كيف خلق مختبر ووهان عاصفة من الجدل العالمي حوله، وتسبب بأخطر أزمة بين أمريكا والصين؟

16:13

2020-05-07

دبي - الشروق العربي - أثارت شكوك واتهامات حول أصول فيروس كورونا المستجد حرباً كلامية بين واشنطن وبكين ما زالت مستمرة، وتهدد بتدهور العلاقات المتوترة بالأصل بينهما، ففي الأيام الأخيرة ضاعف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو اتهاماتهما بأن الفيروس نشأ من مختبر في مدينة ووهان وسط الصين، حيث ظهر الفيروس في تلك المدينة أول مرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

هذه الادعاءات أثارت رداً عنيفاً من الحكومة الصينية، حيث وصفت، الأربعاء، الاتهامات بأنها “حملة تشويه تهدف إلى تعزيز فرص ترامب في إعادة انتخابه نهاية العام الجاري”. 

لكن يبدو أن المعلومات المشتركة بين شبكة “Five Eyes” أو ما يعرف بـ”شبكة العيون الخمس”، وهو تحالف بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وكندا، تتناقض مع تأكيدات إدارة ترامب أن الفيروس تسرب من مختبر ووهان، إذ نقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن أجهزة مخابرات الدول الخمس قولها إن الأدلة لا تشير إلى أن الفيروس القاتل تم تصنيعه داخل معمل ووهان، وإنهم يشعرون بالتوتر بسبب التصعيد بين بكين وواشنطن. 

إليك كل ما نعرفه وما لا نعرفه عن الادعاءات الأمريكية والتفنيدات الصينية حول منشأ الفيروس، والجدل الكبير حول مختبر ووهان الذي يتسبب بإحدى أسوأ الأزمات بين الولايات المتحدة والصين.

ماذا نعرف عن معهد ووهان للفيروسات؟

ينتمي المعمل الذي أصبح محور الجدل بين بكين وواشنطن إلى معهد ووهان لعلوم الفيروسات، التابع لأكاديمية العلوم الصينية التي تديرها الحكومة المركزية. وهو المعمل الوحيد في البر الرئيسي الصيني المجهز على أعلى مستوى من السلامة البيولوجية، والمعروف باسم المستوى 4 (BSL-4)، كما بُني المعمل ليتحمل هزات أرضية تصل قوتها إلى 7 درجات على مقياس ريختر.

وتم تصميم هذا المختبر لدراسة أخطر مسببات الأمراض في العالم – تلك التي تشكل خطراً كبيراً في العدوى، والتي غالباً ما تكون قاتلة ولا يوجد علاج موثوق لها، مثل الفيروسات التاجية.

وتم إنشاء معمل ووهان في أعقاب وباء (سارس) الذي اجتاح الصين وأجزاء أخرى من آسيا بين عامي 2002 و2003. حيث قررت الحكومة الصينية حينها بناء معمل مجهز بالكامل، لإعداد البلاد بشكل أفضل في مواجهة تفشي الأمراض المعدية في المستقبل – منشأة يمكنها التشخيص والبحث وتطوير العقاقير المضادة للفيروسات واللقاحات لمسببات الأمراض الجديدة.

وبمساعدة من فرنسا، تم تصميم وبناء مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية بتكلفة تجاوزت 44 مليون دولار، لكن البناء لم يكتمل حتى نهاية عام 2014، وبدأ المختبر في التشغيل الكامل في يناير/كانون الثاني 2018 – وهو حدث تم الاحتفال به في وسائل الإعلام باعتباره إنجازاً وطنياً للصين.

وحينها، قالت الحكومة الصينية إن المختبر “سيزود أمتنا بنظام كامل للسلامة الحيوية ومتقدم دولياً”، ومنذ ذلك الحين، قامت عالمة الفيروسات شي زنغلي، الرائدة في المختبر، والمعروفة باسم “امرأة الخفافيش” في الصين لسنوات من حملات اكتشاف الفيروسات في كهوف الخفافيش، حيث درس فريقها العديد من الفيروسات التاجية المنقولة بهذا الحيوان.

