حركة التهريب بين لبنان وسوريا تجاوزت 20 مليار دولار

15:07

2020-05-15

دبي - الشروق العربي - تتراكم ملفات الفساد في لبنان لتصبح أكثر من أن يصدّقها عقل، وعلى رأسها قضية التهريب على الحدود اللبنانية السورية.

وتشير التقديرات إلى أن قيمة البضائع المهربة إلى سوريا تتجاوز 20 مليار دولار خلال خمس سنوات، حيث يدعم مصرف لبنان المركزي استيراد الطحين والمازوت والأدوية بنسبة 85 في المئة على السعر الرسمي لصرف الدولار 1507، ما يعني أن أي تهريب لهذه المواد خارج الحدود سيؤدي إلى استنزاف القدرة المالية للمصرف المتعثّر أصلاً ويستنزف قدرة الدولة على توفير السلع الأساسية للسوق المحلية.

وخلال السنوات الماضية، أعلنت السلطات اللبنانية أكثر من مرة عن نيتها إقفال 136 معبراً غير شرعي مقابل 5 معابر شرعية على الحدود اللبنانية السورية، ولكن من دون جدوى، إذ بقيت هذه المعابر "المعروفة" والتي تعبرها قوافل الشاحنات يومياً من دون حسيب أو رقيب.

 وتشير معلومات إلى أن معظم تلك المعابر يقع في مناطق نفوذ "حزب الله"، سواء من الناحية اللبنانية أو السورية، بخاصة منطقة القصير التي باتت بفعل سيطرة الحزب امتداداً جغرافياً لـ"بعلبك- الهرمل"، لدرجة أن مئات المواطنين اللبنانيين باتوا ينتقلون يومياً لشراء احتياجاتهم والاستفادة من فارق الأسعار.

ضبط التهريب مقابل التعاون مع النظام!

وعن فضائح التهريب إلى سوريا، علّق أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، بالقول إن "لبنان لا يستطيع وحده معالجة هذا الملف، وفي كل دول العالم يتم هذا الأمر بالتعاون بين الدولتين والجيشين على طرفي الحدود".

في المقابل، يشدّد الصحافي اللبناني فيصل عبد الساتر، المقرّب من الحزب في حديث لـ"اندبندنت عربية" على أن محاولة إلصاق تهمة حماية المهربين به، تستهدف تشويه صورة "المقاومة" المدافعة عن لبنان.

ويوضح أن الحزب بحكم وجوده على الحدود أجهض الكثير من عمليات التهريب ويسعى إلى التعاون مع الجيش اللبناني لضبط الحدود، إلا أن التضاريس الوعرة تشكّل صعوبة في ضبطها، لذلك طالب نصر الله بالتعاون مع الحكومة السورية".

ويرى عبد الساتر أن بعض الجهات اللبنانية يحاول تحريك هذا الملف من أجل "تدويل" الحدود الشرقية للبنان وتوسيع القرار 1701 الذي تنتشر بموجبه قوات حفظ السلام الدولية، مؤكداً أنها "محاولة خبيثة من بعض الأحزاب لنشر قوات حفظ السلام الدولية على الحدود السورية، وكأننا بين دولتين عدوتين".

وتعليقاً على كلام نصر الله باشتراط ضبط المعابر غير الشرعية بالتعاون مع النظام السوري، علّق النائب بلال عبد الله بأن "الرسالة وصلت وتتضمن عدم ضبط المعابر غير الشرعية والمتفلتة، والتي تستنزف اقتصادنا وعملتنا وإنتاجنا الصناعي والزراعي من دون التطبيع مع النظام في سوريا".

حزب القوات يتقدم بإخبار للقضاء

وفي السياق ذاته، أكد رئيس جهاز التنشئة السياسية في حزب القوات اللبنانية، المحامي شربل عيد، أنه حتى الساعة لا يوجد أي قرار سياسي حقيقي بإقفال المعابر غير الشرعية، معلناً أنه سيتقدم بإخبار أمام النيابة العامة المالية يتضمّن أسماء المهربين وخريطة لمواقع التهريب، موضحاً أن حزبه سيخوض معركة شرسة في مجلس النواب لمواكبة هذا الملف قضائياً وتشريعياً.

ويرى عيد، أن إعلان وزير الدفاع السابق إلياس بو صعب، الحليف لحزب الله، أنه تم إقفال المعابر غير الشرعية على طول الحدود اللبنانية السورية وأنه "لم يتبقَ منها سوى ما بين 8 و10 معابر"، لم يكن موفقاً، بخاصة أن القوات البريطانية قدّمت عدداً من الأبراج لمراقبة الحدود وعرضت المساعدة.

وأشار إلى معلومات تؤكد سيطرة حزب الله على هذه المعابر، عبارة عن طرقات واسعة، أغرقت السوق اللبنانية بالبضائع والمزروعات المهربة، التي تباع بأسعار أرخص، ما يؤثر على الاقتصاد الوطني.

وكشف عيد أن التقديرات تشير إلى خسارة الخزينة اللبنانية نحو مليار و77 مليون دولار منذ عام 2017 نتيجة تهريب المازوت وحده، ناهيك ببضائع كثيرة أخرى لا سيما تلك التي يتحمّل مصرف لبنان دعم فارق سعر صرف الدولار.

