لماذا يضرب كورونا بعض المناطق ويترك أخرى بجوارها؟.. هذا هو السر

15:34

2020-05-05

دبي - الشروق العربي - تجري مئات الدراسات حول العالم في الوقت الحالي لمعرفة كيف يمكن أن تؤثر العوامل الديموغرافية والجينية والظروف القائمة بالفعل، على التباين الواسع في أثر فيروس كورونا على البلاد والأقاليم المختلفة.

فمثلاً يدرس الأطباء في المملكة العربية السعودية ما إذا كانت الاختلافات الجينية يمكن أن تساعد في تفسير مستويات التباين في شدة الحالات المصابة بمرض كوفيد-19 بين السعوديين، بينما يبحث العلماء في البرازيل العلاقة بين علم الوراثة ومضاعفات كوفيد-19. وتدرس فرق علمية في بلاد عديدة ما إذا كانت أدوية ارتفاع ضغط الدم الشائعة ربما تسببت في تفاقم شدة المرض، وما إذا كان لقاح سل محدد قد يفعل العكس، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

ما السر وراء ذلك؟

كانت تدابير التباعد الاجتماعي الصارمة والإغلاق المبكر فعالة بكل وضوح في الحد من انتشار المرض، غير أن ميانمار وكمبوديا لم تتخذا هذه التدابير وفي الوقت ذاته لم تبلغا إلا عن حالات قليلة.

 ثمة نظرية غير مثبتة ولكن يستحيل دحضها: ربما لم يصل الفيروس إلى هذه البلدان بعد. إذ إن روسيا وتركيا بدت كلتاهما على ما يرام إلى أن فجأة صارتا غير ذلك.

ولعل الوقت يظل ما سيثبت أنه العامل المعادِل: فقد اندلعت الإنفلونزا الإسبانية في الولايات المتحدة عام 1918، وبدا أنها تندحر خلال الصيف، لكنها عادت تزأر بسلالة أكثر فتكاً في فصل الخريف، ثم عادت بموجةٍ ثالثة في العام التالي. وفي نهاية المطاف، وصلت إلى أماكن بعيدة مثل جزر ألاسكا وجنوب المحيط الهادئ وأصيب بها ثلث سكان العالم.

قال الدكتور أشيش جها، مدير معهد هارفارد لبحوث الصحة العالمية: “إننا في وقت مبكر حقاً من انتشار هذا المرض. إذا كانت هذه لعبة بيسبول، فإننا في الجولة الثانية، ولا يوجد سبب يدعو إلى الظن أنه بحلول الجولة التاسعة لن يتأثر باقي العالم الذي يبدو الآن غير متأثر، مثلما تأثرت المناطق الأخرى”.

وتشير عشرات المقابلات مع خبراء الأمراض المعدية، ومسؤولي الصحة، وعلماء الأوبئة، والأكاديميين حول العالم، إلى أن أربعة عوامل هي ما يمكن أن تساعد في تفسير سبب ازدهار الفيروس في بعض الأماكن وعدم انتشاره في مناطق أخرى: التركيبة السكانية، والثقافة، والبيئة، وسرعة استجابة الحكومة.

قوة الشباب

كثير من البلدان التي نجت من تفشي الأوبئة كان تعدادها السكاني صغيراً نسبياً.

قال روبرت بولينجر، أستاذ الأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، إن ذوي الأعمار الصغيرة تزيد احتمالية إصابتهم بأعراض طفيفة أو أن تكون حالاتهم بلا أعراض مما يجعلهم أقل عدوى للآخرين. إضافة إلى ذلك، ذكرت منظمة الصحة العالمية قلة احتمالية معاناتهم من المشكلات الصحية التي يمكن أن تجعل مرض كوفيد-19 الناجم عن فيروس كورونا، فتاكاً على نحو خاص.

تعد قارة إفريقيا -التي أبلغت عن وجود 45 ألف إصابة، وهي نسبة صغيرة مقارنة بتعدادها السكاني البالغ 1.3 مليار شخص- أصغر قارة في العالم من حيث أعمار سكانها، إذ تقل أعمار 60% منهم عن 25 عاماً. وفي تايلند والنجف بالعراق، توصل مسؤولو الصحة المحليون إلى أن الفئة العمرية الواقعة بين 20 و29 عاماً كانت صاحبة أعلى معدلات الإصابة، لكن هذه الفئة العمرية أظهرت في الغالب أعراضاً قليلة.

