حكومة دياب واجهة لدور خطير!

02:48

2020-05-07

حنا صالح

دبي - الشروق العربي -  

كم تشبه حكومة الأقنعة التي استُحضر البروفسور حسان دياب لرئاستها، من حيث التركيبة والدور المأمول منها، حكومة الراحل عمر كرامي، في ظلّ رئاسة إميل لحود، التي شُكلت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2004 وأسقطها الشارع يوم 19 أبريل (نيسان) 2005، في ظلّ انتفاضة الاستقلال الثاني، وما رافقتها من مظاهرات احتجاجية، إثر مقتل الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) 2005!
قبل 16 سنة، رأى رأس النظام السوري، الذي كان يدير بشكل مباشر الوضع اللبناني، أن الظرف مناسب لتصفية الحقبة التي بدأت بعد العام 1992، والتي حملت بصمات الحريري، وأدخلت نهجاً جديداً في الاقتصاد، وأرست سياسات مختلفة، بدأت تؤثر خارج الحدود اللبنانية، عرفت بحقبة «الحريرية السياسية». ومما لا شك فيه أن اغتيال الحريري عطّل هذا النهج وأدخل البلاد في حالٍ من المراوحة، لأن فريق «14 آذار» الذي فاز مرتين في الانتخابات النيابية، في العامين 2005 و2009 افتقر إلى الرؤية والتجديد والاستقلالية الفعلية، فكانت أولويته، المحاصصة مع الفريق الممانع (8 آذار)، بعدما أرعبته الانتفاضة الاستقلالية التي هزت بعنف النظامين الأمنيين في سوريا ولبنان، فكانت سياسة التنكر لكل ما توقعه المواطن، وهو الذهاب إلى تكريس أركان دولة الحق والقانون والمساءلة والشفافية والعدالة.
الفارق بين مرحلة الحكومتين، أن «التسوية» السابقة كانت بين الاحتلال السوري والرئيس إميل لحود الذي كان يوافق على ما كان يصدر من قصر المهاجرين، وفي حينه لم يكن ميزان القوى الداخلي مواتياً لرغبات الطرفين، في حين أن طرفي «التسوية» الحالية، وهما «حزب الله» والتيار العوني، وبالتأكيد رئاسة الجمهورية، ينطلقان من أرجحية صريحة على مستوى الطبقة السياسية. معروف أن الحزب يتبع أجندة إقليمية تنضبط مع مصالح النظام الإيراني، فيما أجندة الطرف الداخلي تقوم على مبدأ تصفية الحسابات، التي لا يحيد عنها القصر، لاعتقاده أنها العقبة الأساس أمام تحقيق الشهوة الرئاسية للوزير جبران باسيل. في هذا الإطار يبدو «حزب الله» في بعض الأحيان، وهو المرجعية لكل القرارات، وكأنه يمسك العصا من الوسط، لا يريد كسر طموحات التيار العوني، ولا التخلي عن مرونة ضرورية مع الأطراف الأخرى التي على العموم لا تعارض نهجه، ومستمرة في «خطب ودّه». على الرغم من القناعة لديها بأن موقف الحزب هو العنصر الحاسم في التغيير الذي طرأ على رئاسة الحكومة. بمعنى آخر، يرى «حزب الله» أنه ما دامت الأطراف الأخرى، وبالأخص «تيار المستقبل» الذي ركّز كل معارضته على الرئيس والصهر، لم تخرج عن السياسات التي اتبعت منذ التسوية الرئاسية في العام 2016 فلا مصلحة له في دفع المواجهة إلى أمكنة غير ضرورية، ربما تهدد التوازن الراهن الذي يرتاح إليه.
في هذا السياق، كان لافتاً أن نصر الله استكمل في خطابه الأخير، ما تردد عن شؤونٍ تطرقت إليها مباحثات جرت بين مساعده حسين الخليل والحريري، فقال إن حزبه لا يقف خلف أحد، ولا يؤيد طرحاً لجهة، «ولا يحرض جهة على أخرى في سياق الصراع على مواقع النفوذ»، ومضيفاً: «من يعتقد أننا قادرون، نؤكد له أننا لسنا قادرين على ذلك»... ووصل إلى بيت القصيد، ليعلن أن «حزب الله» جاهز لتقديم أي مساعدة... «جاهزون لهذا الأمر» وترجمة الوعد معروفة، وحتماً ستنعكس في التعيينات الآتية في المواقع العليا، أي الحفاظ على حدٍ أدنى من التوازن في نظام المحاصصة الطائفي، مقابل ضمان مواقف شبيهة بما جرى في جلسة الثقة الملتبسة بالحكومة، عندما ارتبطت الثقة بتأمين النصاب، وهذا ما وفّره «المستقبل» و«الاشتراكي» و«القوات»!!
