الداء والدواء... غياب الفلسفة

09:55

2020-05-16

عبد الرحمن شلقم

دبي - الشروق العربي - أطول رحلة هي تلك التي سافرها الإنسان في ذاته. منذ اكتمل عقله، طافَ الإنسان في دخائله مفكراً ومحللاً بطرق شتى. الأديان السماوية جميعها استهدفت كل التكوين الذاتي الفردي والجماعي لبني البشر. قيادة هذا الكائن المتفوق على من سواه بقوة العقل نحو أفق متوازن في الحياة الدنيا، كان للفلسفة فيها ومضات الضوء على الطريق الإنسانية الممتدة في العصور. معادلة العقل والعضل كانت وستبقى الحلقة الحساسة والخطيرة في إنتاج مسارات العلاقات بين الناس في مضمار الحياة؛ لكن النعمة والنقمة بقيتا كامنتين في أعماق النفس البشرية.
في هذا الزمان الذي نعيش فيه، تتزاحم الأشياء وتتدافع بلا توقف. العقل يبدع العلوم، ويخترع كل لحظة الجديد في كل المجالات. شهادات البراءة العلمية تترعرع في كل بقاع الأرض، من الصين إلى أوروبا وأميركا وأفريقيا، وتُنقل في سرعة متفاوتة إلى المعامل والمختبرات والمصانع؛ لكن المفارقة التي تستحق أن نقف عندها هي تراجع مد الفلسفة في هذه الأصقاع، شرقها وغربها. الفلاسفة على تنوع مناهجهم واختلاف أفكارهم، يجتمعون في حلقة واحدة منذ القدم، وهي الطواف الفكري في رحاب الإنسان وحركته وتفاعله مع ذاته والآخرين، وما يفعله فوق الأرض؛ بل وتحتها.
حزم القيم المتجددة عبر العصور تتوارث وتستحدث حسب الحالات السياسية والاقتصادية، وكذلك الاجتماعية. الأخلاق والخير والشر والعدالة والسياسة أنتجت مدارس فلسفية منذ أفلاطون، وتدفقت بكل اللغات منذ القدم.
من عصر النهضة، ثم التنوير، إلى الثورة الصناعية، كان الفكر رفيقاً للاختراع؛ بل سابقاً له.
السؤال الذي نطرحه اليوم: هل تراجعت الفلسفة أو غابت، بينما استولت التقنية واقتصادها على كل شيء، بما في ذلك العقول؟ تعولمت التقنية، وصار العالم مصنعاً ومتجراً ومساحات مفتوحة للبنوك وشركات الطيران وتجارة الأسلحة، وتسابقت وسائل الدعاية والإعلان لترويج المنتجات من كل الأنواع ومختلف البلدان. صارت السينما، الصورة والصوت والحركة، التي تقدم نماذج من أنماط بشرية منتقاة؛ بل مصنعة، تزخر بالعنف والصدام والتسلية. مع تغول وسائل الإعلام المرئي والتواصل التقني، تراجع حضور الكِتاب والصحف الورقية، وصارت العين والأذن هما الطريق إلى العقل الذي أصبح مصنوعاً مثل بقية البضائع.
الغائب الأكبر في يومنا هذا هو الفلسفة بمعناها الشامل، وحتى القليل الذي رشح منها اتخذ منحى سياسياً له طابع انتقائي، لا يقدح العقول بزناد إنساني سامٍ، والغوص في تعقيدات الحياة وتحليلها، واجتراح أفكار تشعل أضواء في معترك تتصارع فيه نزوات الهيمنة المالية وتيارات الأطماع العابرة للمساحات.
