إسرائيل: أزمة حكومة.. أم أزمة حكم؟!

09:39

2020-10-25

هاني حبيب

دبي - الشروق العربي - مع عودة الحديث عن انتخابات تشريعية رابعة في إسرائيل؛ على ضوء تصريحات حزب «أزرق - أبيض» وتهديداته حول الميزانية، سارعت عدة مؤسسات دراسية وبحثية لإجراء عدد من الاستطلاعات المتلاحقة، عكست نتائجها الإجمالية خارطة حزبية جديدة رسمها الرأي العام الإسرائيلي، ورغم تبايناتها التفصيلية إلاّ أنها أجمعت تقريباً على أنّ هناك تحوّلات لدى الجمهور الإسرائيلي وتوجهاته المستجدة، مع بقاء حقيقة باتت متأصلة خلال العقدين الماضيين، والتي تتلخص بهيمنة اليمين الوطني واليمين الديني على هذه التوجهات مع تراجع متدرّج لقوى الوسط وما يسمى اليسار في إسرائيل.
«إما انتخابات أو ميزانية لسنتين»، هذا هو الإنذار الذي وجهه بيني غانتس زعيم «أزرق - أبيض» لبنيامين نتنياهو زعيم الليكود ورئيس الحكومة، وهو الإنذار الذي كان من شأنه قيام مراكز البحث والدراسات بإجراء عدة استطلاعات رأي شبه يومية، أشارت كلّها إلى تراجع الليكود بخسارة قرابة 10 مقاعد أكثر أو أقل بالمقارنة بين استطلاع وآخر، مع خسارة موازية لحزب «أزرق- أبيض» بمعدّل نصف مقاعده الحالية، وإذا كان الأمر كذلك لماذا يسعى غانتس إلى انتخابات يعرف مقدماً أنه سيخسرها؛ بحيث لن يكون له مكان في أي حكومة قادمة على الأرجح، وبالمقابل إذا كان الليكود بزعامة نتنياهو سيخسر قيادته العددية المادية لليمين، وفقاً لما أشارت له استطلاعات الرأي التي منحت تقدماً لحزب يمينا بقيادة نفتالي بينت ليحصل على 21 مقعداً، صحيح أنها أقل من مقاعد الليكود إلا أنها تمنحه فرصة أفضل لتشكيل حكومة بقيادته على الأقل من الناحية العددية والنظرية، فلماذا إذا يسعى نتنياهو إلى عدم الالتزام بتفاهمات تشكيل حكومته مع «أزرق- أبيض» فيما يتعلق بملف الميزانية، ما يعني التوجه إلى انتخابات رابعة وفقاً لإنذار غريمه وشريكه غانتس، مع علمه أنها لن تمنحه فرصة تشكيل حكومة جديدة بنتائج انتخابات رابعة.
ملف الميزانية، أحد أهم الملفات التي أكدت مجدداً قدرة نتنياهو الهائلة على توظيف مختلف الأزمات والملفات لمصلحته في نهاية الأمر، فقد نص الاتفاق الائتلافي بين الليكود و»أزرق - أبيض» صراحة أنّ الحكومة ستقر بعد مئة يوم من تشكليها ميزانية عامة لعامين 2020 - 2021، لكن عندما حان الوقت افتعل نتنياهو أزمة سياسية وراوغ وتلاعب حتى تم إقرار تأجيل الميزانية لمئة يوم إضافي، وها هو الآن يكرر مراوغته وتلاعبه رافضاً إقرار الميزانية للعام 2021، وهو العام الذي من المقرر وفقاً لتفاهمات الائتلاف الحكومي أن يخلي رئاسة الحكومة لشريكه وغريمه غانتس. التفسير الوحيد المقنع لهذا السلوك أنّ نتنياهو سيدحرج مسألة الميزانية حتى الثالث والعشرين من كانون الأول، وهو الموعد الأخير لإقرار الميزانية حسب القانون، الأيام والأسابيع الفاصلة حتى ذلك التاريخ من شأنها أن تكفي لحصول تطورات مهمة لها تأثيرها المباشر على الوضع السياسي الإسرائيلي، فخلال هذه الفترة ستتضح نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية بالتوازي مع احتمالات متزايدة لركوب أنظمة عربية لقاطرة التطبيع، مع احتمالات تراجع تفشي «كورونا» في إسرائيل، الأمر الذي يفند اتهامات خصوم نتنياهو حول فشله في التعامل مع ملف هذا الوباء، إضافة إلى تطورات في الساحة الحزبية الداخلية بتأثير نتائج الانتخابات، هذا الانتظار الذي يأمل به نتنياهو واعتبره خياراً وحيداً هو ما لفت انتباه زعيم «أزرق - أبيض»، عندما سارع لفتح ملف الميزانية لإقرارها «الآن»، وليس انتظاراً حتى 23/12/2020 أو التوجه إلى انتخابات رابعة معتقداً أن نتنياهو؛ آخذاً بالاعتبار تراجع شعبيته، سيفضل عدم التوجه إلى انتخابات رابعة دون أن يدرك غانتس، رغم تجاربه الصعبة مع نتنياهو، أن هذا الأخير أقدر على التملص من الالتزامات والأزمات، وأكثر منه أنه يمتلك قدرة على افتعال أزمات جديدة تؤثر على الخصوم والأطراف الأخرى.