حقوق الإنسان المُكتسبة وفرص القرن الحادي والعشرين

08:26

2020-10-25

تشن وي تشينغ

دبي - الشروق العربي - منذ إنشاء الأمم المتحدة، ظلت حماية حقوق الإنسان من أولويات المجتمع الدولي.
خلال الـ75 عاماً الماضية، وبفضل الجهود المشتركة لجميع الدول، أحرزت قضية حقوق الإنسان الدولية تقدماً كبيراً. وفي الوقت الحاضر، أثرت عوامل مثل العولمة الاقتصادية والتقدم التكنولوجي على تغيير الأنماط الاقتصادية والاجتماعية في العالم بشكلٍ عميق. ويجب أن تتوافق قضية حقوق الإنسان أيضاً مع تطور العصر ومتطلبات الناس من جميع أنحاء العالم ومواكبة العصر والحفاظ على النزاهة والابتكار.
في بداية عام 2020 مع التفشي المفاجئ لفيروس «كورونا» الجديد أدركنا أهمية تحسين الصحة العامة وحماية سلامة الإنسان.
وقد بادرت المملكة العربية السعودية بصفتها رئيسة مجموعة العشرين لهذا العام، لعقد قمة خاصة لمكافحة تفشي فيروس «كورونا» في مارس (آذار) لتنسيق الجهود العالمية لمكافحة هذا الوباء وتقديم الرعاية الإنسانية في ظل الظروف الجديدة. وستأتي قمة مجموعة العشرين التي ستُعقد في الرياض تحديداً في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، تحت شعار «اغتنام فرص القرن الحادي والعشرين للجميع». ويُعد هذا الموضوع مهماً جداً من جانب العلاقات الدولية والوقاية من الوبائيات ومكافحتها.
ولتحقيق هذا الهدف يجب أن نولي اهتماماً للجوانب التالية:
رفاهية الجميع في المقام الأول
قبل نحو ألفي عام ورد في الكتاب الصيني «كتاب المناسك» التأكيد على الإيمان وغرس قيمة الوئام: «لا يكتفِ الناس برعاية أبنائهم وأقاربهم ليحظوا بالرعاية منهم فقط، بل أيضاً أن يعتنوا بالآخرين كي يكونوا عوناً للمجتمع، وليدعموا كبار السن والأرامل والأيتام والمعزولين والمرضى». كما ورد في القرآن الكريم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
إن إيلاء أهمية للرعاية الإنسانية من الأولويات وضمان رفاهية جميع الناس وقد اندمجت بعمق في تفكير ثقافة الصينيين والعرب.
الحق في العيش والتنمية من حقوق الإنسان الأساسية. إذا لم يتم ضمان حياة الإنسان وسلامته، فلا يمكن التمتع ببيئة اجتماعية مستقرة، ولا يمكن المشاركة بشكلٍ هادفٍ في جدول أعمال التنمية الاجتماعية، وتقاسم المنافع التي تجنيها بشكل عادل، فإن جميع حقوق الإنسان الأخرى ستكون غير واردة.
وفي مواجهة الجائحة، تضع الصين والمملكة العربية السعودية دائماً صحة الناس وسلامتهم على رأس أولوياتهما، استناداً إلى العلم والمعرفة، وتتخذان بحزم تدابير وقائية واحترازية لتعميم الوقاية العلمية، ومراقبة المعرفة على الشعب، وتحسين قدرات الكشف والعلاج، وبذل كل جهد ممكن لعلاج كل مريض وحماية صحة المواطنين بقدر استطاعتهما. كما تشارك الصين والمملكة في التعاون الدولي لمكافحة الوباء، ومد يد العون للدول المحتاجة. وتتعهد الصين بأن تصبح اللقاحات، بعد نجاحها في البحث والتطوير منتجاً عاماً دولياً.
17 أكتوبر (تشرين الأول) هو يوم الأمم المتحدة الدولي للقضاء على الفقر، حيث شددت الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان والتابعة لمنظمة التعاون الإسلامي في بيانٍ لها على ضرورة التعامل مع الفقر كشكلٍ من أشكال الحرمان من التمتع بحقوق الإنسان الأساسية بدلاً من اعتباره مجرد افتقار إلى الدخل أو إلى الموارد المالية اللازمة. كما أكدت أهمية اعتماد نهج قائم على حقوق الإنسان في محاربة الفقر، وذلك على الأساس المنطقي بأن الفقراء ليسوا من ذوي «الاحتياجات» فحسب، بل أصحاب «حقوق وامتيازات»، مما يستلزم ضرورة احترام هذه الحقوق وحمايتها على النحو المطلوب.
