تشرنوبيل: كيف وقع الحادث النووي الأسوأ في العالم

13:50

2020-05-03

دبي - الشروق العربي - بدا يوم السبت 26 أبريل (نيسان) 1986 أشبه بيوم عادي لغالبية سكان بريبيات. وكان بعض هؤلاء السكان يعلم بأمرِ حادثٍ وقع في مُنشأة فلاديمير إليتش لينين للطاقة الذرية، التي نشأت حولها بلدتهم خلال عقد السنوات الأسبق، لكن، ووفق كلام أحد المهندسين المتقاعدين: "لم يكن ثمة هلع. كانت المدينة تحيا حياتها العادية. وكان الناس يتشمسون على الشاطئ".

إلا أن النذرَ كانت تلوح.

وكان مسؤولون سوفيات يجوبون الشوارع بالسيارات، ويخفون أجهزة المراقبة التي بحوزتهم وهم يقيسون نسب الإشعاعات التي يتأثر بها المارة الذين يصادفونهم. وجرى تحذير التجار في السوق المحلية من بيع الخضار الطازجة والملفوف، ترافقاً مع قيام عمال التنظيفات برش الشوارع بمادة رغوية.

لكن ذاك بدا مماثلاً لما جرى خلال حادث سابقٍ في المنشأة، التي شهدت عشرات الحوادث في العقد الأسبق، وكان كل شيء يبدو على ما يرام.

أما بالنسبة إلى يوري أندرييف، الذي روى مشاهداته بعد عقود ثلاثة من وقوع الحادث لـ"بي بي سي" أوكرانيا، فإنه ألفى المفاعل الرابع في تشرنوبيل وقد "بات ركاماً"، خلال تجواله مع ابنته، وبلوغهما طرف البلدة – القرار الذي أقر بندمه الأبدي عليه – وأدرك هناك في تلك اللحظة وقوع أمر بالغ السوء.

واليوم بعد مرور عقود على الحادث النووي الأسوأ في العالم، فإن عناصر حاسمة في المسألة ما زالت مجهولة.

كما تجري إلى اليوم مراجعات مستمرة تُعيد النظر بعدد الضحايا الحقيقي الذي تسببت به الكارثة، وبآثار تداعياتها على السكان – أمثال أندرييف وعائلته وغيرهم ممن يعيشون على بعد مئات الأميال من المنشأة – الذين أصابهم التسرب النووي الذي لا يزال مجالاً لأبحاث أكاديمية ناشطة.

إلى هذا، فإن الأثر الهائل لذاك الحادثِ على مسار التاريخ العالمي، وتعامل السلطات السوفياتية معه، قد لا يُدركان على نحوٍ كاملٍ أبداً.

وجاءت الكارثة بالنسبة إلى زعيم الاتحاد السوفياتي آنذاك، ميخائيل غورباتشيف، لتَخُط التاريخ من جديد. إذ قد يُمثل حادث تشيرنوبيل، وليس سقوط جدار برلين، "السبب الحقيقي ربما لانهيار الاتحاد السوفياتي"، على نحو ما قال مشتكياً ومتأسفاً في وقت لاحق.

لكن، وبالنسبة إلى المأساة بحد ذاتها، فإن نقطة البداية لكارثة كهذه تبقى عصية على التحديد.

وهي وفق التوصيف الأبسط، بدأت مع اختبار كارثي خلال تجارب روتينية في المفاعل الرابع. وكان التقنيون يتطلعون لمعرفة إن كان نظام التبريد المائي لحالات الطوارئ سيعمل في حال انقطاع الكهرباء، وأدى إطفاء نظام السلامة لحالات الطوارئ في المفاعل، إلى فصل أذرع التحكم عن نواته، من غير أن يوقف الأمرُ المفاعلَ عن العمل.

وبعد لحظات من قيامهم بعملية إعادة إدماج، عند الساعة 1:23 فجراً، أدى رد الفعل الناتج من ذلك إلى انصهار جزئي في قلب المفاعل، ما أدى إلى تكون كرة نار ضخمة قذفت غطاء المفاعل المكون من إسمنت وحديد بزنة 1200 طن، بعيداً منه، وذاك أمر ينشر مواد إشعاعية في الجو تفوق بنحو 400 مرة ما نشرته القنبلة الذرية الملقاة على هيروشيما.

وقُتل على الفور عاملين نتيجة الانفجار، الذي لوى الجدران الإسمنتية السميكة  للمنشأة "مثل ما يُلوى المطاط". وروى في ما بعد عاملٌ آخر في المنشأة، ساشا يوفتشينكو، كيف وقف ليشاهد عموداً من إشعاع أيوني أزرق متصاعداً في السماء، و"مُندَفِعاً في العُلى، من المفاعل نحو اللانهاية". كما يردف يوفتشينكو قائلاً "أذكر آنذاك كم بدا لي ذلك جميلاً".