لقد نجح الفيلسوف البريطاني برتراند راسل في أن يكون الصوت الفلسفي الذي يطلق صرخة العقل الكبير، التي تتضمن ومضات فكرية حية في وقت احتدم فيه الصراع بين الشرق والغرب، وعاش العالم سنوات على حافة هاوية الحرب النووية. نجح برتراند راسل في القرن العشرين في أن يوصل صوته إلى الناس، ليس النخب فقط. كان مكتبة شاملة، أصدر عشرات الكتب التي عبرت الإنسان في عصوره المختلفة فلسفياً وعلمياً وسياسياً، فهو رجل المنطق والرياضيات والناشط السياسي.
كتابه الذي تضمن حواراً معه، ونُشر تحت عنوان «العالم كما أراه»، قدم فيه رؤية شاملة لمجمل القضايا التي تشغل الإنسان المعاصر، فقد عاش الحروب الساخنة والباردة، بالسلاح والآيديولوجيا بين الشرق والغرب، الشيوعي والرأسمالي، والإنسان الجديد الذي تخلَّق بالتعليم، وغاص في دنيا ثقافة السوق. زار الاتحاد السوفياتي، وقابل لينين، فقد رأى في الشيوعية أطروحة إنسانية سياسية واقتصادية يمكن أن تقدم إضافة تفتح عصراً للتطور والعدل الاجتماعي والسلام؛ لكنه عندما زار موسكو كانت صدمته الكبيرة. غياب كامل للحرية، وهيمنة الفكر الواحد المفروض بقوة على عامة الناس.
قرأ في أعماله محركات الحروب والاستعمار والعنصرية. حلل العلاقات بين الإنسان والإنسان كأفراد وجماعات، ودور التعليم في تحريك نوازع الحروب والعنف، السلطة ودوافعها وكوابحها، وكذلك قضية التسامح التي شغلت كل المفكرين.
توقف برتراند راسل عند الحالة الهولندية؛ حيث رحل عديد من المفكرين الذين طالتهم عقلية التجريم والعقاب إلى أمستردام، في القرن السابع عشر.
ومن القضايا التي لم تغب عن فكره ونشاطه السياسي، السلاح النووي الذي ظلَّ يحاربه بلا هوادة، ونظَّم محاكمة للرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون على حربه في فيتنام، واعتبرها امتداداً لمحكمة نورمبرغ للنازيين، وتعرض لحملة هجوم واسعة في أميركا.
من الأمور التي تستحق أن نزور فيها اليوم برتراند راسل وفلسفته، علاقة البشر بالطبيعة التي خافوها يوماً وعبدوها، ثم استعبدوها بالعلم وسخروها لإرادتهم. وعندما سئل عن رسالته للبشر، أجاب بأنكم تمتلكون اليوم بين أيديكم قدرات هائلة لم تكن لمن سبقكم، إما أن تسخِّروا هذه القدرات لتكونوا جميعاً سعداء أو جميعاً تعساء. التعليم يمكن أن يكون الطريق للسعادة، عندما يعي الجميع أن الظلم والاضطهاد لا بد من أن يتحالف الجميع ضدهما.
نسترجع أفكار راسل ورؤيته، والعالم كله، غنيه وفقيره، الضعيف فيه والقوي، يواجه داء غير مسبوق، هو وباء «كورونا»، وكلٌّ يضرب بعصاه لدفع فيروس القتل الرهيب. لقد تغير الكثير على هذه الأرض في الناس والسلوك والأشياء. تعولم كل شيء، والغائب الأكبر هو مشعل العقل، الفلسفة التي تنبعث من قامات وهبت قدراتها وحياتها للرحلة في كون الإنسان، لتقويم الخلل الذي يشكل الطفح على تفاصيل معترك الحياة. هذه الجائحة التي يصعب على الجميع قراءة تداعياتها، تستحق أن يرتفع صوت عقل الإنسان المضيء داعياً إلى مراجعة محطات كثيرة في تفاعلات ونشاطات الإنسان اليوم على هذه الأرض التي لوثها، وأفسد مناخها، وكدس السلاح القادر على إنهاء كيانها، لعل الفلسفة تبدع الدواء، وذاك ما حاوله برتراند راسل.