وعلى النقيض، كان متوسط الأعمار في إيطاليا، وهي واحدة من البلاد الأشد تضرراً من الفيروس، أكبر من 45 عاماً. فيما كان متوسط أعمار وفيات كوفيد-19 هناك حوالي 80 عاماً.

قال جوزيب كار، خبير الصحة العالمية والسكانية  في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة، إن ذوي الأعمار الأصغر يكون لديهم عادة أنظمة مناعية أقوى، مما يمكن أن ينتج عنه أعراض مرضية أقل حدة.

ففي سنغافورة والسعودية، على سبيل المثال، كانت أغلب الحالات بين العمال المهاجرين الأجانب، الذين يعيش كثير منهم في سكن مزدحم. غير أن كثيراً من هؤلاء يكونون أصغر وأفضل لياقة، ولم يحتاجوا إلى رعاية داخل المستشفيات.

فضلاً عن المرحلة العمرية الأصغر، يمكن أن تقلل الصحة الجيدة نسبياً من تأثير المرض بين المصابين، وفي الوقت ذاته يمكن للحالات المرضية القائمة بالفعل -وأبرزها ارتفاع ضغط الدم، والسكر، والسمنة- أن تفاقم من حدة المرض، وذلك حسبما يقول الباحثون في الولايات المتحدة.

ثمة استثناءات جلية لنظرية التركيبة السكانية. إذ إن اليابان، صاحبة أعلى متوسط أعمار بين السكان في العالم، سجلت أقل من 520 حالة وفاة، بالرغم من أن عدد الحالات ارتفع مع زيادة الاختبارات.

أما مقاطعة غاياس في الإكوادور، وهي مركز تفشي المرض في البلاد الذي حصد أرواح حوالي 7000 شخص، فإنها واحدة من المناطق صاحبة أصغر الأعمار في الإكوادور، حيث تتجاوز أعمار 11% فقط من السكان 60 عاماً.

ويحذر دكتور جها من أن بعض الأشخاص ذوي الأعمار الصغيرة الذين لا تظهر لديهم أي أعراض، قد يكونون كذلك معديين جداً لأسباب غير مفهومة.

ثقافة التباعد

قال علماء الأوبئة إن العوامل الثقافية، مثل التباعد الاجتماعي الراسخ في مجتمعات محددة، ربما يمنح بعض البلاد حماية أكبر.

في تايلند والهند، حيث تنخفض الإصابات بالفيروس نسبياً، يحيي الناس بعضهم بينما يحافظون على مسافة بينهم، عن طريق ضم راحتي اليد إلى بعضهما كما في الصلاة. وفي اليابان وكوريا الجنوبية، ينحني الناس، إضافة إلى تعودهم على ارتداء أقنعة الوجه عندما يشعرون أنهم ليسوا على ما يرام، حتى قبل ظهور فيروس كورونا بعهد طويل.

وفي كثير من الدول النامية، أدت عادة الاعتناء بكبار السن في المنازل إلى انخفاض أعداد دور الرعاية، التي كانت سبباً في التفشي المأساوي للمرض في الغرب.

المساجد بلا تراويح في رمضان بسبب كورونا / رويترز

غير أن هناك استثناءات بارزة في نظرية ثقافة التباعد. ففي كثير من مناطق الشرق الأوسط، مثل العراق ودول الخليج، يعانق الرجال بعضهم ويتصافحون باليد عند اللقاء، ومع ذلك لا يصاب كثيرون منهم.

أثبت ما يمكن أن يسمى “التباعد الوطني” كذلك أنه مفيد؛ نظراً إلى أن البلاد التي تكون أراضيها معزولة نسبياً حققت مزايا صحية من عزلتها.

بعض البلاد النائية، مثل تلك التي تقع في جنوب المحيط الهادئ وفي إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لا يغمرها الزوار الذين يجلبون معهم الفيروس. وقد ذكر خبراء الصحة في إفريقيا تقييد السفر من الخارج على أنه قد يكون السبب الرئيسي في انخفاض معدلات الإصابة نسبياً داخل القارة.

