طريق اللاجئين الطويل من إسرائيل إلى السودان

16:06

2020-05-27

دبي - الشروق العربي - بحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لقائه مع رئيس المجلس السيادي الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في مدينة عنتيبيي في أوغندا، في 4 فبراير (شباط) الماضي، إمكانية إرجاع اللاجئين السودانيين إلى بلادهم. وتداخلت هذه الرغبة مع الصراع الانتخابي الذي كان دائراً في إسرائيل منذ ثلاثة أشهر. كما تُعدُّ من ناحية أخرى، تجديداً لرغبة إسرائيلية قديمة منذ عام 2013 في ترحيل اللاجئين السودانيين والإريتريين وغيرهم من بلدان أفريقية أخرى.
ونظراً إلى مشاركة الرئيس السوداني السابق جعفر النميري في نقل "يهود الفلاشا" عبر الخرطوم لتوطينهم في إسرائيل، قد يُفتح ذلك الباب على تساؤلات حول مدى التعاون الذي يرجوه نتنياهو من البرهان في هذا الخصوص. وإضافةً إلى مناقشة الأمر في اللقاء الذي وصفه البرهان بأنَّه لـ"صيانة الأمن الوطني"، فإنَّ تهنئة نتنياهو لرئيس المجلس الانتقالي بعيد الفطر، تشير إلى أن هذا الأمر يمضي قُدماً.


لجوء أم تسلُّل؟

يدخل السودانيون والإريتريون إلى إسرائيل عن طريق التهريب عند الحدود المصرية عبر طريق سيناء، مقابل مبالغ مالية يدفعونها لعصابات التهريب في سيناء. وأُثيرت مسألة عبور الأسلاك الشائكة بغرض طلب اللجوء السياسي مرات عدّة من الجانب الإسرائيلي، التي تكون نتيجتها إما الحصول على اللجوء والبقاء في إسرائيل أو محطة عبور إلى أوروبا. انطلق هذا النشاط منذ عام 2003 مع بداية اشتعال الحرب في دارفور، وانضم إلى العابرين في ما بعد لاجئون من منطقة النيل الأزرق وجبال النوبة. وكانت سبقتهم مجموعة صغيرة من لاجئي جنوب السودان بسبب الحرب أيضاً، وهؤلاء عاد جزءٌ منهم إلى بلادهم بعد الانفصال، وعقب نجاح الحكومة الإسرائيلية في إقناع عدد منهم بذلك، بعدما أصبحت دولةً قائمة بذاتها وزوال الخطر عنهم. ونظراً إلى أن السودان كان في حالة عداء مع إسرائيل، تم التنسيق بواسطة أوغندا، إلّا أنّ اشتعال الحرب الأهلية في جنوب السودان أعاق العملية من جديد، فنجح البعض في اللجوء إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. 
ويعيش في إسرائيل حوالى 27000 إريتري و7700 سوداني بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي أكدت أيضاً أنه "منذ توّلت تل أبيب مهمة المفوضية المتمثّلة بتحديد صفة اللجوء عام 2009، لم يُعترف سوى بعشرة إريتريين وسوداني واحد كلاجئين. ولم تستقبل إسرائيل أي إريتريين أو سودانيين منذ مايو 2016". ولم يحدّ السياج الحدودي الذي بنته مع مصر بمحاذاة شبه جزيرة سيناء عام 2012 من تدفّق اللاجئين، إذ كانوا يعبرون الأسلاك الشائكة ولكن بأعداد أقلّ من السابق، بعدما كانت بمعدل 2000 لاجئ أفريقي شهرياً. ولم تعترف السلطات الإسرائيلية بغالبية هؤلاء كطالبي لجوء، إنَّما اعتبرتهم متسلّلين وباحثين عن عمل، لذلك دفع نتنياهو حكومته إلى سنّ "قانون التسلُّل" عام 2012، بالتالي احتجاز المُتسلّل لمدة تصل إلى 3 سنوات فور دخوله من دون محاكمة أو إذن قضائي.