وراح إثر ذلك بضع مئات من العاملين في المنشأة ورجال الإطفاء يواجهون جحيماً استعر طوال عشرة أيام. ووفق ما روى أندرييف، الذي كان مُداوماً في تلك الليلة، فقد انتُزِعت منهم أجهزة قياس الإشعاعات، كما طُلب منهم غسل أحذيتهم بمسحوق من المنغنيز قبل الدخول، مُشيراً إلى الخشية التي سادت من أن تكون الإشعاعات في شوارع بريبيات أسوأ مما كانته داخل المنشأة المحترقة.

وما زال عدد القتلى خلال تلك الجهود الأولى لمكافحة التسرب غير معروف، مع تقديرٍ في أن يكون 50 مواطناً سوفياتياً، كحد أقصى، قد فقد حياته، وعدداً أكبر بكثير من الأشخاص أدخلوا المستشفيات جراء إصابات مروعة ودائمة تكبدوها نتيجة جهودهم في إنقاذ سكان مناطقهم. وحتى أواخر عام 1986، فإن الحصيلة الرسمية لقتلى ذلك الحادث لم تُحدد بأكثر من اثنين لقيا مصرعهما فور وقوع الإنفجار.

وجرى خلال تلك الأشهر إرسال مئات آلاف عمال الطوارئ، والجنود، وعمال التنظيف والمناجم، إلى المنطقة في إطار محاولات للسيطرة على بؤرة التسرب النووي ووقف انتشار المواد الإشعاعية، التي يمكنها بلوغ الولايات المتحدة والصين وشمال أفريقيا.

ومُنح من أطلق عليهم لقب "المنظفين"، وهم نحو 600 ألف عامل ممن سعوا إلى احتواء التسرب، وضعية خاصة تخولهم الحصول على تعويضات بشكلِ مكتسبات مالية ورعاية صحية إضافية.

وإذ مُنح هؤلاء المنظفون بعض التعويضات نتيجة تضحياتهم، فقد ظهر أن السلطات السوفياتية كانت تعلم على طول الخط باحتمال وقوع "حوادث" في المنشأة النووية.

ورأت وثائق نشرتها وكالة الاستخبارات الأوكرانية (SBU) بعد الحادث بعقود، وحينها أُرسلت الوثائق إلى "كي جي بي" في موسكو، أن منشأة تشرنوبيل أظهرت عدداً من مكامن الخلل الرئيسة خلال إنشائها، ومنذ مراحل تصميمها الأولى، كما ذكرت تلك الوثائق أن المواد المستخدمة في المنشأة هي أدنى من المستوى الذي كان سائداً وأن التقنيين تجاهلوا في معظم الأوقات قواعد السلامة.

وذكر تقرير للـ"كي جي بي" يتعلق بالمنشأة في يناير (كانون الثاني) 1979: "بناءً على بيانات تنفيذية، ثمة انحرافات عن التصميم وخروقات للإجراءات التقنية اقتُرفت خلال أعمال البناء والتجميع. وذاك قد يقود إلى حوادث".

وأفصحت الوثائق التي كشفتها وكالة الاستخبارات الأوكرانية في عام 2003، عن وقوع 29 حادثاً في المنشأة بين عامي 1977 و1981.

وجاء حادث آخر عام 1982، مُطابقاً لما وصفته الوثائق بـ"كميات وازنة من الإشعاعات"، ليقود المسؤولين إلى الإنخراط بمزيد من التستر، وبدا الأمر إذاك، إثر الحادث الصغير نسبياً، كأنه تنبؤاً بما يمكن أن يبلغه حجم الخداع بعد سنوات أربع.

وفيما كان المهندسون ورجال الأطفاء يكافحون لإخماد اللهب في الأيام التي تلت 26 أبريل (نيسان)، فقد سعى المسؤولون السوفيات إلى طمس الحجم الحقيقي للكارثة وحجبه عن العالم الخارجي، متحدثين عن مؤامرة مشبوهة – حيث جرى استجواب أولى المتكلمين عن الحادث، أمثال يوفتشينكو، وهم في المستشفى يعايشون تحلل أجسادهم.

وتصدرت ردود الفعل الأسرع على الحادث سلسلةٌ من الحسابات الخاطئة المميتة ارتكبها المسؤولون، وفشلت أجهزة كشف الإشعاعات التي كانت بحوزتهم في رصد المقدار الضخم من الإشعاعات، ما حملهم على حسبان أن المفاعل ما زال سليماً.