كانت بعض البلاد التي تقل إمكانية الوصول إليها لأسباب سياسية، مثل فنزويلا، أو بسبب الصراعات، مثل سوريا وليبيا، محمية بدرجة ما بسبب قلة الزوار، مثلما كان الحال مع بلاد على شاكلة لبنان والعراق، اللذين تحملا احتجاجات واسعة في الأشهر الأخيرة.

قد تكون قلة المواصلات العامة في البلاد النائية قللت كذلك من انتشار الفيروس فيها.

الحرارة والضوء

بدا أن التوزيع الجغرافي لتفشي المرض -الذي ينتشر بسرعة خلال فصل الشتاء في البلاد ذات الطقس المعتدل مثل الولايات المتحدة وإيطاليا والذي لم يكن حاضراً في البلاد الأدفأ مثل تشاد وغيانا- يشير إلى أن الفيروس لا يتحمل الحرارة. إضافة إلى أن الفيروسات التاجية الأخرى، مثل الفيروسات التي تسبب حالات البرد الشائعة، تكون أقل عدوى في المناطق ذات الطقس الأدفأ والمناطق الرطبة.

لكن العلماء يقولون إن الفكرة التي تقول إن الطقس الحار وحده قادر على القضاء على الفيروس، هي مجرد أمنية.

إذ إن بعضاً من أسوأ حالات تفشي الفيروس في البلاد النامية، حدثت في ولاية الأمازون بالبرازيل، وهي منطقة استوائية مثل جميع المناطق الاستوائية الأخرى.

قال مارك ليبسيتش، مدير مركز ديناميات الأمراض المعدية في كلية الصحة العامة التابعة لجامعة هارفارد: “أفضل تخمين أن ظروف الصيف سوف تساعد، لكن لا يرجح أن تؤدي وحدها إلى تباطؤ كبير في نمو المرض أو انخفاض في عدد الحالات”.

أموالك أم حياتك؟.. كورونا يعرينا ويطرح السؤال الصعب على الجميع

لكن جوانب أخرى متعلقة بالطقس الأدفأ، مثل قضاء الأشخاص وقتاً أطول في الخارج، قد تساعد في عدم انتشار المرض.

قال كار من جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة: “الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات مغلقة قد يعززون من إعادة تدوير الفيروس، مما يزيد فرص الإصابة بالمرض”.

وتشير دراسة لمصممي النماذج البيئية في جامعة كونيتيكت إلى أن الأشعة فوق البنفسجية في أشعة الشمس المباشرة تعيق فيروس كورونا. لذا فإن الأسطح في الأماكن المشمسة تقل احتمالية تسببها في التلوث، غير أن نقل المرض يحدث عادة عبر الاحتكاك بشخص مصاب، وليس عن طريق لمس سطح ما.

ولم يقترح أي عالم أن تعريض الشخص المصاب للشمس، مثلما اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمكن أن يكون علاجاً فعالاً. بل إن الظروف الاستوائية في بعض المناطق ربما تكون هدأت من روع بعض الأشخاص وجعلتهم يشعرون شعوراً زائفاً بالأمان.

قالت الدكتورة دومينيكا سيفالوس، وهي محققة طبية في الإكوادور: “كان الناس يقولون: “إنه ليس هنا، لن يحدث شيء لي”. حتى أن بعض الأشخاص كانوا يخرجون للتشمس، اعتقاداً منهم أنه قد يحميهم من الإصابة”.

الإغلاق المبكر والصارم

تقول منظمة الصحة العالمية إن الإغلاقات، مع حظر التجمعات الدينية وحضور الفعاليات الرياضية، نجح في الحد من التفشي بكل وضوح. بعد أكثر من شهر على إغلاق الحدود القومية، والمدارس، وأغلب الأعمال التجارية، شهدت البلاد من تايلند إلى الأردن انخفاضاً في معدلات العدوى بالفيروس المستجد.

وفي الشرق الأوسط، أُغلقت المساجد والأضرحة والكنائس في وقت مبكر نسبياً، وربما ساعد ذلك في وقف انتشاره في كثير من البلاد.

