ثروة الغنوشي تحت مجهر التونسيين.. من أين لك هذا؟

16:33

2020-05-16

دبي - الشروق العربي - أسطول سيارات فاخرة، وحرس شخصي، وعقارات في مناطق سياحية راقية بتونس وأراضٍ زراعية شاسعة في كل مكان.. ثروة فاحشة يمتلكها زعيم الإخوان في تونس راشد الغنوشي، ولا يدري أحد من أين لرجل لم يمارس بحياته أي نشاط اقتصادي كل هذا البذخ؟

استفهامات عديدة تحوم حول "العلاقة المحرمة"، كما يصفها مراقبون، بين الغنوشي الذي سيحتفل بعد أيام قليلة بعيد ميلاده الـ79، وبين الثروة الطائلة التي جمعها في سنوات قليلة منذ عودته إلى تونس في 2011.

أسئلة راكمتها السنوات، غير أنها لازمت النفوس عاجزة عن التجلي بسبب "الهالة القدسية" التي يرسمها إخوان تونس لزعيمهم، وبتماهي الحركة الإخوانية ضمن منظومة الحكم، تسربت تلك الهالة لتدخل الغنوشي ضمن منطقة محرمة، وتحيطه بخطوط حمراء تجعله فوق النقد أو الاتهام.

لكن عريضة إلكترونية أطلقها مؤخرا ناشط تونسي، كسرت "المحرمات"، وطالبت بالتدقيق في ثروة الغنوشي، وتشكيل ﻟﺠﻨﺔ مستقلة للكشف عن مصدر أمواله الطائلة، وعن جميع الثروات المشبوهة لقيادات أخرى بالحركة وبغيرها من أحزاب البلاد والفاعلين فيها.

أخطبوط الدين والمال والسياسة

أنيس المنصوري، ناشط تونسي مقيم بفرنسا، واحد من الذين استوقفهم الثراء الفاحش البادي على حياة زعيم الإخوان، إما من خلال الصور والفيديوهات المتداولة للأخير خلال اجتماعات يعقدها أحيانا في منزله، أو من خلال شهادات لقيادات سابقة مستقيلة من الحركة، ممن تحدثت عن تفاصيل صادمة عن ثروة الرجل.

ثروة طائلة تطرقت إليها أيضا تقارير إعلامية، وإن بشكل غير مفصل نظرا لشح التفاصيل الدقيقة، ولعدم توفر رقم دقيق بشأن ثروة رجل لم يعرف له يوما أي نشاط اقتصادي، سواء زمن المنفى في بريطانيا أو منذ عودته إلى تونس، وركوبه على احتجاجات 2011 للوصول إلى السلطة.

وفي حديث مع "العين الإخبارية"، قال المنصوري إن "المبادرة مستقلة عن جميع الأحزاب والمنظمات وحتى النقابات"، موضحا أنها "مبادرة للمواطنين التونسيين ممن يدفعهم الحس الوطني للقيام بهذه المبادرة ولهم غايات وأهداف وطنية بحتة".

وحول الأسباب الكامنة وراء مبادرته، أوضح المنصوري أن أبرزها الشهادات الحية لقيادات سابقة بحركة النهضة، والتي تقاطعت عند الحديث عن ثروة الغنوشي الطائلة، والفساد داخل الحركة، وثروات بناته وابنه وأصهاره والمقربين منه".

وتابع: "هناك أخطبوط تشكل لا يخلط فقط بين الدين والسياسة، وإنما بين الدين والمال والسياسة، وهذا ما أكدته تقارير إعلامية قدرت بدورها، نقلا عن مصادر مختلفة، أن ثروة الغنوشي بمليار دولار، فيما تحدث آخرون عن 8 مليار دولار أي ما يعادل تقريبا خمس الموازنة العامة لتونس".

ولفت إلى أن "جميع التونسيين يعلمون أن الغنوشي حين عاد إلى تونس قبل 9 سنوات، لم يكن يملك كل هذا الثراء الفاحش، ولم يشتغل قط، إذ لا يعرف له أي نشاط اقتصادي أو تجاري، ولذلك، فمن المنطقي ومن المشروع أن نتساءل عن مصدر ثروته والمقربين منه".

لتسقط "القدسية" الكاذبة

 وبشأن تأخر ظهور مثل هذه المبادرات، قال المنصوري إن الغنوشي أصبح يشبه للخط الأحمر المقدس الذي يجعله فوق النقد، ويحظر على أي شخص أو جهة توجيه أسئلة له".

