حقائق سياسية جديدة بعد توقيع المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية

13:33

2020-09-18

د. طارق فهمي

دبي - الشروق العربي - تطرح مرحلة ما بعد توقيع المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية فرصة حقيقية للاستقرار والتسوية في الشرق الأوسط، خاصة وأن تحريك المياه الراكدة في الملف الفلسطيني الإسرائيلي يظل أولوية حقيقية بصرف النظر عن الرفض الفلسطيني المكرر، والذي بدأ في مفاوضات مينا هاوس في مفاوضات كامب ديفيد، ومر تباعا قبل وبعد حقبة التسعينات، والتي بدأت بصيغة مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط ومن خلال صيغة تفاوضية دخلها العرب في مواجهة إسرائيل، واستمرت جلسات التفاوض لعدة سنوات قبل أن يدخل الفلسطينيون مع الإسرائيليين في مفاوضات أوسلو بصورة سرية وغير معلنة، ومن خلالها سيطرت السلطة الفلسطينية على جزء من الأرض الفلسطينية، وبالتالي فإن هناك سوابق تاريخية في تعاملات فلسطينية إسرائيلية تحققت في مسار غير معلن.

واليوم وبعد توقيع معاهدة السلام بين دولة الإمارات وإسرائيل، فإن السؤال المطروح ما الذي ستحققه المعاهدة من مزايا لو أحسن استخدامها بعيدا عن التباينات السياسية والمواقف الإعلامية؟، والتي ستؤدي لمزيد من الخسائر الفلسطينية في ظل صراع الخلافة والمزايدات بين طرفي المعادلة الفلسطينية في رام الله وقطاع غزة، وهو الأمر الذي يجب أن يحسم وينتهي لنكون أمام شعب واحد وقيادة واحدة وإدارة حكم واحد، وبالتالي فإن تفهم الدعوة الأمريكية على لسان كبير مستشاري الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر بضرورة انضمام الجانب الفلسطيني إلى الخطوة العربية الراهنة أمر مهم، والتفاوض من داخل المضمار السياسة، والتي هي فن الممكن والمستحيل، وهو ما أكده الرئيس الأمريكي ترامب عندما قال "نتحدث عن فجر جديد للشرق الأوسط بفضل شجاعة الدول الثلاث، وستكون هناك اتفاقات أخرى سوف تتلو"، وليس الصدام أو الصراع على طول الخط في ظل منهج الرشادة السياسية في الأساس، خاصة وأن إسرائيل تعمل بالفعل على تكريس الانفصال والانقسام الفلسطيني ولا تريد أن تتوحد الرؤية الفلسطينية، ومن ثم فإن الرهانات الفلسطينية الحقيقية يجب أن تمضي في إطار عدة خيارات، عبر استثمار المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية لتحقيق مكاسب حقيقية بدلا من الاستمرار في مسارات الخسائر الدورية، فمن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لمعاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية سنوات طويلة وممتدة خسر فيها الجانب الفلسطيني الكثير من الأرض حيث تكاملت مشروعات الاستيطان، وتم ضم القدس للسيادة الإسرائيلية كما تم تغيير معالم الأراضي الفلسطينية ونفذت إسرائيل عشرات المشروعات لتهويد القدس 2020 ثم أعلنت القدس 2075، وهو ما يقضي على المتبقي من الأرض العربية المحتلة .

تفتح المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية الباب المغلق أمام إعادة ترتيب الرؤى والتصورات العربية والإقليمية في مواجهة المخطط الإسرائيلي، في ظل التأكيد على أن الهدف من معاهدات السلام هو العمل من أجل استقرار المنطقة، والعمل على نقل المواجهة الراهنة إلى داخل إسرائيل، عبر مخطط شن الهجوم العربي من خلال السلام الراهن والتي تطرحه المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية الجديدة، إذ أن هذه الخطوة ستؤدي بالفعل إلى تأليب الرأي العام الإسرائيلي، وصعود القوى المؤيدة للسلام، كما ستنشط منظمات حقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني، وسيقوي من حضور حركات "السلام الآن" و"اليسار" و"أمهات يسرائيل" و"بتسليم" وغيرها، إضافة لنقل رسالة إلى الجنرالات الجدد الصاعد دورهم في الساحة الإسرائيلية، والذين يطالبون حكومة نتنياهو الراهنة بضرورة الإنصات لصوت العقل، والبدء في التفاوض حول إحلال السلام الدائم في العالم العربي، والتفاوض الجاد والحقيقي مع الجانب الفلسطيني، لأن هذا الخيار سيحقق الأمن والاستقرار للدولة العبرية، ويوحد الرؤى والمصالح المشتركة في مواجهة التهديدات والمخاطر الراهنة، والتي ستمس إسرائيل .

