ترامب أمام خيارين: الانسحاب من الشرق الأوسط أو الحرب مع إيران

15:26

2020-05-02

دبي - الشروق العربي - أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات للحفاظ على هيمنتها العسكرية في الشرق الأوسط، بينما كانت تخوض في الغالب الحروب الخاصة بدول أخرى نيابةً عنها، كما تقول مجلة The National Interest الأمريكية. وقد فعلت ذلك تحت مسمى “إرساء الاستقرار في المنطقة وتحقيق أمن الولايات المتحدة”. لكن لم يتحقق أي من هذين الهدفين. بل أدت التدخّلات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى زعزعة استقرار المنطقة مع تحفيز حلفاء الولايات المتحدة على التخلي عن الدبلوماسية الإقليمية وإنفاق المال السياسي في واشنطن لإقناع الولايات المتحدة بخوض حروبهم من أجلهم.

وإدراكاً للأهمية المتضائلة لنفط الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة ونقص الموارد والخبرات الأمريكية “لإصلاح” الدول المُفكَّكة في تلك المنطقة، لم يعد تحليل جدوى تكلفة الاحتفاظ بالهيمنة العسكرية في الشرق الأوسط منطقياً، وهنا نتذكر ما قاله ترامب العام الماضي: “فلندَع شخصاً آخر يقاتل على هذه الرمال الملطخة بالدماء”.

التيه الأمريكي في الشرق الأوسط

تقول “ناشونال إنترست”: غالباً ما أشار ترامب، خلال حملاته الانتخابية، إلى التكلفة البديلة لحروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. واحتج في عام 2015: “لقد أنفقنا 4 تريليونات دولار في محاولة لإسقاط أشخاص عدة، بصراحة، إذا بقوا هناك وكان بإمكاننا إنفاق 4 تريليونات دولار في الولايات المتحدة لإصلاح طرقنا وجسورنا ومطاراتنا وجميع المشكلات الأخرى التي لدينا، لكنا سنصبح أفضل حالاً بكثير”.

وهذا هو السبب الذي يجعل سياسة ترامب إزاء إيران محيرة للغاية. فحتى الآن لم يضع حداً لأي من الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط. ولن تسفر اتفاقيته مع طالبان على الأرجح إلا عن خفض عدد القوات الأمريكية إلى مستويات ما قبل قرار ترامب بزيادة القوات الخاصة هناك. وفي العراق، طلبت الحكومة من الولايات المتحدة المغادرة، وبدلاً من استغلال ذلك فرصةً لإعادة الجنود إلى الوطن، رفض ترامب هذا الطلب، بل وهدد بمعاقبة العراق.

أما في إيران، فلم يفشل ترامب في إنهاء السياسات التصادمية فحسب، بل اتبع بنشاط مساراً وضع الولايات المتحدة على شفا حرب جديدة في الشرق الأوسط. وأنزلت سياسة الضغط الأقصى ألماً شديداً بالاقتصاد الإيراني؛ فقد تقلص الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 15% حتى قبل جائحة “كوفيد-19”. ومع ذلك، بالرغم من مرور 3 سنوات على إعادة فرض العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، فشل ترامب في تحقيق حتى هدف واحد من أهدافه، بل وفي معظم الحالات، عزَّزت طهران من سياساتها التي سعت واشنطن إلى تغييرها.

ولم تُجبِر حملة الضغط الأقصى إيران على وقف برامج تخصيب اليورانيوم. وبدلاً من ذلك، وسَّعت إيران أنشطتها النووية. ولم توقف كذلك برنامجها للصواريخ الباليستية، بل واصلت طهران اختباراتها الصاروخية الباليستية وكثفتها، وعززت دعمها للجماعات المتحالفة معها في العراق ولبنان واليمن. أضف إلى ذلك أنَّ اغتيال الجنرال قاسم سليماني، الذي يمكن القول إنه أهم قائد عسكري إيراني، “لم يردع إيران عن شن أو دعم المزيد من الهجمات ضد قوات الولايات المتحدة ومصالحها”. وفي الأسابيع القليلة الماضية، شهدنا المزيد من الهجمات ضد القوات الأمريكية في العراق، بما في ذلك العديد من القتلى؛ ما دفع ترامب إلى التهديد بالحرب في تغريدة على تويتر بتاريخ 1 أبريل/نيسان 2020.

الحرب العسكرية هي النتيجة الطبيعية للحرب الاقتصادية

ليس من المستغرب أن تكون النتيجة المنطقية لحرب اقتصادية هي حرب عسكرية. وبدلاً من أن يضمن الضغط الأقصى استسلام إيران، دفع الولايات المتحدة إلى حافة حرب أخرى في منطقة تعهد ترامب بمغادرتها.   

ومع ذلك، لا يمكن أن ننكر أنَّ إيران تعتبر نفسها عدواً للولايات المتحدة، أو أنها استهدفت القوات الأمريكية في المنطقة، أو أنها تتنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ في الشرق الأوسط. لكن الأمر ذاته ينطبق على طالبان. ومن أجل الهدف الأعظم المتمثل في انتزاع الولايات المتحدة من مستنقع الشرق الأوسط، توجه ترامب لدفن الأحقاد مع طالبان من أجل إعادة الجنود الأمريكيين رجالاً ونساءً إلى الوطن.

وفي ما يتعلق بإيران، فعل ترامب العكس على الرغم من أنَّ إنهاء التنافس المتهور مع طهران يعد خطوة حاسمة نحو الانسحاب من الشرق الأوسط. وفي الواقع، لماذا تخوض منافسة للسيطرة على منطقة لا تريد السيطرة عليها، لا سيما عندما تكون اتهامات إيران بالسعى للهيمنة على الشرق الأوسط موضع تساؤل في أفضل الأحوال، لكن يدفع بها “حلفاء” الولايات المتحدة الذين لديهم شكاوى خاصة مع طهران ويحتاجون إلى أن تنغمس الولايات المتحدة في المنطقة حتى تضطر إلى محاربة الإيرانيين. وكما قال وزير الدفاع السابق بوب غيتس: “يريد السعوديين محاربة الإيرانيين حتى آخر أمريكي”.

والواقع هو أنَّ كل وعود ترامب بتحرير أمريكا من مغامراتها في الشرق الأوسط لن تنجح إذا استمر في حربه الاقتصادية ضد إيران. يمكنه إما مغادرة المنطقة أو شن حرب مع إيران. لكن لا يمكنه الحصول على كليهما.