الفضيحة "ترهب" النقيب

وحول فضيحة تهريب المازوت، ثمة معلومات أن أكثر من مليوني ليتر يهرّب يومياً إلى سوريا، ما يؤدي إلى شحّ هذه المواد على الأراضي اللبنانية وحرمان المواطنين من هذا المورد الأساسي، وبعملية حسابية بسيطة تبيّن سبب قيام التجار بهذه العملية، حيث إن سعر صفيحة المازوت في لبنان يبلغ نحو 3.3 دولار (5 آلاف ليرة) في وقت يبلغ سعر الصفيحة في سوريا نحو 18 دولاراً (12600 ليرة)، وهنا تحديداً تكمن عملية مراكمة ملايين الدولارات.

ولدى تواصلنا مع نقيب أصحاب محطات المحروقات، سامي البراكس، تجنّب الغوص بتفاصيل هذا الملف الذي وصفه بـ"الخطير" والحسّاس وأنه لا يريد التسبّب بأزمة من خلال إثارته، مكتفياً بالقول إن السوق اللبنانية تعاني نقصاً حاداً بمادة المازوت بسبب التهريب مع سوريا، مشيراً إلى وجود عصابات تدير هذا الملف، مستغرباً كيف خُفضت كمية المازوت المُسلَّمة للمحطات من 3000 ألف ليتر إلى 2500.

تهريب الطحين وتزوير علامات تجارية

في المقابل، كشفت معلومات أن أطناناً من الطحين تُنقل إلى الداخل السوري، بسبب الأزمة في الطحين هناك، حيث يبلغ سعر الطن المدعوم من الدولة اللبنانية 150 دولاراً (225000 ليرة)، أما في سوريا فيبلغ نحو 320 دولاراً (224000 ليرة)، ما يُسبّب المزيد من استنزاف العملات الصعبة الشحيحة أصلاً في لبنان.

وعلّق تجمع المطاحن في لبنان، في بيان، بأن "المطاحن تسعى بكل ما لديها من قدرة إلى ضبط التجار الذين تعتمدهم في هذه العملية لعدم تهريب أي كمية إلى الخارج، حرصاً منها على المال العام، وبالتالي على تأمين الطحين إلى جميع الأفران لصناعة الخبز والاستعمال المنزلي في البلدات اللبنانية كافة".

وبرزت أيضاً فضيحة أخرى، حيث تعمل مطابع تزوير العلامات التجارية الشهيرة في تركيا، على تلبية طلبيات واردة من لبنان، حيث تنشط تجارة تزوير جديدة في البقاع، تقوم على تعبئة مواد مغشوشة في أكياس وعبوات المواد التنظيفية، ذات العلامات التجارية المعروفة، خصوصاً مساحيق غسيل الثياب وعبوات صابون الجلي، من تركيا عبر الحدود البرية السورية- اللبنانية غير الشرعية، لملئها بمساحيق مغشوشة أو بمياه مخلوطة بالصابون.

المعابر معروفة

وأشارت مصادر أمنية مرتبطة بحركة العبور بين البلدين إلى أنه بالرغم من قرار السلطات اللبنانية بإقفال التامّ للحدود البرية ضمن إجراءات مكافحة فيروس كورونا، فإن حركة نشطة للمعابر غير الشرعية رُصدت، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية اللبنانية تعرف بوجود جميع هذه المعابر إلا أن هناك مظلات سياسية تقيّد عمل الجهات الأمنية. وعدّد المصدر أبرز المعابر، وهي: العويشات، وحنيدر، وهيت، والحج عيسى، والبويت، والكنسية، والمراني، وحوش السيد علي، والقصر، وحرف السماقة، ومراح الشعب، والمشرفة، والطفيل.

شرطان للصندوق الدولي؟

وفي سياق فضيحة التهريب المثبتة بالوقائع والصور والأفلام وشهود العيان، تشير مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن لبنان أبلغ رسمياً خلال مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي أنه لا يمكن للصندوق تقديم أي مساعدة للبلد قبل اتخاذ إجراءات صارمة تجاه المزاريب التي تستنزف المالية العامة للدولة اللبنانية، وعلى رأسها قضية التهريب على الحدود اللبنانية السورية، وملف الكهرباء الذي يشكل نحو 40 في المئة من الدين العام للبلاد.

وأكدت المصادر أن خلفية الصندوق تجاه هذين الشرطين هي تقنية بحتة، وليس لها أي بعد أو هدف سياسي، معتبرة "أنه لا يتدخل بالصراعات السياسية الداخلية، إنما لا يقدّم دعماً من دون إجراءات تمنع استخدام هذه الأموال في غير سياقها الإصلاحي والهادف لاستعادة الاقتصاد توازنه وتعافيه التدريجي".

ومما يزيد المشهد صعوبة البيان الصادر عن "مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان"، التي تضمّ الأمم المتحدة وحكومات الصين وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا الاتحادية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، والإتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، إذ طرحت شرطاً هو بمثابة رسالة سياسية موجهة الى السلطات الحاكمة في لبنان، داعية الحكومة إلى "إشراك جميع المعنيين في المشاورات حول مضمون الخطّة"، وكذلك "تنفيذ القرارات 1701 و1680 و1559". وتنفيذ هذه القرارات يعني ترسيم الحدود مع سوريا وهو ما يمتنع عنه النظام السوري حتى اليوم، وكذلك ينص القرار 1559 على تجريد "حزب الله" من سلاحه، وهي مسألة شائكة في الوقت الحاضر، ومجرد طرح هذا القرار سيكون له ارتدادات سيئة في لبنان.