وقام بعض العمال بمخالفة الأوامر التي وُجهت له، إذ يذكر أندرييف كيفية قيامه مع بعض زملائه، الذين لم يكن أحد منهم يرتدي ملابس واقية، بإطفاء المفاعل النووية الأخرى في ما وصفه بإجراء لإنقاذ الأرواح.

وبعد مرور نحو 36 ساعة على الحادث، إذ بدأ المسؤولون الإقرار بضخامة حجم المشكلة، صدر الأمر بإخلاء بريبيات من السكان لثلاثة أيام. ولكن معظم سكان البلدة لم يعودوا أدراجهم أبداً.

وبدأت ضمن الحكومة السوفياتية نفسها جهودٌ للتقليل من حجم الكارثة – وتمثل ذاك بالمحاولة الشهيرة التي قام بها وزير الخارجية السوفياتي للحط من شأن مخاوف مسؤول بارز آخر تجاه صحة السكان. وقال وزير الخارجية آنذاك مؤكداً استمرار هؤلاء السكان في الاحتفال بالأعراس، ومزاولة الاهتمام بحدائقهم، و"اصطياد السمك في نهر بريبيات".

وجاء الإنذار بعد ثلاثة أيام من السويد، حيث رصدت منشأة نووية الإشعاعات.

ونفى الاتحاد السوفياتي وقوع أي حادث نووي، لكن، ومع إعلان الدنمارك وفنلندا والنرويج عن مخاوفها بعد ذلك بوقت قصير، فقد بات من المستحيل إخفاء الحادث عن المجتمع الدولي.

واستمرت موسكو على الرغم من ذلك في التقليل من الحجم الحقيقي للكارثة، محجمة حتى عن الطلب من مواطنيها البقاء في بيوتهم، ولم تتردد في السماح بإقامة مسيرات الأول من مايو (أيار) بعد أسبوع. وجاء التكتم اللاحق في الأعوام التالية، والمتعلق بطريقة التعامل مع الكارثة، والإحجام عن تحذير المواطنين من مدى الأخطار المحيطة بهم، ليستدعي إعادة نظر مستمرة بالحصيلة الحقيقية للحادث.

وكان للشبهات تلك، الناتجة من اعتبار موسكو غير موثوقة من ناحية إشهار الحقائق، تأثيرات مباشرة وخيمة.

وثمة تقدير يقول إن نحو 200 ألف امرأة في أنحاء أوروبا الغربية اختارت إجهاض حمل كن يرغبن به وذلك إثر نصائح خاطئة من أطباء أظهروا عدم ثقتهم بما يقوله المسؤولون السوفيات عن مستويات الإشعاع، وتخوفوا من ارتفاع نسب تشوه الولادة. إلا أن الاستنتاج من منظمة الصحة العالمية في عام 2005، جاء لينفي ارتفاع نسب المولودين بتشوهات وراثية.

ويرى "مركز الأبحاث الوطني لطب الإشعاعات" في كييف، في تقييم أصدره أن ثمة خمسة ملايين شخص عانوا إصابات نتيجة حادث تشرنوبيل في الاتحاد السوفياتي السابق وحده.

ويُعتبر أكثر من 5 آلاف شخص ممن كانوا أطفالاً في حينه، ويعيشون في مناطق بأوكرانيا وروسيا وروسيا البيضاء تأثرت بالحادث، أنهم يعانون، منذ ذلك الوقت، من سرطانات الغدة الدرقية، والتي تُرجع الأمم المتحدة أسبابها إلى التعرض للإشعاعات.

وفيما أُبعد 330 ألف شخص عن المنطقة، التي تعاني اليوم من معدلات فقرٍ أكبر مما تعانيه مناطق الاتحاد السوفياتي السابق الأخرى، فإن ما تكبدته تلك المنطقة من اضطراب وتصدع أثبت "أثره الصادم العميق" بالنسبة إلى كثيرين، استناداً إلى "منتدى تشرنوبيل".

ورأى تقرير أصدره فريق تابع للأمم المتحدة عام 2005 "أنه وحتى لو جرى التعويض على العائدين إلى المنطقة ومُنحوا البيوت، فإن إحساس الغبن سيُلازم كثيرين منهم. ويبقى كثيرون من هؤلاء عاطلين من العمل، ومحرومين من المكانة الاجتماعية، وقلما يتحكمون بحياتهم. وبعض العائدين من كبار السن لن يتكيف أبداً مع الوضع الجديد".

