عندما "يبشرنا" وضاح خنفر بمستقبل تركي

01:00

2020-05-14

عدلي صادق

دبي - الشروق العربي - كثيرة هي التعليلات والنبوءات التي سُمعت من جانب الأصوليين في كل ديانة، كلما اجتهدوا وتعرقوا لكي يفسروا “حكمة الله في إرسال جائحة كورونا”. ففي كل سياق كهذا، كان الأصوليون يضعون أحكامهم القطعية، وتنبؤاتهم بالغيب، ويزعمون جميعاً وعلى اختلاف دياناتهم، أن الخالق جل جلاله، قد اختصهم بجائحة تصيب سواهم ولا تقترب منهم، وإن اقتربت لا يكترثون لفعلها، لأن المهم عندهم، أن يشتقوا منها قناعاتهم بما سيحدث في العقود أو القرون الآتية.

وإن كانت تعليلات البسطاء لظهور الفايروس، تندرج في خانة الدروشة أو الخواطر الإيمانية، التي توفر نوعاً من الإشباع النفسي البديل، الذي يساعد على التكيف مع الابتلاء؛ فإن مقاصد الأصوليات السياسية تختلف عندما تُعلل وتتنبأ.

فالأصولية السياسية اليهودية في قالبها الديني – الصهيوني، عرفت ماذا تريد وحددت أهداف دولتها، واستحوذت هذه الدولة على كل ممكنات القوة، باعتبارها جزءاً من نسيج حضارة الغرب الليبرالي، السياسية والاقتصادية والعلمية. فقد استندت هذه الأصولية، إلى الغرب، لكي تلبي طموحات مشروعها الأصولي المُغرق في الظلامية والهرطقة. أما الناطقون باسم الأصولية السياسية الإسلامية، فإنهم – كما يبدو – اختاروا العكس، وهو تحميل بغل أصوليتهم أكثر مما يحتمل، والرهان عليه لكي يُنتج حضارة يقوم عليها الدور السياسي الإقليمي لجماعاتهم وأحزابهم. وسيكون هذا بالطبع، من خلال إشعال حرائق النزاعات الأهلية المفتوحة، التي يتوهم القائمون على الأصولية الإسلامية السياسية، أنها الطريق إلى تحقيق أهدافهم.

هذا هو بالضبط، معنى ما تحدّث به وضاح خنفر، في محاضرة ألقاها عبر منصة إعلامية، ونقلت وكالة “الأناضول” التركية ملخصاً لها. فالرجل، يحمل وجهة النظر “الإخوانية” وله “منتدى الشرق” في إسطنبول، ووجد من الصواب أن يراهن على جائحتين، لكي تنعقد الغلبة للدولة التركية في الإقليم: الأولى أن تحقق كورونا نصراً ساحقاً ومديداً على العالم كله، باستثناء تركيا الأردوغانية، التي ستؤول إليها الاستفادة من الوباء، وأن يجوع الناس في العالم العربي، وينتفضون على أنظمتهم ويتذابحون معها!

لكي لا نُطلق الأوصاف جزافاً، نوضح أنّ من يهرطق هو الذي يخترع فرضيات معرفية، لا تقوم على منطق أو على قرائن دلالية، فيذهب إلى بعيد في نوع من النقاشات الاستهلاكية التي تلبي غرضها اللحظي لدى من تروق لهم، لكنها لا تعكس قيمة معرفية يمكن القياس عليها.

فكأن وضاح خنفر، أراد توظيف حقيقة ارتفاع معدلات الوفيات في معظم الدول الصناعية، لكي يؤسس على معطياتها هزيمة مؤكدة لهذه الدول، تستفيد منها تركيا والصين دون سواهما، على اعتبار أن النتائج الكلية للجائحة، سوف تُعيد ترتيب موازين القوى في العالم. فتركيا تستفيد، ببركة الرئيس رجب طيب أردوغان وخططه “الباهرة”، أما الصين فإن فوزها سيكون بشفاعة أنها البلد المنشأ، الذي أنتج الفايروس الكريم.

