ثروة رامي مخلوف محور خلافات داخل عائلة الأسد‎

20:56

2020-05-11

دبي - الشروق العربي - تزعزت إمبراطورية رامي مخلوف، المموّل الأساس للنظام السوري منذ عقود، وبرزت علاقته المهتزة بالرئيس بشار الأسد الذي يخوض معركة استعادة سلطته كاملة وإنعاش اقتصاده بعد 9 سنوات حرب، إلى العلن، في قضية تتداخل فيها مصالح عائلية وسياسية ومالية، بحسب متابعين وخبراء.

وبعد أن بقي لسنوات بعيدا عن الأضواء، خرج مخلوف عن صمته عبر بيانات وشريطي فيديو على صفحته على فيسبوك، فضحت حجم التوتر بينه وبين نظام ابن عمته بشار الأسد، في معركة يتوقع محللون أن تكون عواقبها وخيمة عليه.

وكان يُنظر الى مخلوف (51 عاما)، على أنه أحد أعمدة النظام اقتصاديا، وتفرض عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات صارمة جراء علاقته بالنظام.

وبدأت أزمة مخلوف حين وضعت السلطات صيف 2019 يدها على "جمعية البستان" التي يرأسها، والتي شكلت "الواجهة الإنسانية" لأعماله خلال سنوات النزاع. كما حلّت مجموعات مسلحة مرتبطة بها.

وفي كانون الأول/ ديسمبر، أصدرت الحكومة سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من كبار رجال الأعمال، بينهم مخلوف وزوجته وشركاته، واتُهم هؤلاء بالتهرّب الضريبي والحصول على أرباح غير قانونية خلال الحرب المستمرة منذ 2011.

وفي نهاية تشرين الأول/ أكتوبر، أكد الأسد على استعادة أموال "كل من هدر أموال الدولة".

ويقول الباحث في الشأن السوري، فابريس بالانش: "في سوريا، يجب التذكر دائماً أن حملات مكافحة الفساد كثيرة لكنها غير مجدية، وهدفها ببساطة إسقاط الرؤوس التي تبرز".

سيكلفه كثيرا

وتجمع مخلوف بالرئيس السوري صداقة منذ الطفولة. وحين تسلم الأخير سدة الرئاسة خلفا لوالده حافظ الأسد عام 2000، كان مخلوف أحد أبرز أركان سياسة الانفتاح الاقتصادي التي روج لها الأسد الابن.

ويتربع مخلوف على رأس امبراطورية اقتصادية تشمل أعمالاً في قطاع الاتصالات والكهرباء والعقارات. فهو يرأس مجموعة "سيريتل" التي تملك نحو 70% من سوق الاتصالات في سوريا.

ويمتلك غالبية الأسهم في شركات عدة أبرزها شركة "شام القابضة" و"راماك للاستثمار" وشركة "راماك" للمشاريع التنموية والإنسانية.

ويقول مدير نشرة "سيريا ريبورت" الاقتصادية، جهاد يازجي إن "مخلوف كان يسيطر على قطاعات معينة بالكامل بينها أكبر شركة قطاع خاص في سوريا، أي "سيريتل" وكان هناك الكثير من القطاعات التي لا يمكن لأحد أن يعمل فيها من دون المرور عبره".

و"ليست هناك تقديرات لثروته، لكنها بالطبع تبلغ مليارات الدولارات"، وفق يازجي.

وخلال سنوات النزاع، كانت إطلالات مخلوف نادرة جداً. ويُعد ظهوره الأخير قبل أيام الأبرز منذ مقابلة أجراها في أيار/ مايو 2011 مع صحيفة "نيويورك تايمز"، وقال فيها: "من المستحيل، ولا أحد يستطيع أن يضمن ما يمكن أن يحصل، إذا لا سمح الله، حصل شيء للنظام".

وفي آذار/ مارس 2011، وحين صدحت حناجر السوريين مطالبة بالإصلاح ثم بإسقاط النظام، كانت لمخلوف حصته من الهتافات. ففي محافظة درعا جنوباً، هتف متظاهرون "برا برا برا، مخلوف اطلع برا"، و"بدنا نحكي على المكشوف.. سرقونا عيلة مخلوف".