كما تولي الصين أهمية كبرى للتخفيف من الفقر والحد منه، ففي أكثر من 70 عاما، انتشل 850 مليون شخص من نطاق الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 70 في المائة من الذين انتشلوا من الفقر في العالم. ومنذ أن اقترحت الصين التخفيف المستهدف من الفقر في عام 2013 انخفض عدد سكان الريف الفقراء من 99 مليوناً إلى 5.51 مليون في عام 2019.
إننا نسعى جاهدين لتحقيق إزالة حدة الفقر وبناء مجتمع يمتلك حياة رغدة من جميع النواحي بحلول نهاية هذا العام.
على مدار تاريخ العالم، كان ازدهار الحضارات وتقدم البشرية لا ينفصلان عن السعي وراء أرضية مشتركة، مع الاحتفاظ بالاختلافات والانفتاح والتسامح، وتبادل الحضارات والتعلم المتبادل. يجب أن تلتزم قضية حقوق الإنسان بإضفاء دمقرطة العلاقات الدولية، وجميع الدول متساوية، كبيرة كانت أم صغيرة، غنية أم فقيرة. يجب أن نؤسس مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وندعو إلى التبادلات «المتناغمة ولكن المختلفة» بين الحضارات، وزيادة الثقة وتبديد الشكوك من خلال الحوار والتشاور العميق، لإزالة الحواجز الثقافية بشكل مشترك في العالم الذي نعيش فيه، وتعزيز تطوير حقوق الإنسان.
إن الصين والمملكة العربية السعودية من الداعمين المهمين لحقوق الإنسان في العالم. ومنذ إنشاء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2006 انتخبت الصين لعضوية المجلس 5 مرات متتالية. كما تتفانى الصين بجدية التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتُجري حوارات وتبادلات مع ما يقارب من 40 بلداً في جميع أنحاء العالم، وتفانت في التعاون الفني في مجال حقوق الإنسان. ورحبت بالكثير من البلدان النامية بتجربة الحد من الفقر التي تشاركها الصين.
لنأخذ التعاون الصيني الأفريقي كمثال، فقد ساهمت المشاريع مثل خط سكة حديد مومباسا - نيروبي وكذلك خط سكة حديد أديس أبابا - جيبوتي الذي بُني بالتعاون مع الدول الأفريقية بشكل فعالٍ في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المحلية. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن «سياسة الصين في التعاون الرابح للجميع والتنمية المشتركة للدول النامية مثل الدول الأفريقية هي مساهمة رئيسية أخرى للصين في قضية الحد من الفقر العالمي». كما قدمت المملكة العربية السعودية مساعدات سخيّة لأفريقيا والبلدان النامية الأخرى.
وفيما يتعلق بحقوق الإنسان، هناك مجموعة من العلاقات المهمة وهي العلاقة بين الأفراد والآخرين والمجتمع، وهي أساس العلاقة بين الحقوق والالتزامات. ويجب أن تُبنى حقوق الإنسان على المستوى الاجتماعي. وعلى كل شخص، في أثناء تمتعه وممارسته في حقوقه، ألا يمس حقوق الآخرين ومصالح الدولة والمجتمع والجماعة.
قال الفيلسوف الألماني كانط: «الحرية ليست ما تريد القيام به». يمكن ملاحظة أنه من العصور القديمة إلى الوقت الحاضر، من الشرق إلى الغرب، تم الجمع بين الحقوق والالتزامات والحرية والانضباط الذاتي.
والتقت الصين والسعودية بإدراكٍ مشتركٍ لمكافحة الوباء، لذا اتخذت الحكومة تدابير احترازية لحماية صحة البشر وحياتهم مع وعي المواطنين بذلك وانضباطهم الذاتي الصارم الذي يجعلهم يلتزمون تدابير الوقاية. لتتشكل بذلك حلقة جيدة من المسؤولية الاجتماعية تجاه الفرد، والمسؤولية الفردية تجاه المجتمع، وهذه هي الحماية الأساسية لحرية البلاد والشعب والمستقبل.
لأسباب اجتماعية وتاريخية وثقافية، هناك اختلافات موضوعية في فهم حقوق الإنسان بين البلدان. دعت الصين إلى «الانسجام مع الاختلاف» منذ العصور القديمة. وقد ورد في القرآن الكريم: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ). لا يمكن تطبيق أي نموذج لحقوق الإنسان على جميع دول العالم، ومن غير المعقول والمستحيل تنفيذ نموذج واحد لحقوق الإنسان في العالم. يجب أن نتبع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المعترف بها من جميع البلدان، كما يجب أيضاً احترام سيادة جميع البلدان ودعوة جميع البلدان إلى اتباع مسار لحقوق الإنسان الخاص بها على أساس ظروفها الوطنية الخاصة وتقاليدها التاريخية والثقافية.