وكان فريق شي أيضاً في طليعة مَن عملوا على فهم فيروس كورونا المستجد. في أوائل فبراير/شباط، نشرت شي وزملاؤها ورقة بحثية في مجلة Nature العلمية المحكّمة، وخلصت إلى الفيروس ينتمي على مستوى الجينوم الكامل لمجموعة الفيروس التاجية، التي تم اكتشافها سابقاً في خفافيش حدوة الحصان، في مقاطعة يوننان جنوب الصين.

من أين أتت الشكوك الأمريكية؟

دفعت خصوصية معمل ووهان في أبحاث الفيروسات التاجية، وقربه (حوالي 8 أميال) من سوق المأكولات البحرية الذي يعتقد أن الفيروس ظهر فيه أول مرة، إلى زوبعة من الشائعات ونظريات المؤامرة داخل الصين منذ الأيام الأولى لتفشي كوفيد 19، أي قبل أشهر من طرح إدارة ترامب نظريتهم الخاصة التي تربط الفيروس بالمختبر.

وفي إحدى الشائعات المبكرة التي انتشرت على الإنترنت، تعرض أحد الباحثين للعض من قِبل الخفاش الذي كان يدرسه وأصيب بالفيروس، وفي نسخة أخرى من الشائعات الأكثر غرابة، كان طالب دراسات عليا في المعهد هو “المريض صفر” يعمل في المختبر سراً لصالح الجيش الصيني لصنع أسلحة بيولوجية، وتم تسريب الفيروس عن غير قصد في هذه العملية.

وحتى اللحظة، لم يتم تقديم أي أدلة موثوقة حول نظريات تسرب الفيروس، التي نشأت من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، لدرجة أن المختبر دحض مراراً الشائعات في تصريحات مختلفة، لكن الشكوك استمرت لبعض الوقت قبل أن تهدأ في نهاية المطاف، حيث سيطر تفشي المرض في الصين. ليعود الحديث عن المختبر في منتصف أبريل/نيسان الماضي، بعد أن تحدث كاتب رأي في صحيفة واشنطن بوست عن برقية دبلوماسية تعود لعام 2018، حيث حذر دبلوماسيون علميون أمريكيون كانوا في زيارات متكررة إلى المنشأة الصينية، من ضعف السلامة والإدارة في مختبر ووهان.

وفي الأسابيع التي تلت ذلك، كانت الحكومة الأمريكية تنظر في إمكانية أن يكون فيروس كورونا المستجد، قد نشأ في المختبر وتم إطلاقه للجمهور عن طريق الخطأ، في خرق محتمل للسلامة.

وقال مكتب مدير المخابرات الوطنية الأمريكية، في بيان الأسبوع الماضي، إن مجتمع المخابرات الأمريكية “يتفق مع الإجماع العلمي الواسع على أن فيروس كوفيد 19 ليس من صنع الإنسان أو معدل وراثياً”.

ويبدو أن المعلومات الاستخباراتية المشتركة بين دول “العيون الخمس” تدعم هذا التقييم. ووفقاً لمسؤولين غربيين “من المستبعد جدًا” أن ينتشر تفشي الفيروس التاجي نتيجة لحادث في أحد المختبرات، ولكنه ربما نشأ في سوق صيني.

لكن مصدر من إحدى دول مجموعة “العيون الخمس”، قال لشبكة CNN إنه لا يزال هناك احتمال أن يكون الفيروس قد نشأ من مختبر، لكنه حذر من أنه لا يوجد ما يجعل هذه النظرية مشروعة حتى الآن. وأضاف المصدر: “من الواضح أن الفيروس ظهر في السوق، لكن كيف وصل الفيروس إلى السوق، أمر لا يزال غير واضح”.

