لماذا تحاول إسرائيل نسيان 18 عاماً من الحرب في لبنان؟

16:07

2020-05-26

دبي - الشروق العربي - منذ عام ونصف، حاول صحفي الحروب الإسرائيلي حاييم هار-زهاف تأليف كتاب حول السنوات الأخيرة من الوجود العسكري الإسرائيلي داخل "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، والذي شارك فيه أثناء شبابه بوصفه جندياً من قوات المشاة، لكن بعد عامٍ واحد فشل زهاف في العثور على ناشر لكتابه، وانتهى به المطاف إلى نشره بنفسه، بتمويلٍ من حملة تبرعات جماعية عبر الإنترنت. ومنذ صدوره في ديسمبر/كانون الأول، حفّز كتاب "لبنان: الحرب الضائعة Lebanon: The Lost War" ظهور حركةٍ شعبية إسرائيلية تدعو الحكومة إلى "الاعتراف بالوجود الإسرائيلي الذي دام 18 عاماً داخل لبنان"، كما تقول صحيفة Haaretz الإسرائيلية.

لماذا تحاول إسرائيل نسيان 18 عاماً من غزو لبنان؟

في 24 من مايو/أيار 2020، حلت الذكرى الـ20 للانسحاب الإسرائيلي من لبنان، حيث جرى الاحتفال به بحفاوة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، مع نشر تحقيقات خاصة كبيرة في الصحف والقنوات؛ إذ بثّت قناة Channel 11 الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة وثائقياً من ثلاثة أجزاء بعنوان "حربٌ بلا اسم War with No Name" للمؤلفين إسرائيل روزنر وماتي فريدمان، الذي سرد روايته عن القتال داخل لبنان، بينما خرج قدامى مُحاربي المنطقة الأمنية في مسيرةٍ تذكارية داخل تل أبيب ليلة السبت 23 مايو/أيار. كما انضم 34 ألف جندي من قدامى المحاربين إلى مجموعة تشكّلت حديثاً على فيسبوك بعنوان "قصص من لبنان – ما حدث في المواقع العسكرية Stories from Lebanon – What Happened in the Outposts"، حيث تُنشر نحو 400 رواية للأحداث في المتوسّط كل يوم.

وطيلة السنوات الـ20 الماضية، بدا وكأنّ الحرب الضائعة التي لا تحمل اسماً تغيب عن أذهان الوعي العام. ولكنّها عادت الآن فجأةً. فلماذا نسيها الإسرائيليون ثم تذكّروها الآن فجأة؟

تُحدّد الحكومة قائمة حروب إسرائيل وحملاتها العسكرية. واعتراف الحكومة يعني منح الحرب "يوماً تذكارياً رسمياً" كل عام، وتشييد النصب التذكارية لها، ومنح الميداليات لكافة من خدموا فيها، وإعداد قائمةٍ مُعتمدة من القتلى. وبحسب الرواية الإسرائيلية الرسمية، فإنّ حرب لبنان الأولى -التي كانت تُوصف حينها بعملية "سلامة الجليل"- اندلعت في السادس من يونيو/حزيران عام 1982 مع غزو الجيش الإسرائيلي لبنان وانتهت في الـ29 من سبتمبر/أيلول ذلك العام مع مغادرة القوات لبيروت.

لكن الجيش الإسرائيلي ظلّ في لبنان طيلة 18 عاماً أخرى لينسحب تدريجياً بحلول عام 1985 إلى "المنطقة الأمنية" بطول الحدود، حيث تمركّزت القوات المحتلة في سلسلةٍ من المواقع العسكرية حتى عام 2000. وربما كانت أكبر أسباب شعور المحاربين القدامى بالإحباط هي أنّهم لا يملكون اسماً لتلك الحرب التي خاضوها هم ورفاقهم الذين قتلوا أثناء القتال.

أسباب سياسية ونفسية

يقول روفين غال، كبير علماء النفس السابق بالجيش الإسرائيلي ومؤسّس دائرة العلوم السلوكي، إنّ وَلَدَيه خدما في وحدات المشاة بالجيش داخل المنطقة الأمنية حينها، لكنّه لم يسأل نفسه سوى مؤخراً عن سبب عدم "تخليد ذكرى الحرب" التي دامت 18 عاماً.

