هكذا أسهمت شركة طيران إيرانية في تفشي كورونا

14:49

2020-05-06

دبي - الشروق العربي - في وقت تعاني معظم دول العالم من فيروس كورونا المستجد، يتعاظم الحديث حول "الحالة 0" أو الإصابة الأساس بـ"كوفيد 19"، وهنا تتقاطع روايات عدة في ووهان الصينية التي يُشتبه في أن الوباء تفشى منها، إن خطأً من أحد أسواق بيع الحيوانات أو من طريق الإهمال (المقصود أو غير المقصود) في العمل بأحد مختبرات المدينة. 
أما في الشرق الأوسط، فلا تزال أرقام الإصابات والوفيات جراء كورونا معقولة نسبياً، إلا أن بلداً واحداً وهو إيران، يعاني أكثر من غيره من بلدان المنطقة، مسجلاً حوالى 100 ألف إصابة و6340 وفاة تقريباً حتى كتابة هذه السطور. ولطالما اتُهمت إيران بأنها مصدر تفشي الوباء في الشرق الأوسط، وذلك من طريق قطاع الطيران إذ تحدت بعض طياراتها قرارات حظر السفر التي فرضتها الحكومة الإيرانية ودول أخرى بين أواخر يناير (كانون الثاني) 2020 ونهاية مارس (آذار) الماضي، وسيرت عشرات الرحلات من وإلى الصين وبلدان أخرى في المنطقة مثل العراق ولبنان.
قناة "بي بي سي عربي" أجرت تحقيقاً حول مساهمة شركة طيران إيرانية واحدة هي شركة طيران ماهان (Mahan Air)، التابعة لـ "الحرس الثوري"، في انتشار كوفيد-19 في أنحاء الشرق الأوسط. وتم ذلك عبر تحليل بيانات تعقب الرحلات الجوية، والتحدث إلى مصادر داخل "طيران ماهان" للاستيضاح حول كيفية تحدي هذه الشركة، لمئات المرات، قرارات حظر حكومية، من خلال تسيير رحلات من وإلى إيران والعراق والإمارات وسوريا ولبنان، معرضةً بذلك حياة ركابها وطواقمها الجوية، ناهيك بعائلات هولاء ومجتمعاتهم، للخطر. كما قال هؤلاء الركاب والعاملين في الطواقم الجوية إنه لم يتم تزويدهم بأي من سبل ووسائل الوقاية والحماية من الفيروس، ما ساهم بشكل كبير في تفشي الوباء في إيران والعالم العربي.

المواقع الدينية
وذكر التحقيق أن حالات الاصابة الأولى بالفيروس التي سُجلت في العراق ولبنان كانت لشخصَين قادمَين من إيران على متن "طيران ماهان"، وتحديداً من مدينة قمّ، ذات الأهمية الدينية الكبيرة بالنسبة إلى أتباع المذهب الشيعي، التي يزورها الملايين في كل عام، وصدرت منها التقارير الأولى في الشرق الأوسط، عن حالات وفاة جراء فيروس كورونا.
وحذرت منظمة الصحة العالمية منذ ذلك الوقت من خطورة الوضع في إيران، إذ صرح مديرها العام الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس في فبراير (شباط) الماضي، أن هذا البلد أعلن عن 18 إصابة و4 وفيات حينها، معبراً عن قلقه العميق حيال ذلك. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك التحذير، سمحت السلطات الإيرانية باستمرار الاحتفالات الشعبية وأجرت انتخابات برلمانية في 21 فبراير، سمحت للتيار المحافظ بالعودة إلى السيطرة المطبقة على "مجلس الشورى". وبعد ذلك بأيام قليلة، أصبحت إيران، مركز تفشي الوباء في المنطقة.
ويبدأ تحقيق "بي بي سي عربي" منذ 31 من يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو اليوم الذي علقت فيه إيران رسمياً كل رحلاتها الجوية من وإلى الصين، في محاولة لإبطاء حركة تفشي الفيروس. وتمكنت "بي بي سي عربي" عبر تحليل بيانات تعقب الرحلات الجوية، من إظهار كيفية تحدي شركة "طيران ماهان" التابعة لـ"الحرس الثوري"، قرار الحظر الذي فرضته الحكومة الإيرانية على حركة الطيران من وإلى الصين.