ويقول بالانش إن مخلوف واصل خلال سنوات الحرب "إنماء أعماله... وبسبب شركات الظل، كان من القلائل الذين تمكنوا من الالتفاف على العقوبات ليأتي إلى سوريا ببواخر محملة بالبضائع".

ويرى يازجي أن خروج مخلوف إلى العلن اليوم، هو نتيجه شعوره بتراكم الضغط عليه لتهميشه، مشيرا الى أنه حاول أن يقاوم كثيرا قبل أن يرمي الورقة الأخيرة ويفضح الخلاف العائلي، لكنه يؤكد أن ذلك "سيكلّفه كثيرا".

وقت التسديد

وفتح مخلوف الذي يُعتقد أنه موجود في دمشق، حسابا جديدا على "فيسبوك" في نيسان/ أبريل، ونشر عليه بيانات عدة للدفاع عن أعماله، وصولاً الى شريطيْ فيديو الشهر الحالي قدّم فيهما نفسه على أنه ضحية "أجهزة".

وتوجه إلى الأسد واصفا إياه بـ "صمام الأمن"، وطلب منه التدخل لإنقاذ شركة الاتصالات من الانهيار بعدما طلبت منه الحكومة تسديد نحو 180 مليون دولار كجزء من مستحقات للخزينة.

واتهم مخلوف في الشريط الثاني الأجهزة الأمنية باعتقال موظفيه للضغط عليه للتخلي عن شركاته. وتساءل: "هل يتوقع أحد أن تأتي الأجهزة الأمنية على شركات رامي مخلوف الذي كان أكبر داعم لهذه الأجهزة وأكبر راعٍ لها خلال الحرب؟".

وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، اعتقال القوى الأمنية العشرات من موظفي "سيريتل".

ويقول مصدر دبلوماسي عربي في بيروت متابع للملف: "أخذت الحكومة الكثير من عدد من رجال الأعمال، لكن يبدو أن مخلوف رفض دفع ما طُلب منه، وسط تقارير عن أنه حاول حتى إخراج أموال من البلاد".

ويشير إلى عاملين أساسيين خلف قضية مخلوف، أولهما أنه "كبر كثيراً"، والثاني هو "الحاجة الملحة للأموال نتيجة الأزمة الاقتصادية".

والاقتصاد السوري منهك بسبب الحرب، وسجلت الليرة انخفاضاً قياسياً أمام الدولار خلال الصيف وتخطت اليوم 1200 ليرة. وتشهد مناطق سيطرة القوات الحكومية أزمة وقود حادة. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بمعدل 107% خلال 2019 فقط، وفق برنامج الأغذية العالمي.

لا حصانة

وتحدثت تقارير إعلامية عن دور لأسماء، زوجة بشار الأسد، في المواجهة بين النظام ومخلوف. ويقول يازجي: "من الصعب جداً أن نعرف فعلياً ماذا يحصل، قد تكون أسماء التي يكبر دورها، تريد تأمين مستقبلها وابنها عبر إبعاد عائلة مخلوف التي طالما كانت الحليفة الأولى لعائلة الأسد."

وليست قضية رامي مخلوف الأولى التي تتشابك فيها السياسة مع العائلة في سوريا. ويقول بالانش: "بالطبع هي مشكلة في صلب النظام"، مشيراً إلى أن "الأسد يطيح بقريب كما فعل والده مع شقيقه رفعت الذي أجبره على مغادرة البلاد عام 1984."

ويضيف: "في حالة رامي، قد يكتفي الأسد بتكسير أجنحته، فهو في النهاية قريبه"، مشيراً الى أن المسألة تتعلّق بـ"ثروة سوريا الأولى وابن خال بشار الأسد".

ويخلص بالانش الى أن مخلوف "كان يشعر أنه لا يمكن المساس به ولا يمكن الاستغناء عنه (...) لكن في هذا النوع من النظام الاستبدادي، يجب أن نتذكر من وقت لآخر أنه لا يوجد أي أحد محصن".