هناك مقولة صينية: «لن تستطيع أن تعرف أن الحذاء يناسبك إلا بارتدائه».. واحتلت الصين والمملكة العربية السعودية المرتبة الأولى والثالثة على التوالي، وفقاً لمسح السعادة العالمي لعام 2020 الذي أصدرته شركة إيبسوس في 8 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
تلتزم استراتيجية التنمية الوطنية في الصين بالتوجه القيمي لاحترام حقوق الإنسان وحمايتها، وتأخذ على عاتقها مسؤولية تعزيز رفاهية الناس وحماية حقوقهم وتعزيز التنمية الشاملة للأفراد كنقطة انطلاق وهدف.
وتؤكد «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» أيضاً أنه يمكن للجميع إدراك قيمهم الشخصية والاجتماعية وزيادة شعور المواطنين بالمواطنة، وما إذا كانت حقوق الإنسان محفوظة فإن الشعب إذن يمتلك حق إبداء رأيه.
لا ينبغي استخدام حقوق الإنسان كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولا ينبغي اتباع معايير مزدوجة. بعض الناس يتجاهلون قضاياهم الخاصة بحقوق الإنسان، ويدبرون معايير مزدوجة، ويختلقون وينشرون «إسلاموفوبيا» و«نظرية تهديد الصين» بحجة حقوق الإنسان، ويشوهون حقوق الإنسان. نستطيع أن نقول بأن منطقهم خاطئ، وفعلهم كارثي.
عند وقوع أحداث عنف في الدول الغربية، تقف الصين والدول الإسلامية مع هذه الدول حكومةً وشعباً، وعندما يهدد الإرهاب والتطرف الصين والدول الإسلامية، يجب على الدول الغربية أن تقف معنا أيضاً.
لا ينبغي لبعض الأشخاص، بناء على اعتباراتهم السياسية الخاصة، وصم جهودنا في مكافحة الإرهاب والتطرف، أو العمى الانتقائي أو حتى تبني معايير مزدوجة.
يواصل بعض الناس الدعاية لما يسمى بقضية «حقوق الإنسان الأويغورية» في محاولة لخلق فجوة بين الصين والعالم الإسلامي. إن قضية شينجيانغ ليست قضية عرقية ودينية، بل إن جوهرها هو محاربة الإرهاب والأعمال المتطرفة والانفصالية، والحفاظ على الأمن والاستقرار الوطني، وتعزيز تنمية حقوق الإنسان.
ومنذ التسعينات، وقعت آلاف حالات العنف في شينجيانغ. وبعد وقت قصير من الهجمات الإرهابية في شينجيانغ في 5 يوليو (تموز) 2009 سافرت أنا وعائلتي إلى شينجيانغ وعانينا نفسياً من الآثار والأضرار الشديدة التي سببتها الأنشطة الإرهابية للاقتصاد والمجتمع والناس.
تكافح الصين بكل حزم الإرهاب بكافة أشكاله، وفي الوقت نفسه، من منظور التنمية البشرية تعمل على تحسين توظيف الناس من جميع القوميات العرقية وتوسع قنوات التوظيف ومصادر الدخل للشعب من خلال التنمية الاقتصادية لتحقيق التنمية المشتركة للشعب جميعاً. وفي الآونة الأخيرة ومنذ 4 سنوات لم تكن هناك أي حالة عنف وإرهاب في شينجيانغ، وقد تحسن وضع الأمن العام بشكل كبير، واكتسب الناس من جميع القوميات العرقية شعوراً بالرفاهية والأمان.
وفي مناسبات مختلفة، قامت بلدان كثيرة، بما فيها البلدان الإسلامية، بتقييم الإنجازات الإيجابية التي تحققت في تطوير حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب والتطرف في شينجيانغ، من خلال الرسائل المشتركة إلى رئيس لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان. وهذا يُظهر تماماً أن العدل موجود في قلوب الناس.
والصين مستعدة لتعزيز التواصل والتعاون مع المملكة العربية السعودية والدول الأعضاء الأخرى في مجموعة العشرين والمجتمع الدولي، ودعمها الكامل للمملكة العربية السعودية في استضافة قمة ناجحة لقادة مجموعة العشرين لتقديم مساهمات إيجابية في الجهود العالمية المبكرة للخروج من ضباب الوباء، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتكاملة والمتوازنة والمستدامة، وتعزيز قضية حقوق الإنسان الدولية، لاغتنام فرص القرن الحادي والعشرين للجميع.
-السفير الصيني لدى المملكة العربية السعودية