ولو أجرينا مقارنة أو مقاربة، بين ما يطرحه خنفر، في “منتدى” يُفترض أنه ثقافي، وما يصدر بلسان خطيب من فوق منبر الجمعة، في قرية بائسة حُرم أهلها من التعليم الجيد؛ لن نجد فرقاً إلا على مستوى الصياغة. فالأول يُسهب في عرض رؤيته في صيغة توقعات أو تحليلات اجتماعية – اقتصادية، لكي يصرّح بما يتمناه، بينما الثاني يعرض موقفه في صيغة أدعية مع الحمد والشكر الله سبحانه الذي أذاق “الكافرين والمستكبرين” بلاء الفايروس!

يقول خنفر، حسب ما نقلت عنه وكالة “الأناضول” إن تركيا- كدولة- “تتصرف من منطلق مصلحتها الاستراتيجية بما يجعلها تستفيد من الأزمة العالمية الحالية”. وبدا في هذا القول الساذج، كمن يقول إن مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد، بمعنى ضمني أن تركيا تقف على الحياد، في الصراع بين الجائحة وضحاياها، فإن مات الضحايا استفادت وانتصرت، وإن غلبوها خرجوا منهكين، لتصبح تركيا هي القوية والمهيمنة على إقليمها. فأردوغان نفسه، صرح بزهو قبل أيام، أن أعداءه في الخليج، فقدوا عقولهم بتأثير انتصاره في سوريا، ما يعني ضمنياً أن الروس يجرون أذيال الهزيمة، ويجرون أحزانهم لأن بشار الأسد بات في قفص أردوغان. هنا نكون بصدد واحدة من تجليات الغيبوبة.

لم يقل لنا خنفر، كيف تتصرف الدول الأخرى، إن كانت تركيا هي التي تستفيد- حسب قوله- كدولة من الجائحة. ليته يقول، لكي نعلم، إن كانت دول العالم غائبة أم حاضرة عن فهم مصالحها، أم إنها وقد حكم عليها “مفكر الجماعة” بالهزيمة لم تسع إلى الاستفادة. أيضاً لم يقل كيف ستكون هذه الاستفادة الإعجازية المقررة لتركيا، وما هي آلياتها. ثم إن الرجل، وعلى الرغم من كونه فلسطينياً في الأصل، لم يقل لنا شيئاً عن إسرائيل، وما إذا كانت من الفريق الخاسر أم الرابح، وما هو دور تركياً في الحالتين، وما هو مشروعها طالما أننا في موقع التنبؤات والمقاربات.

من خلال العرض الخنفري، لم يلُحْ في الأفق سوى طرفين منتصرين بعد زوال الكورونا: الصين وتركيا.

ولكي يقدم إشباعاً نفسياً بديلاً للطيف الذي يخاطبه ويتلقى منه ويراه مفكراً، فإنه يزف له البُشرى المناسبة بصيغة التوكيد “ستكون هناك معركة قادمة في المنطقة العربية لكن هذه المرة بين الأنظمة والشارع بفقرائه ومهمشيه المتضررين اقتصاديا”. هنا، لم يكلف نفسه مشقة تعيين درجة حرارة المعارك في كل بلد، وحسب ظروفه، فأجمل المنطقة كلها، لكي يتحسس كل نظام رأسه، ويردد بينه وبين نفسه: لقد قالها خنفر!

كان الأجدر بصاحب “المنتدى” أن يتفحص قليلاً حقائق الأزمات الاقتصادية – الاجتماعية في كل بلد، وطبيعة النظام السياسي فيه، وآفاق تحولاته التاريخية، ومنسوب السياسة في المجتمع، فضلاً عن مستوى المعيشة ونسبة الفقر وأسبابه. فما نعلمه أن الدعاية التركية تركز على الأوضاع الاقتصادية في مصر، وتعرض في كل يوم توقعاتها بأن ينفجر المجتمع، علماً بأن الانفجار الأخير في ذلك البلد، وقد كان بعشرات الملايين، في 30 يونيو 2013 لم يكن إلا ضد حكم “الإخوان” وتحالفاتهم، وبالمحصلة أصبح من غير المنطقي، حتى الربط بين تلك الهبّة الشعبية العارمة، وما جرى بعدها خطأَ أو صوابا.