كانت إيران استثناءً بارزاً، حيث لم تغلق بعضاً من أكبر أضرحتها حتى 18 مارس/آذار، أي بعد شهر كامل من تسجيل أولى حالاتها في مدينة قم التي يحج إليها الشيعة. انتشر الوباء بسرعة من هناك، وحصد أرواح الآلاف في البلاد ونشر الفيروس عبر الحدود مع عودة الحجاج إلى بلادهم.

هذا العام، حيث بدأت ذروة تفشي فيروس كورونا في تركيا مع شهر رمضان، اختلفت الرسائل.

وما يخالف الفكرة البديهية أن بعضاً من البلدان تأخرت فيها استجابة السلطات، حيث يبدو أن فرض إغلاقات متقطعة يجنب انتشار المرض. شهدت كمبوديا ولاوس موجات قصيرة من الإصابة عندما اتخذت تدابير تباعد اجتماعي قليلة، لكن كلتيهما لم تسجل حالات جديدة منذ حوالي ثلاثة أسابيع.

أما لبنان، التي يخوض مواطنوها المسلمون الشيعة رحلات حج إلى إيران ويخوض مواطنوها المسيحيون رحلات حج إلى إيطاليا، وهما بلدان يعج كل منهما بحالات الإصابة بالمرض، فكان من المفترض أن ترتفع معدلات العدوى فيها نتيجة لذلك. لكن هذا لم يحدث.

قال الدكتور روي ناسناس، استشاري الأمراض المعدية في مستشفى الجعيتاوي الجامعي ببيروت: “لم نشهد ما كنا نتوقعه وحسب. ولا نعرف السبب”.

رمية زهر

في النهاية، يتفق الخبراء على عدم وجود سبب واحد وراء تأثر بعض البلاد بشدة من المرض وعدم تأثر بلاد أخرى. والأرجح أن الإجابة ستكون مزيجاً ما من العناصر المذكورة سلفاً، إضافة إلى عنصر آخر يذكره الباحثون: الحظ المطلق.

إذ إن البلاد ذات نفس الثقافة والمناخ، قد تتحقق لدى كل واحد منها منها نتائج مختلفة تماماً عن البلد الآخر، إذا حضر شخص مصاب في أحدها مناسبة اجتماعية مزدحمة، ليحولها إلى ما يصفه الباحثون بـ “حدث فائق الانتشار”.

ونظراً إلى أن شخصاً ما قد لا تظهر لديه أي أعراض لأسابيع أو أكثر، إذا ظهرت من الأساس، فقد ينتشر المرض دون أن يُلحظ وبأضعافٍ مضاعفة من الإصابات وبطريقة عشوائية. هب أن المرأة التي كانت تسكن في مدينة دايغو مكثت في المنزل ذلك الأحد من شهر فبراير/شباط، فلربما صار التفشي في كوريا الجنوبية أقل مما هو عليه الآن بنصف أعداد الإصابات.

بعض البلاد التي كان ينبغي أن يجتاحها الفيروس لم يحدث فيها ذلك، مما ترك الباحثون يحكون رؤوسهم من التعجب.

فقد أبلغت تايلند عن أول إصابة مؤكدة بفيروس كورونا خارج الصين في منتصف يناير/كانون الثاني، وكانت لمسافر قادم من ووهان، المدينة الصينية التي يُعتقد أن الفيروس بدأ منها. وفي هذه الأسابيع الحرجة، استمرت تايلند في استقبال سيل الزوار الصينيين. ولسبب ما، لم يتسبب هؤلاء السياح في مضاعفة انتشار المرض داخل البلاد.

وعندما تفعل بلاد كل الأمور الخاطئة، ومع ذلك ينتهي بها الحال بألا تتعرض لضربة شديدة من الفيروس كما يتوقع المرء، فعليك حينها أن تضرب كفاً على كف.

قال الدكتور باندو ريونو، أخصائي الأمراض المعدية في جامعة إندونيسيا: “في إندونيسيا، لدينا وزير صحة يعتقد أنك قادر على الشفاء من كوفيد، وأجرينا اختبارات قليلة جداً. لكننا محظوظون لأن لدينا جزراً كثيرة في بلادنا تقيد السفر، وربما العدوى”.

وأضاف: “ليس هناك شيء آخر فعلناه بطريقة صائبة”.