إن مرحلة ما بعد توقيع المعاهدة الإماراتية سترتبط ليس فقط بتطوير العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، وإنما بالإقليم، خاصة مع خطوة مملكة البحرين الجريئة والتي ستكون مدخلا لمواقف دول عربية أخرى، ومن ثم فإن القرار الفلسطيني الرشيد سيتطلب بدلا من الدخول في سلسلة من التحفظات والمواجهات السياسية، كما جرى في أروقة الجامعة العربية مؤخرا بعد فشل الجانب الفلسطيني في تحريك المشهد وإدانة كل ما يجري، خاصة مع اعتبار الجامعة أن قرار السلام أو أي قرار آخر مرتبط بالسيادة الحقيقية لكل دولة، وهو ما سيغلق الباب فعليا في الالتزام بقرار عربي موحد من الآن فصاعدا، لاعتبارات تتعلق بالتعامل مع إسرائيل كدولة مثلما فعلت مصر والأردن من قبل، وأدى لنجاح معاهدتي كامب ديفيد ووادي عربية، وهو ما سيتكرر في المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية التي ارتكنت على مبدأ المصالح المشتركة والإيجابيات المتبادلة، وهو ما سيؤسس لشراكة حقيقية في مجالات التعاون، والتي برزت بوضوح في نصوص المعاهدة وحرص المفاوض الإماراتي على تضمينها بصورة كبيرة، وهو ما سيعتبر مدخلا حقيقيا لإنجاح ما تم التوافق بشأنه.

إن تنفيذ بنود المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية سيؤدي إلى تقديم نموذج حقيقي للعلاقات الواقعية في إطار البيئة الجديدة التي ستعمل فيها المعاهدة، خاصة وأن المستهدف ليس فقط ثنائية العلاقات بل ومتعددة الأطراف، بدليل أن دولة الإمارات تحركت تجاه ملف الضم، والذي كان مطروحا وبصرف النظر عن الإجراء الإسرائيلي المتوقع لاحقا، فإن على الطرف الآخر الرافض أن يقدم البديل الواقعي والعملي لمواجهة المخطط الإسرائيلي، وأن يقف في دائرة أخرى، خاصة وأن الجانب الأمريكي ما يزال ينشد دخول الطرف الفلسطيني ساحة الاتصالات وإعادة استئناف المفاوضات، والتي يمكن أن تتم عبر توسيع دائرة الوساطة، ونقل الملف التفاوضي إلى اللجنة الرباعية والتي تمثل فيها الولايات المتحدة واشراك الأمم المتحدة في أطر التفاوض، وهو ما يمكن أن يتم في حال قبول الجانب الفلسطيني بنقل تصوراته من دائرة الرفض المستمر وإفساح المجال أمام التفاوض المرحلي، بل وتكشف مسارات جديدة للمفاوضات وفقا لموقف جديد تعبر عنه المعاهدة الإماراتية الجديدة، والتي تقدم بالفعل واقعا سياسيا جديدا أساسه الحفاظ على ما تبقى من القضية الفلسطينية بعد أن سعت الحكومة الإسرائيلية لطمس معالم التفاوض والاستثمار في الرفض الفلسطيني لسنوات، وهو ما لم يقتصر علي ملف الاستيطان والقدس بل وامتد إلى ملف اللاجئين والحدود المتوقعة للدولة الفلسطينية المرتقبة، والتي ما زالت الدول العربية الوازنة مثل السعودية ومصر والأردن والعراق تنشدها، وتدعو لإقرارها وهو ما يجب الانتباه إليه .

إن المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية الجديدة اقتراب عربي حقيقي ومدخل واقعي وحقيقي لإعادة الملف الفلسطيني للواجهة الدولية، والعمل على محاصرة الموقف الإسرائيلي وإظهاره للعالم، مع التقدير بأن الداخل الإسرائيلي في الوقت الراهن مهتز وغير مستقر، ويبحث عن خيارات أخرى غير الاستمرار في إدارة المشهد الراهن مع دول الجوار، ويعمل على طرح بدائل حقيقية في التعامل والقبول في الإقليم بصورة رسمية، وفي ظل مناخ عربي إسرائيلي يتشكل ويتبلور، وعلينا أن نستثمره بصورة جيدة وأن نبني عليه، بل والتفاعل الجاد والمثمر مع تطوراته الحقيقية .