بين الشد والجذب

وبين الشدّ والجذب، يعيش اللاجئون السودانيون تحت الإيقاف باعتبارهم آتين من "دولة معادية". وطوال الفترة التي أمضوها داخل السجون الإسرائيلية، لم تسأل عنهم الحكومة السابقة باعتبارهم معارضين وطالبي لجوء سياسي ولانعدام العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وتل أبيب. وكان ذلك سبباً لبقائهم فترة أطول في السجون، إضافةً إلى موقف السودان الرسمي، بخاصة حكومة الإنقاذ السابقة التي كانت تجهر بالعداء لإسرائيل، والمنع التام للسفر الذي كان مختوماً على الجواز السوداني بعبارة "السماح بالسفر إلى كل الأقطار ما عدا إسرائيل"، ناهيك عن النص القانوني الذي يتعرّض بموجبه أي شخص يزور إسرائيل للسجن لمدة 10 سنوات.
وبسبب التشريعات الدولية، تقف تل أبيب مكتوفة الأيدي أمام اللاجئين. فبعد انتهاء مدة سجنهم، يتحتَّم عليها منحهم تأشيرات مشروطة بالحماية وهو أمر ترحيل يوفِّر الحماية قبل الطرد، قابل للتجديد بانتظار إبداء كل منهم رغبته في العودة إلى وطنه أو تشجيعه على ذلك عبر المرور بدولة وسطية مثل أوغندا.

تهديد الصفة اليهودية

تظاهر اللاجئون السودانيون مرات عدّة ضد ترحيلهم من إسرائيل، الذي وضعته حكومة نتنياهو هدفاً لها، وضد ملاحقة الشرطة الإسرائيلية لهم. وفي حين يتشدَّد اليمين الإسرائيلي في موضوع إعادتهم بدعوى انتفاء الخطر عليهم، تساند أحزاب يسارية ومنظمات مدنية إسرائيلية وجودهم فيها كحقّ تكفله الدولة.
وعاودت حكومة نتنياهو الكرَّة مرة أخرى في أغسطس (آب) 2013، عندما قرَّرت ترحيل اللاجئين السودانيين والإريتريين إلى أوغندا، باتفاقٍ مع الرئيس الأوغندي يوري موسفيني وفق صفقة محدّدة. ووصفتهم بأنهم "زائرون بطريقة غير قانونية" وأن قضية هؤلاء المهاجرين الأفارقة تمثّل عبئاً كبيراً على كاهل الدولة وتهدّد "الصفة اليهودية" لإسرائيل. ووقف معارضون إسرائيليون أيضاً ضد هذه الصفقة لعدم قانونيتها كونها لم تخضع للمراجعة القضائية.

خلاف حول الترحيل

 عندما تعهّد نتنياهو بـ"إعادة جنوب تل أبيب إلى الإسرائيليين" عام 2017 في إشارة إلى وجود غالبية اللاجئين في تلك المنطقة، وقفت عقبتان في طريقه، تمثّلت الأولى بخلافات داخلية حول الميزانية المقترحة للخطة التي تبلغ نحو 86 مليون دولار. أما الثانية، فكانت أن الأمم المتحدة ضغطت عليه للإبقاء على اللاجئين في إسرائيل، نظراً إلى أن النقل غير الطوعي في السابق لم يوفِّر لهم السلامة والأمان، وتعرّضوا للمخاطر أثناء رحلاتهم داخل أفريقيا أو إلى أوروبا. واستجاب نتنياهو لذلك ووقَّع في أبريل (نيسان) 2018 اتفاقاً مع مفوضية اللاجئين يقضي بأن تستوعب إسرائيل نصف مجموعة طالبي اللجوء الأفارقة لديها كمواطنين مقيمين، وفق برنامج تشترك فيه تل أبيب مع المفوضية من خلال إخضاعهم للتدريب المهني ومنحهم وظائف في مجالات الزراعة والري داخل إسرائيل أو خارجها، إضافةً إلى أن تأخذ الأمم المتحدة عدداً منهم لاستيعابه في دول أوروبية. ثم تراجع نتنياهو عن الاتفاق بعد ضغوط من حلفائه في الائتلاف الحكومي، وشجَّعه على ذلك قيام الثورة في السودان وتحوّل البلاد إلى ما وصفه بـ"السودان الجديد"، ورأى أن أسباب الخطر التي يمكن أن يتعرَّض لها اللاجئون قد زالت. بعد لقاء نتنياهو - البرهان ركَّزت الصحافة الإسرائيلية على إعادة اللاجئين الأفارقة إلى بلدانهم، وبرز إعلان وزير الداخلية الإسرائيلي آرييه درعي في 19 فبراير (شباط) 2020 أن تل أبيب اتفقت مع دولتين لاستيعاب "المتسلّلين".