وأردف: "أعتقد أنّ أحد أهم أسباب ذلك يكمُن في أنّ إسرائيل لا تربط الفترات المُطوّلة من النزاع مُنخفض الحدة بالحروب. إذ ننظُر إلى الحروب بوصفها عمليات قصيرة تجري خلالها تعبئة كافة فرق الجيش وقواته الاحتياطية. ولا يتعلّق الأمر بالمصطلح العسكري فقط. بل هي آلية دفاع نفسي أيضاً، لأنّنا لا نرغب في الشعور بأنّنا نخوض حروباً أكثر". ونجد مثالاً آخر على الحروب الإسرائيلية المُطوّلة في حرب الاستنزاف ضد مصر بين عامَي 1967 و1970، والتي جرى الاعتراف بها عام 2003 فقط.

وتابع: "السبب الرئيسي الآخر هو أنّ حرب لبنان الأولى اندلعت عام 1982 بوصفها أول "حرب اختيار" إسرائيلية، لذا لم يكُن هناك إجماعٌ إسرائيلي عليها. واستمر غياب الإجماع طيلة فترة الـ18 عاماً. وليس هناك ميلٌ كبير لتخليد ذكرى شيء لا يدخل ضمن نطاق الإجماع الوطني".

وهناك "أسبابٌ أخرى لعدم رغبة الحكومة والقيادة العُليا للجيش والجمهور الأوسع في تخليد سنوات الحرب الـ18 داخل لبنان. فكيف ستتذكر حرباً تغيّر خلالها الخصم في منتصف الحرب مثلاً؟".

إذ اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 بغرضٍ معلن هو القضاء على ياسر عرفات وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت قد بنت دولةً داخل الدولة هناك واستخدمتها بوصفها منصة إطلاق للهجمات ضد الأهداف الإسرائيلية طيلة عقدٍ من الزمن. وفي غضون ثلاثة أشهر، كان غالبية أفراد منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات قد أُجبِروا على الخروج من لبنان إلى منفاهم في تونس، وتحقّق الهدف الرئيسي من الحملة. لكن الجيش الإسرائيلي يزعم أنه ظلّ في جنوب لبنان لقتال ما تبقى من القوات الفلسطينية، استناداً إلى فكرة إنشاء منطقة عازلة تمنعهم من إعادة تأسيس قواعدهم على مسافةٍ قريبة من البلدات الإسرائيلية في الجليل.

الحرب التي خسرتها إسرائيل أمام حزب الله وإيران

ولكن كافة الجماعات الفلسطينية في لبنان لم تعُد تُمثّل تهديداً لإسرائيل بحلول عام 1993، إذ كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد انتهت منذ أربع سنوات، كما وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية معاهدة سلام مع إسرائيل، ومع ذلك ظلت إسرائيل تحتل جنوب لبنان. 

وكان حزب الله قد حلّ محل الفلسطينيين بوصفه الخصم الرئيسي لإسرائيل داخل لبنان قبل ذلك بفترةٍ طويلة. فمنذ أواخر عام 1982 كانت الحزب الشيعي المجهول آنذاك تُمثّل تحدياً للجيش الإسرائيلي بعد أن أسّسها ضباط الحرس الثوري الإيراني الذين وصلوا إلى لبنان عقب الاجتياح الإسرائيلي. وتمثّل التحدّي في الهجمات الانتحارية أولاً، ثم الهجمات الأكثر تنظيماً على المواقع العسكرية ونصب الكمائن لدوريات الجيش بعد انسحابه إلى المنطقة الأمنية عام 1985.

ولم يرغب أحدٌ في الاعتراف بأنّ الرواية الخاصة بحملة إسرائيل داخل لبنان قد تغيّرت من إخراج منظمة التحرير الفلسطينية إلى قتال حزب الله ومن معه من اللبنانيين المحليين الذين لن يبرحوا أراضيهم. وفي حين كانت منظمة التحرير الفلسطينية تُطلِق الصواريخ على الإسرائيليين من لبنان، لم يهاجم حزب الله آنذاك الإسرائيليين في الداخل على الإطلاق. إذ كانت جهودهم بالكامل مُوجّهة ضد قوات الجيش الدفاع على أراضيهم. وهذا يعني أنّ انسحاب إسرائيل من لبنان بنهاية المطاف كان يُنظر إليه داخل المنطقة على أنّه انتصارٌ لحزب الله وإيران. وربما لهذا السبب كانت إسرائيل مُتردّدةً في تخليد ذكرى الحرب التي لا اسم لها – ألا يعني فوز حزب الله بالحرب أنّ إسرائيل قد خسرتها؟