محاولات إخفاء

وتظهر بيانات الطيران أنه منذ 31 يناير وحتى 20 أبريل (نيسان) الماضي، كانت "طيران ماهان" الشركة الوحيدة التي استمرت في تسيير رحلات جوية مباشرة بين إيران والصين، لا سيما إلى كل من العاصمة بكين وشنغهاي وغوانغزو وشينزن، على الرغم من ارتفاع أصوات منتقدة وقلقة حيال تلك الحركة.  ردت "طيران ماهان" على الانتقادات عبر صور نشرتها على موقع "ويبو" الأشهر في الصين للتواصل الاجتماعي، تظهر طائرات تابعة لها تنقل مساعدات. إلا أن تحليلاً إضافياً للمعلومات ومقاطعتها مع التصريحات الرسمية الصادرة عن شركة الطيران الإيرانية، أظهر أن 6 رحلات خُصصت لنقل مساعدات، بينما استُعملت 4 أخرى لإجلاء مواطنين إيرانيين من الصين، وصلت آخرها إلى إيران في 5 فبراير (شباط) الماضي. كما أظهر التحقيق أن "157 رحلة جوية أخرى جرت بعد ذلك التاريخ، مما يشير إلى أن الحكومة الإيرانية سمحت لطيران ماهان بخرق الحظر المفروض على الطيران من وإلى الصين".
وتابع التحقيق أنه "في منتصف فبراير، كان الفيروس في أعلى مستوياته في الصين، كما كان يتفشى بمعدلات مقلقة في إيران. وفي 24 فبراير بدت أعراض ارتفاع في الحرارة على نائب وزير الصحة الإيراني إيرادج هريرتشي خلال مؤتمر صحافي، وأجرى بعدها فحصاً طبياً أظهر إصابته بفيروس كورونا".

تكشف الحقيقة
في غضون ذلك، استمر إحياء المناسبات الدينية في إيران ولم تُفرض أي إجراءات حجر صحي وعزل منزلي، إلا أن فيديوهات بدأت بالظهور على مواقع التواصل الاجتماعي تبيّن اكتظاظاً خانقاً في المستشفيات الإيرانية للمرضى والجثث، ومع نهاية فبراير 2020 سجلت الـ "بي بي سي" وفاة 210 أشخاص في مختلف مناطق إيران، إلا أن السلطات كانت تتحدث رسمياً عن وفاة 34 شخصاً.
في 27 فبراير، نشرت صحيفة إيرانية تقريراً يشير إلى أن العاملين في "طيران ماهان" أبدوا قلقهم حيال عدم منحهم الوقت اللازم للعزل المنزلي، بعد عودتهم من الصين. وقالوا إنهم أُجبروا على الاستمرار في إجراء الرحلات، معبرين عن خشيتهم من أن يشكل ذلك عاملاً مساعداً على تفشي فيروس كورونا. إلا أن شركة الطيران الإيرانية المذكورة، لم تكن تجري رحلات من الصين فحسب، بل كانت تطير من إيران إلى لبنان وسوريا والعراق، التي تربطها علاقات عسكرية واقتصادية ودينية قوية بـ"الحرس الثوري".

منطقة قلقة

وأثار استمرار تلك الرحلات الجوية قلقاً واسعاً في المنطقة. وعبرت حكومات ووسائل إعلام عربية عدة عن امتعاضها وسخطها حيال تصرفات إيران و"حزب الله" في لبنان أحد أبرز أذرعها. وبدا في ما بعد أن تلك المخاوف كانت مبررة، إذ إن أول حالة إصابة بفيروس كورونا في لبنان سُجلت في 21 فبراير لدى امرأة قادمة من زيارة دينية أجرتها إلى مدينة قم الإيرانية وتم نشر صورة جواز سفرها على موقع "تويتر". أما في العراق، فإن الإعلان عن أول حالة إصابة رسمية بكورونا، فتم في 24 فبراير، عائدة لطالب إيراني يظهر حسابه على موقع "فيسبوك" أنه كان في طهران في 18 فبراير أي أثناء أعلى فترات تفشي الفيروس.
وبعد اطلاع "بي بي سي عربي" على مجموعة معلومات حول الرحلات الجوية والتحدث إلى مصادر في لبنان والعراق، أكدت أن الطالب الإيراني قدم على متن الرحلة رقم W55062 من طهران إلى النجف في 19 فبراير، بينما كانت المرأة اللبنانية على متن الرحلة W51152 التي وصلت في اليوم التالي إلى بيروت قادمة من العاصمة الإيرانية. وتبيّن أن هاتين الرحلتين نفذتهما "طيران ماهان".