قرار سيادي

من جهة أخرى، أوضح السفير حيدر بدوي صادق، مدير الإعلام والناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية لــ"اندبندنت عربية" أنه "بما أن قضية إعادة اللاجئين السودانيين من إسرائيل طُرحت على مستوى المجلس السيادي الانتقالي، فأتوقع أن تُعالج هناك، إذ لم يصل الملف إلى الخارجية بعد، وليست هناك إشارة من قريب أو بعيد له". ويدلّ عدم إيلاء هذه القضية إلى وزارة الخارجية على أن أمر التطبيع لا يزال بين الأخذ والردّ وأن البرهان اكتفى بوصف اللقاء المفاجئ في عنتيبيي بأنه "لصيانة الأمن الوطني".


حماية وإطار قانوني

في السياق، أوضح معتمد اللاجئين المُكلَّف محمد يس، لــ"اندبندنت عربية" أنه "إذا تم التوصل إلى اتفاق بخصوص إعادة اللاجئين، فإن ذلك سيكون وفق تفاهم سياسي، ثم اتفاقية ثلاثية بين الحكومتين الإسرائيلية والسودانية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ولكي تتم هذه الاتفاقية يجب أن تكون في حالة أن هؤلاء مسجّلون رسمياً، وتقوم المفوضية بحمايتهم، أو عن طريق أي ترتيبات أخرى تراها الدول مناسبة". وأضاف يس أنه "في حالة وجود المفوضية السامية كطرف منفّذ، فإنّها تشترط أن تكون العودة طوعية باختيار اللاجئين ورغبتهم. وإن اتُّفق على العودة الطوعية فإنَّ أطراف العملية مطلوب منهم التفاهم على إطار قانوني، وخطة رسمية لتنفيذها".
وأشار إلى أنه "يُحتمل أن المقيمين في إسرائيل مهاجرون سواء هجرة شرعية أو غير شرعية. وفي هذه الحالة، تساعد منظمة الهجرة الدولية في عودتهم. في النهاية، إنّ طريقة العودة الطوعية تتوقّف على الوضع القانوني لطالبها".

وعن كيفية التفريق بينهم وبين "يهود الفلاشا" الذين رحّلتهم إسرائيل إلى هناك في الثمانينيات عبر الخرطوم، أوضح يس أن "الأمر يتطلّب الاطّلاع على بيانات ومعلومات وهويات الراغبين في العودة الطوعية وكونهم سودانيين أو إثيوبيين". أما "يهود الفلاشا"، فعلى الرغم من ممارسة التمييز ضدهم، إلَّا أنّ تل أبيب لا تنوي ترحيلهم، ويقتصر الأمر على السودانيين والإريتريين، وذلك لأنَّه لا يُسمح سوى لليهود بالهجرة إلى إسرائيل.

قد تتهيّأ الظروف ليبذل السودان تعاوناً أكبر مع إسرائيل في هذا الأمر من بين أمور أخرى، بخاصة أنّه يتأثر حالياً في علاقات إسرائيل وتكوينها حلفاً جديداً مع دول الجوار الأفريقي، ولهذا يهتم ويعمل وفق تبعات التأثير المباشر أو الناتج من علاقة تل أبيب بدول جنوب السودان وتشاد وأوغندا.