وتُصِرُّ بروريا شارون مُؤسِّسة "الأمهات الأربع Four Mothers" الحركة الاحتجاجية التي أدّت دوراً رئيسياً في قلب الرأي العام ضد وجود الجيش الإسرائيلي في لبنان أواخر التسعينيات، على وصف سحب القوات الإسرائيلية من المنطقة الأمنية بأنّه خروج وليس انسحاباً. وأوضحت خلال مقابلةٍ أجرتها: "الانسحاب هو فرار، أو هزيمة في المعركة. ونحن لم نُهزم، لقد غادرنا لبنان لأنّنا اتّخذنا القرار الصحيح الذي يجب اتّخاذه"، حسب تعبيرها.

الانسحابات من لبنان وغزة تحولت إلى لعنة على الإسرائيليين

وفي إسرائيل التي هيّمن عليها حزب الليكود وبنيامين نتنياهو طيلة الـ11 عاماً الماضية، ليس من المُفاجئ عدم تخليد ذكرى حرب لبنان ونهايتها التي حلت ذكراها الـ20 في الأسبوع الجاري. إذ اكتسبت الانسحابات من لبنان عام 2000 ومن غزة عام 2005، سمعةً سيئة. كما ثبّت حزب الله المُنتصر أقدامه بوصفه القوة المُهيمنة في لبنان، مع ترسانةٍ من 100 ألف صاروخ مُوجّهة إلى إسرائيل. وفي أعقاب "فكّ الارتباط"، سيطرت حماس على غزة بنتائج مُماثلة. وباتت فكرة انتصارهم تُمثّل لعنةً داخل إسرائيل في عهد نتنياهو.

وربما كانت الذكرى الـ20 لنهاية الحرب التي لا اسم لها ستظل منسيةً لولا كوفيد-19. وحاييم هار-زهاف مقتنعٌ بأنّ كتابه حظي بقبولٍ واسع، مما أدّى إلى زيادةٍ سريعة في أعداد "المحاربين القدامى" بلبنان على مجموعة فيسبوك؛ لأنّ "إغلاق المُدن بسبب فيروس كورونا منح الناس إجازةً مُفاجِئة من العمل للجلوس في المنزل، والتفكير، والكتابة". فضلاً عن أنّ الجنود الذين قاتلوا في المواقع العسكرية بالمنطقة الأمنية خلال تلك السنوات الأخيرة باتوا في الأربعينيات من عمرهم الآن، وهي فترةٌ محورية للمتقاعدين من الوحدات القتالية في الجيش الإسرائيلي. إذ يجري خلال هذه الفترة العمرية تسريحهم من وحداتهم الاحتياطية. ولن يجري استدعاؤهم مرةً أو مرتين سنوياً -من أجل التدريب أو العمليات- بعد الآن.

وأردف هار-زهاف: "لقد انتهت أيام مجدك وأن تحمل بندقية إم-16 على كتفك. وحان الوقت لإعادة التفكير في الأشياء التي فعلتها هناك. لم تعُد رامبو بعد الآن. وهذه ليست محاسبةً سياسية. إذ كانت حكومات الليكود والعمل ضد مغادرة لبنان. وصحيحٌ أنّ حكومة الليكود هي من أدخلتنا لبنان أول الأمر، لكن المنطقة الأمنية كانت فكرة إسحق رابين وشمعون بيريز. والسبب الذي يدفعنا إلى التفكير والحديث عن الأمر الآن هو رغبتنا في إضفاء معنى على الأشياء التي مررنا بها. إذ عجزت الحكومة والجيش عن إضفاء معنى على الحرب منذ انسحابنا قبل 20 عاماً؛ لأنّ الانسحاب أثبت أنّنا لم نكُن بحاجةٍ إلى التواجد هناك لمدة 18 عاماً. لذا نُحاول الآن ضمان أن نتذكّر الحرب، حتى لا تضيع ذكرى أصدقائنا الذين قتلوا هناك هباءً. والأهم من ذلك، هو أنّنا نضمن تذكُّر الوقت الذي قضيناه داخل لبنان، حتى يُراجع صُنّاع القرار أنفسهم مرتين قبل اتّخاذ قرارٍ مُماثل في المرة المُقبلة"، حسب وصفه.