها الزراعية غير المستثمرة وثرواتها الحيوانية، والنفطية، فإنها لا تملك بنية تحتية مناسبة، للاستثمار، فضلاً عن الديون الهائلة، وعجز الموازنة، وضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين.
هي دولة خام، ينخرها الفساد والتناقضات العرقية والقبلية، والاجتماعية والسياسية، والقائمون عليها يستبدلون الاستبداد والفساد السابق، بالتضحية باستقلال واستقرار البلاد، وتسليم مفاتيحها للاستعمار ومطامع الحركة الصهيونية.
ليس هذا ما أرادته الجماهير السودانية التي خرجت إلى الشوارع لأشهر عديدة، وقدمت تضحيات كبيرة، أما إذا كان الأمر يتعلق بالخيارات، فإن العرب يمتلكون قدرات مالية هائلة قادرة على أن تحول السودان إلى جنّة من دون أن تضحي باستقلالها وسيادتها واستقرارها.
في معادلة الربح والخسارة، إزاء قرار التطبيع، فإن السودان لا يحقق أكثر من عشرة في المئة من مجموع المكاسب المنتظرة من مشروع كهذا.
السودان عملياً أكمل عملية تأميم البحر الأحمر، لصالح إسرائيل، التي ستصل إلى المحيط الهندي، وتلتف إلى الخليج العربي، ما يجعلها تتحكم في الحركة، الاقتصادية والتجارية والعسكرية، في باب المندب، والتأثير على الحركة في قناة السويس.
إسرائيل ستكون قريبة جداً من مضيق هرمز وسيكون بمقدورها أن تلعب دوراً عسكرياً واستخبارياً في كل المحيط بهذا المضيق.
أما من الناحية الاستراتيجية فقد تحول القرن الإفريقي، إلى مستعمرة إسرائيلية من أريتريا إلى إثيوبيا، إلى جنوب السودان، فشماله. الأهم في كل ذلك ليس فقط النفاذ إلى القارة الإفريقية على أهمية ذلك، وإنما تسعى إسرائيل للعب الدور الأساسي في التحكم بمياه نهر النيل، وحصص الأطراف الواقعة على مجراه والأهم منها مصر بطبيعة الحال.
موضوع مياه نهر النيل والحصص ليس أمراً عادياً، وقد يكون السبب في اندلاع الحروب والصراعات، إذا حاولت إسرائيل، وحلفاؤها في المنطقة، التلاعب بمصائر الشعوب التي تقع على ضفتي النهر.
اقتصادياً، إسرائيل هي الرابحة بكل تأكيد، فهي يمكنها أن تحشد الأموال للاستثمار في البنية التحتية، وفي الزراعة، والثروة الحيوانية، خاصة أن إسرائيل تمتلك تجربة متقدمة على هذا الصعيد.
إن الاستثمار في الزراعة والبنية التحتية، سيمكن إسرائيل من الهيمنة على هذين القطاعين من دون تحسين الأوضاع المعيشية للسودانيين. السودان ليس بلداً سياحياً، وليس مؤهلاً لأن يكون كذلك خلال سنوات لكن إسرائيل قد تستقطب السياحة السودانية ما لم تعترض ذلك عقبات داخلية.
وفي هذه الحالة ستكون اليد الاستخبارية الإسرائيلية طليقة وتعمل بصورة شرعية ومكشوفة على خط تصعيد الصراعات الداخلية، واستمالة بعض القوى والقبائل وتجنيدها لصالح إضعاف سيطرة النظام السياسي.
أخيراً ماذا يعني أن الولايات المتحدة ترفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأميركية. هل سيدر ذلك على السودان هبات ومكافآت تساعده على تجاوز أزماته المالية، أم أن ذلك من شأنه أن يعمق تلك الأزمات، بذريعة المساعدة الأميركية للسودان، في الحصول على قروض من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.
هل حصل أن الولايات المتحدة، قدمت مساعدات وهبات مجانية لأي دولة عدا إسرائيل، أم أنها تستخدم إمكانياتها الضخمة وعلاقاتها، لتعميق الهيمنة على الدول، بما يضاعف أزماتها، ويعمق فقرها وفشلها؟
في الواقع فإن العرب المطبّعين، قد سلموا مفاتيح دولهم وشعوبهم، لصالح عدو معلوم، ويجاهر بعدائه للعرب، ويعلن مراراً، سياسة استحلاب الأموال العربية.
إن ادعاء المطبعين بأن التطبيع يخدم المصالح الوطنية، أمر لا يستحق النقاش، وستثبت التجربة أن التضحية بالمصالح العربية الكبرى، المشتركة وبالأمن القومي العربي، لن تؤدي سوى إلى تقويض ما تبقى لدى تلك الدول من استقرار ومصالح حتى لو كانت بالحدّ الأدنى.