في الواقع، يواصل نصر الله نهج القضم وتحديد الأدوار والأحجام، ويمارس الضغوط على الآخرين لمهادنة الحكومة التي من دون دعمه المفتوح له يستحيل أن تبقى في السراي، ويدعو صراحة إلى تمديد المهلة المعطاة لها. واللافت أن هذه «المعارضة» تعرف جيداً أن تمكين حكومة البروفسور دياب يعني على المدى الطويل تراجع إمكانية عودتها إلى مقاعد الحكم، ولا تختلف هذه الأطراف في قراءة المرحلة. لقد كان هناك جانبان للجوء «حزب الله» إلى هذه الحكومة؛ الأول أنها طيِّعة مواتية للتنفيذ، يمكنه الاتكاء على واقع غياب أي حضور سياسي لرئيسها والأعضاء، الذين يندفعون من دون تبصر لتنفيذ المخطط المرسوم، لأنه لا قلق لدى أي منهم من الخسارة السياسية والشعبية. والثاني يهدف، أمام حجم الانهيار والعجز عن إيجاد حلول ترقيعية، إلى استخدامها لتمرير سياسات قاسية، من شأنها أن تفاقم من حال البؤس الذي تعيشه أغلبية اللبنانيين، على ما حملته أوراق الاعتماد المقدمة إلى صندوق النقد الدولي، وتحمل عنوان «خطة الخلاص». وبالتالي يتلطى الحزب خلفها، فيعتقد أن قواعده الطائفية لن تحمّله مباشرة وزر الإجحاف الذي سيطالها، كما كل المواطنين!
ما يُجمع عليه أركان الطبقة السياسية، رغم إخراج بعضهم من جنة الحكم، هو القلق الجدي من الهواء النظيف الذي حملته «ثورة تشرين»، التي تراجع تأثيرها مؤقتاً بسبب انتشار وباء «كورونا» ومقتضيات الحجْر، لكنها دخلت البيوت من أبوابها. للمرة الأولى في تاريخ لبنان انفجرت بقعة ضوء جمعت أكثرية المناطق والشرائح، وصوّب الجميع على مسؤولية كل الطبقة السياسية عن نتائج 3 عقود من نظام المحاصصة الطائفي وفساده، ورسم التفاف المواطنين حول شعار الثورة «كلن يعني كلن» منحى الخلاص لاستعادة الدولة المخطوفة والكرامات والحقوق وحماية الحريات التي تتعرض لانتهاكات غير مسبوقة.
من هنا، يمكن أن نفهم أن «حزب الله» الساعي لإنهاء وتصفية كل آثار مرحلة «الحريرية السياسية»، والذي لم يتورع عن مسؤولية تنصيب مثل هذه الحكومة، ما زال لديه حيّز للالتقاء مع معارضيه، وبين يديه إمكانية إغرائهم، لأن ما يجمع الفريقين كبير، وهو أن «ثورة تشرين» تجاوزت بسرعة ما كان يعتبر من المحرمات، إنْ بكسرها الانقسامات المناطقية أو بتجاوزها كثيراً من الانقسامات الطائفية، والأهم بدء تبلور وعي جديد ولغة جديدة وثقافة جديدة، لكل ذلك كان احتماء أطراف النظام الطائفي بالجائحة والذهاب إلى ما يعتقد أنه نهج إعادة تزييت آليات النظام الطائفي، بدءاً من كرتونة الإعاشة ومواد التعقيم، إلى بعض الرشوة المالية!
إنها مرحلة مهمة ومفصلية في تاريخ لبنان، وسيكون من المتعذر الآن الحكم على النتائج. الهوة عميقة، والتردي كبير، وسيمضي وقت كبير قبل إدراك النتائج الكارثية للجائحة. وبقدر ما هو متعذر الحكم على نجاعة الأساليب الماضية في إعادة تزخيم النظام الطائفي، متعذر أيضاً إدراك المدى الذي ستكون عليه الثورة التي ما زالت تدور عند عناوين عامة عن التغيير السياسي، ولم تبلور برنامجها للمرحلة الانتقالية، كما أن ساحاتها تفتقر إلى المستوى المأمول من التنسيق، الذي لا بديل عنه لحشد القدرات في مواجهة طويلة، تملك فيها القوى الطائفية الكثير من أوراق القوة!