وشدد على أن العريضة تهدف لكسر الخوف والرهبة والقدسية المزعومة التي يرسمها إخوان تونس لزعيمهم، و"تدعو إلى التعامل معه كأي مواطن تونسي ينبغي أن يكون تحت طائلة المساءلة القانونية في حال المخالفة، وهذا هو الشكل الذي تدعو العريضة لاتخاذه معه".

من أين لك هذا؟

حتى مساء الجمعة، وقع على العريضة نحو 5 آلاف تونسي، بينهم ممثلون وفنانون، تحت شعار "حان وقت التغيير"، وذلك بعد 5 أيام فقط على إطلاقها.

ومن أجل تدقيق قانوني في ثروة الغنوشي، وغيرها من الثروات المشبوهة، طالبت العريضة بتشكيل لجنة مستقلة تضم أكبر نقابة عمالية في البلاد (الاتحاد العام التونسي للشغل)، ونقابة أرباب العمل، ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة التونسية لمكافحة الفساد، والبنك المركزي وغيرهم.

وبحسب المنصوري، فإن المبادرة بعيدة كل البعد عن السياسة والأيديولوجيا، مضيفا: "ندعو فقط إلى الشفافية المالية بالأوساط السياسية والحكومية، اذ من غير المعقول أن يدخل شخص إلى السياسة فيتحول بمجرد حصوله على مناصب حكومية أو حزبية إلى صاحب ثروة طائلة".

مبادرة تلاقي زخما في تونس، وتضيق من الخناق على زعيم الإخوان المحاصر بالشبهات وتحركاته المريبة في الملف الليبي، ما يفسر الحرب العنيفة التي تشنها الميليشيات الالكترونية لحركة النهضة، أو ما يطلق عليه في تونس "الذباب الأزرق"، للدفاع باستماتة وتفنيد وتمييع جميع ما يكتب ويقال حول الثروات الفاحشة للغنوشي وعائلته بشكل خاص.

لكن الطريف في الأمر، هو أن بعض الصفحات الممولة التابعة للنهضة عبر "فيسبوك" زعمت أن ثروة الغنوشي متأتية من بيع كتبه، ما فجر سخرية عارمة بمواقع التواصل.

حصة الإخوان وتمويلات أجنبية

الناشط التونسي مراد النوري، وهو نجل القيادي السابق في حركة النهضة محمد النوري، كشف في تدوينة عبر "فيسبوك"، أن الغنوشي هو من يتولى الحصة التونسية من التنظيم العالمي للإخوان، وهو من يتصرف فيها.

وأوضح النوري أن الأموال الطائلة تتأتى من مساهمات أرباح شركات التنظيم في مختلف أنحاء العالم، وتمنح للغنوشي من أجل توزيعها على أبناء فرع الإخوان بتونس.

 

فيما تشير مصادر من النهضة أن الغنوشي يستأثر بتلك الأموال الطائلة لنفسه ولعائلته والمقربين منه، فيما لا يحصل بقية إخوان البلاد إلا على الفتات، حيث يستفيد الغنوشي من عدم خضوعه للمحاسبة حول كيفية توزيع أموال حصة التنظيم الإرهابي بتونس.

ومما يؤكد التكهنات أن الحركة الإخوانية لم تعرض خلال مؤتمرها العاشر المنعقد في 2016، تقريرها المالي، ما يعزز الشكوك القائمة حول الموضوع، بل جعله موضع خلاف بين الغنوشي وعدد من قيادات الحركة، وفق مصادر مطلعة.

مصدر آخر، ييحصل منه الغنوشي وعائلته على الأموال، وهي الجمعيات القرآنية والشركات الناشطة بمجالات مختلفة، بواجهة أسماء لأشخاص غير مقربين من زعيم الإخوان، لكن من دائرته الضيقة، إبعادا للشبهات.

ويحصل الغنوشي على مبالغ ضخمة، خصوصا من قطر وتركيا، في شكل تمويلات لجمعيات تنشط تحت ستار تعليم القرآن، والمبادرات الخيرية.

معطيات مريبة وكواليس صادمة لزعيم إخواني تحول فجأة من رجل عادي إلى فاحش الثراء، وهذا ما يفسر الاتهامات التي وجهها أمين سر الحركة الإخوانية السابق، زبير الشهودي، في سبتمبر/ أيلول الماضي، لعائلة الغنوشي التي وصفها بـ"الفئة الفاسدة والمفسدة"، داعيا الأخير إلى ضرورة الاستقالة والابتعاد عن العمل السياسي.