في عرضه الذي أوجزته وكالة “الأناضول” يحاكي وضاح خنفر إدارة دونالد ترامب في جزمها بأن فايروس كوفيد – 19 كان وباء مفتعلاً، ويصفه بــ”الأزمة” المعطوفة على الحروب التي دارت في القرن العشرين. لكن علم التاريخ، يقول غير ما ذهب إليه خنفر، فصدام الحضارات والأمم والإمبراطوريات، لم يتوقف عبر الزمان، وقد انتهى بالهيمنة الغربية على مقادير النظام العالمي منذ القرن التاسع عشر، على قاعدة بناء اقتصادي حديث وديناميكي ومتكامل، أنجزه الغرب عبر قرنين سابقين بفضل الثورة الصناعية الأولى والنظام الرأسمالي، ولم تكن حربا القرن العشرين العالميتين، إلا في إطار هذا النظام وطموحات أطرافه إلى الهيمنة، وفي سياق سيرورتها. فالأوروبيون كانوا يقبضون على النظام العالمي من خلال “عصبة الأمم” التي أعقبت الحرب العظمى الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية، آلت إلى الأميركيين المنظمة الدولية البديلة وهي “الأمم المتحدة”. فما هي إذاً، هذه الكورونا، ومن تمثل إن كان العالم كله يتوافق على تدابير الوقاية منها، وينتظر إلحاق الهزيمة بها؟ فهل تمثل الصين وتركيا مثلاً؟

يلـمح خنفر إلى دور مستقبلي لجماعة “الإخوان” من منطلق الافتراض – تلميحاً أيضاً – إلى أن ما تصلح له تركيا، لا تصلح له إيران. فهو يجزم أن أميركا تنسحب من منطقتنا، وهي بصدد إفساح المجال لتغيرات في موازين القوى في المنطقة. بقطع النظر عن إغفال الرجل لطبائع النظام الأميركي، والوقوع في خطأ القياس على سياسات ترامب التي تعاند تقاليد المؤسسة الأميركية؛ تراه (المحاضر) غائب الذهن عن العناصر الأساسية الثلاثة، التي تحكم السياسة الأميركية في منطقة المشرق العربي، وهي إسرائيل والبترول وحلقة التواصل مع الشرق الأقصى والوصول إلى الصين وكوريا. لكن اللافت هو قوله إن تركيا سوف تقارب الأمور بشكل مختلف عن إيران (بمعنى أنها شيعية لا تملك أن تتوغل في مجتمعات الإقليم) وتعمل بتكتيك الاستفادة من القوى السياسية (أي من جماعة “الإخوان”) وتتصرف كدولة، أي أنها ستكون سند هذه “القوى السياسية”. ولم يتنبه “الإخواني” إلى أن هناك عقبة أمام تركيا أيضاً، وهي قوميتها الطورانية، التي لن يعود العرب إلى الانضواء تحت بيارقها مرة أخرى.

ويردف خنفر قائلا وهذا يعني “أن ما يحدد تصرفات تركيا هو المصلحة الاستراتيجية”، وليته شرح لنا شيئاً عن هذه المصلحة التي يطرب لها، وما إذا كانت منبثقة عن مشروع قومي تركي، يمثل تجسيداً لأحلام القوى القومية التي أطاحت بالسلطان عبدالحميد بمساعدة الصهيونية، أم عن مشروع إسلامي، وعثمانية جديدة ومنقحة، تنتصر لرأي عبدالحميد، الذي أصرّ على منع قيام المشروع الصهيوني في فلسطين، علماً بأن هذا أمر لم يأت على ذكره لا أردوغان ولا خنفر.