ووسط عقود من مخاوف ارتفاع النسب المتوقعة للإصابة بالسرطان، وهو ما يصعب تأكيد أدلته العلمية، فإن حصيلة الإصابات النفسية واضحة في أوساط الذين ما زالوا يعيشون بالمناطق المتأثرة بالحادث، حيث يُظهر السكان هناك احتمالاً أكبر للإصابة بالأمراض النفسية أو الإدمان على الكحول.

إلى ذلك، وفي أغلب الأوقات، لا يُضطر أُول من تعرضوا للحادث إلى مكابدة صدمةِ الحدث في نفوسهم، وحسب، بل يضطرون أيضاً إلى مواجهة وصمة مستمرة تُحيلهم إلى منبوذين في نظر مجايليهم نتيجة حسبان خاطئ في أنهم قد ينقلون الإشعاع إليهم.

"أحاول عدم التحدث في الأمر. لا أريد من الناس أن يعرفوا عنه"، يقول يوفتشينكو لمجلة "نيو ساينتست" عام 2004، حيث كان لا يزال مضطراً لإجراء عمليات زرع "مستمرة" في الجلد.

"كما أنني مُنحت وسامين، وسام الشرف لما قمت به في تلك الليلة، ووسام آخر بعد عشرة أعوام، وكل واحد منا حصل على وسام من هذه الأوسمة. أحاول التكيف مع حياتي اليومية. لا يعرف جيراني من أنا. إذ ثمة وصمة هنا مرتبطة بهذا الحدث".

ورأت دراسة أجريت على 5 آلاف رجل شارك في جهود مكافحة الإشعاع بين عامي 1986 و1991، أن هؤلاء يعانون من مخاطر متزايدة في الانتحار، وقد وصفت نتائج الدراسة بأنها "دليل صلب يُشير إلى أن العواقب النفسية تمثل المشكلات الصحية الأكثر شيوعاً نتيجة الحادث حتى اليوم".

والأرجح أن حادث تشرنوبيل وجه ضربة قاصمة إلى الاتحاد السوفياتي نفسه، الذي انهار بعد أقل من ستة أعوام، وحلت الحقبة الانتقالية التي غلبت عليها الدعوات العامة إلى التزام مزيد من الشفافية وسط الشكوك والغضب نتيجة ما اعتبر قصوراً من ناحية السلامة العامة.

وكان غورباتشيف، الزعيم الأخير للاتحاد السوفياتي، اعتبر أن تشرنوبيل يمثل "منعطفاً"، أسهم "في فتح احتمالات تزايد حرية التعبير إلى حد لم يعد النظام السائد قادراً على الاستمرار أكثر". وذاك سيرسخ قناعته في انتهاج "البيروسترويكا" (الإصلاح الاقتصادي) وسياسات "الغلاسنوست" (سياسة الانفتاح والشفافية) التي دعا إليها، والتي احتفت بانفتاح الأفكار بعد أعوام من "ثقافة الكتمان" التي اشتهر بها الاتحاد السوفياتي.

وجاء الموقف المتكتم الصارم الذي أُحيط بحادث تشرنوبيل، بموازاة ما استدعته تلك السياسات الانفتاحية من نقدٍ متصاعد للاتحاد السوفياتي، ليسهم على نحوٍ تدريجي بتبديد ثقة الناس بحكومتهم، التي عجزت في النهاية عن التحكم باحتقان الرأي العام نتيجة المخاوف من مستويات الإشعاعات.

وإذ يبقى حادث تشرنوبيل عبرة وتحذير لمن اعتبر من الحكومات في جميع أنحاء العالم – والتي قام العديد منها بتمويل بناء هيكل خرساني بقيمة 1.5 مليار جنيه إسترليني، يكتمل في 2019، ليُحيط بالمفاعل هذا لقرنٍ كامل آخر – فإن المنطقة بحد ذاتها حيث تقع المنشأة تُعد فعلياً بلدة مهجورة.

والمنطقة مفقرة في ما خلا قلة من السكان ممن رفضوا مغادرة منازلهم، في وقت عادت الحياة البرية، من بينها الخنازير والذئاب والقنادس والجواميس، على نحو تدريجي إلى المنطقة المعزولة المُقدرة مساحتها بـ 18 ميلاً.

وعلى الرغم من الأخطار الناجمة عن المنطقة (المنكوبة) – إذ يتوقع العلماء استمرار تلوثها على مدى 24 ألف عام آخر مقبلٍ – فإن الباحثين رأوا أن عودة الحيوانات مردها إلى أن الأخطار التي تتهددها الإشعاعات بها تبقى أقل من خطر البشر عليها.