تبريرات عراقية
في 26 فبراير الماضي، نُشر مقطع مصوّر على "تويتر" يظهر طائرة تابعة لـ "طيران ماهان" وقد حطت لتوها في مطار بغداد الدولي قادمةً من إيران. أثار ذلك قلقاً شعبياً كبيراً، أدى إلى إعلان الحكومة العراقية أنها حظرت كل الرحلات الجوية من وإلى إيران قبل ذلك التاريخ بخمسة أيام. إلا انه وبحسب معلومات تعقب حركة الطيران، فإن "طيران ماهان" مُنحت الإذن بإجراء 15 رحلة إلى بغداد بعد فرض الحظر. وبررت الحكومة العراقية ذلك لـ"بي بي سي" بالقول إن الهدف من تلك الرحلات كان إعادة مواطنين عراقيين موجودين في إيران، وإعادة إيرانيين من العراق إلى بلادهم، كما نالت موافقة هيئة الطيران المدني العراقية. وأضافت الحكومة العراقية أن هذه الرحلات ستتواصل لكن المسافرين القادمين من إيران سيخضعون لإجراءات الحظر التي تفرضها وزارة الصحة لدى عودتهم إلى العراق.
وأشار التحقيق إلى أن كثيرين من الإيرانيين العائدين إلى بلادهم كانوا من زوار الأماكن المقدسة لدى الشيعة في العراق. كما يعتقد مسؤولون في القطاع الصحي أن تلك التجمعات الدينية الكبرى لعبت دوراً أساسياً في نشر الفيروس.

تضييق على الموظفين
ونقلت "بي بي سي عربي" عن مصدر خاص بها من داخل "طيران ماهان" أنه مع ختام فبراير، أظهر أكثر من 50 من أفراد الطواقم الجوية العاملين في الشركة، أعراض الإصابة بفيروس كورونا، فيما يقول الموظفون إنه لم يتم تزويدهم بالمعدات والتجهيزات الوقائية اللازمة بحسب المعايير التي وضعها اتحاد النقل الجوي الدولي (إياتا).
كما حصلت "بي بي سي" على نسخة من اتفاق غير معلن، وُزِّعت على كل الموظفين العاملين ضمن الطواقم الجوية التابعة لـ"طيران ماهان"، يتضمن تهديداً بالملاحقة القانونية في حال تحدثوا علناً عن القلق الذي يساورهم.
 

أذونات خاصة

كما عملت الشركة التابعة لـ"الحرس" في دول أخرى يُفترض أنها تحظر حركة الطيران مع إيران، فأجرت 8 رحلات إلى سوريا و37 رحلة إلى دبي، 19 رحلة إلى تركيا، 12 رحلة إلى ماليزيا و6 رحلات إلى تايلاند. ولا بد أن تكون تلك الدول قد منحت "طيران ماهان" إذناً بالهبوط على أراضيها، وذلك على الرغم من الحظر الذي تفرضه حكوماتها على حركة السفر من وإلى إيران.

رسالة مفتوحة

في 18 أبريل (نيسان) الماضي، وقّع 1300 عامل ضمن طواقم "طيران ماهان" الجوية رسالةً مفتوحة تتهم الشركة بسوء إدارة الأزمة. وشكا هؤلاء الموظفون من تجاهل مطالباتهم المستمرة بالحصول على معدات الوقاية الشخصية اللازمة، إلى جانب تهديدهم من قبل الإدارة في حال تحدثوا في العلن عن تلك المشاكل. وأضافوا أنهم يُلامون في مجتمعاتهم على نقل الفيروس إلى أحبائهم والبلاد بعامة.
من جهة أخرى، كانت شركات طيران أخرى تطير من وإلى إيران خلال تلك الفترة، لكن "طيران ماهان" كانت الوحيدة التي تعمل على نطاق واسع جداً نسبياً. ولعل ارتباط "طيران ماهان" بـ "الحرس الثوري" منحها الغطاء اللازم لتجري بعض الأعمال حول العالم.
وحذّر الموظفون المدير التنفيذي لـ"طيران ماهان" حميد عرب نجاد والطاقم الإداري، من المخاطر التي يعرضون الركاب إليها، إلا أن الوضع استمر على حاله، ما ساعد على انتشار فيروس كورونا وتهديد حياة الكثيرين.

كذلك تواصلت الـ "بي بي سي" مع "طيران ماهان" ودول سمحت لطائراتها بالهبوط على أراضيها خلال فترة الحظر، وما عدا الحكومة العراقية، رفضوا كلهم التعليق على استفساراتها.