كيف ردت الصين على كل هذه الادعاءات؟

وصفت وزارة الخارجية الصينية، الأربعاء، الاتهامات الأمريكية الأخيرة بأنها حملة سياسية لـ”تشويه صورة الصين” قبل انتخابات 2020 الرئاسية. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، هوا تشون يينغ، إن “استراتيجية الجمهوريين الأمريكيين تشجع على مهاجمة الصين فقط، وإن الصين سئمت من مثل هذه الحيل”.

وأضافت تشون يينغ: “نحث الولايات المتحدة على وقف نشر التضليل، يجب أن تتعامل مع مشاكلها الخاصة وأن تحسن التعامل مع الوباء في الداخل”. كما سلطت المتحدثة الصينية الضوء على حقيقة أن بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، لم يقدم أي دليل ملموس يدعم الادعاءات.

من جانبها، هاجمت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة الصينية المزاعم الأمريكية ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، متهمة الولايات المتحدة بنشر التضليل، في حين وصفت القناة المملوكة الدولة CCTV بومبيو بأنه “شرير” و”مجنون”، بينما وصفته وكالة أنباء “شينخوا” الرسمية بأنه “كاذب”.  فيما قالت صحيفة “جلوبال تايمز”، وهي صحيفة وطنية يدعمها الحزب الشيوعي الحاكم، إن “بومبيو فقد بوصلته الأخلاقية”.

وقد شددت بكين مراراً على أنه لا يوجد حتى الآن أي استنتاج حول أصول الفيروس التاجي، قائلة إنه يجب ترك الأمر للعلماء المختصين لدراسته. ورفضت الصين الدعوات لإجراء تحقيق دولي مستقل في أصل الفيروس وإدارة بكين التعامل مع الوباء، ووصفها مراراً بأنها “مناورات سياسية تهدف إلى تلطيخ سمعة البلاد”.

وواجهت الحكومة الصينية انتقادات في الداخل والخارج بسبب تعاملها مع الفيروس، خاصة في الأيام الأولى لتفشي المرض. وقد اتهمت بكين بإسكات كل من يتحدث عن حقيقة الفيروس من أطباء وعلماء، وتعمد التأخير في إعلام الجمهور حول خطورة الأزمة. 

ماذا يقول العلماء؟

رفض العلماء حتى الآن إلى حد كبير أن الفيروس التاجي الجديد من صُنع الإنسان. وفي فبراير/شباط الماضي، كتب 27 من خبراء الصحة العامة رسالة في مجلة لانسيت الطبية، ما أشبه بإدانة لهذه النظريات، مستشهدين بأدلة علمية “استنتجت بشكل كبير أن هذا الفيروس التاجي نشأ في الحياة البرية”.

وفي مقابلة مع ناشيونال جيوغرافيك نُشرت يوم الإثنين الماضي، قال الدكتور أنتوني فوسي، كبير خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة، إن الأدلة الحالية تشير بعيداً عن النظرية التي تقول إن الفيروس من صنع الإنسان. وقال فوسي: “كل شيء يشير بقوة إلى أن هذا الفيروس تطور في الطبيعة ثم انتقل إلى البشر”.

وفي بحث نُشر في مجلة Nature Medicine في 17 مارس/آذار، قال كبار خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، إنه “من غير المحتمل” أن يكون الفيروس قد صنع في أحد المختبرات، مستشهدين بالتحليل المقارن للبيانات الجينومية للفيروس.

وعلى الرغم من أن أصله الدقيق لا يزال مجهولاً، يعتقد العديد من الخبراء أن الفيروس من المحتمل أن يكون مصدره الخفافيش وقفز إلى البشر من مضيف متوسط ربما حيوان “بانجولين” أو “آكل النمل الحرشفي”.

وفي البداية، ربطت السلطات الصينية ظهور الفيروس بسوق محلي رطب في ووهان -لكثرة ما يباع فيه مأكولات بحرية- حيث زار بعض مرضى فيروس التاجي الأوائل السوق وخالطوا الناس هناك، في حين أشار بعض العلماء الصينيين إلى بيع الحيوانات البرية الغريبة في السوق، مصدر محتمل لتفشي المرض.