المرحلة الأخطر في تاريخ لبنان

12:07

2014-09-22

خير الله خير الله

لماذا كلّ هذا الصمود للفراغ الرئاسي القائم في لبنان منذ الخامس والعشرين من آيار- مايو الماضي؟من الأمور القليلة الجيدة، هذه الأيّام، في لبنان عدم وجود أسرار. كل شيء مكشوف. كلّ ما في الأمر أنّ لبنان يواجه مرحلة أخرى من الانقلاب الكبير الذي يستهدف طبيعة تركيبته وطبيعة مجتمعه والنظام السياسي فيه.

كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط- فبراير من السنة 2005 محطّة أساسية في طريق تنفيذ هذا الانقلاب الذي يعبّر عنه حاليا منع “حزب الله” مجلس النواب من انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

يحصل ذلك في وقت يحتاج لبنان إلى رأس للدولة خلفا للرئيس ميشال سليمان الذي غادر قصر بعبدا يوم انتهاء ولايته، قبل أربعة أشهر، وانتقل إلى منزله وصار مواطنا عاديا، كما في أي بلد حضاري.

يحتاج لبنان إلى رأس للدولة لسبب في غاية البساطة، يتمثّل في أن البلد يمرّ حاليا بمرحلة بالغة الخطورة، قد تكون الأخطر منذ قيام لبنان الكبير. وهذا عائد، أساسا، إلى ما يدور في الإقليم، حيث حالَ مخاض من بين سماته سقوط الحدود المعترف بها دوليا بين الدول.

سقطت الحدود بين سوريا ولبنان، بعدما قرّر “حزب الله”، بناء على طلب إيراني المشاركة في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه من منطلق مذهبي ليس إلّا.

وسقطت الحدود بين العراق وسوريا، بعد تمدّد التنظيم الإرهابي المسمّـى “داعش” بفعل توفر بيئة ذات طابع مذهبي بحت، حاضنـة لـه في العـراق. ما ساعـد في نشوء هذه البيئـة كانـت الممـارسـات المـذهبية لحكومة نوري المالكي، التي بلغ بها الأمر احتقار السنّة العرب وإرسال ميليشيات إلى سوريا لملاقاة “حزب الله” في دعم النظام.

في ظلّ هذا التطوّر الإقليمي البالغ الخطورة، كشف لبنان أن صيغته ليست بالضعف الـذي يعتقـده كثيـرون، بمـن في ذلك رأس النظام السوري الذي لم يكن يتحدّث عن لبنان إلّا من زاوية “هشاشة” تركيبته.

كان مفترضا على كلّ القوى السياسية في لبنان العمل من أجل لملمة الوضع فيه وتحصين الداخل بدءا بانتخاب رئيس للجمهورية، الذي هو رئيس الدولة المسيحي الوحيد في المنطقة.

المؤسف، أنّه وجد من يتصرّف من منطلق أن الضغوط التي يتعرّض لها لبنان، لا يمكن أن تستغلّ من أجل تغيير النظام فحسب، بل لإلحاق الوطن الصغير بالمشروع الإيراني أيضا. باختصار شديد، يريد “حزب الله” أن يكون لبنان تابعا لإيران، و”ساحة” من الساحات التي تستخدمها ورقة في المفاوضات مع من كان إلى ما قبل فترة قصيرة “الشيطان الأكبر” من جهة، وفي لعبة ابتزاز العرب من جهة أخرى.

يكفي عرض لمسلسل الأحداث في لبنان للتأكّد من أن الفـراغ الـرئاسي حلقة أساسيـة في هذا المسلسل، الذي بدأت تفاصيله تتبلور في المرحلة التي مهّدت لاغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، ثم الاغتيالات الأخرى التي استهدفت اللبنانيين الشرفاء، وكان آخرهم الوزير السابق محمّد شطح.

من تظاهرة “شكرا سوريا” التي خطب فيها الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله في الثامن من آذار- مارس 2005، إلى حرب صيف العام 2006، التي افتعلها الحزب من أجل التغطية على حدث اغتيال رفيق الحريري واضطرار القوات السورية إلى الانسحاب من لبنان، لم يتغيّر شيء في لبنان.

كلّ ما حدث في السنوات الماضية صبَّ في خانة تدمير المؤسسات اللبنانية، وتكريس “حزب الله” لاعبا أساسيا وحيدا في البلد، وتحويل بيروت مدينة إيرانية على البحر الأبيض المتوسط.

هناك خيط غليظ يربط بين كلّ الأحداث وصولا إلى ما نشهده اليوم من مآس في عرسال تسبّب بها تدخّل “حزب الله” عسكريا وأمنيا في سوريا.

هذا الخيط الغليظ مرّ بمحطات عدّة بينها الاعتصام في بيروت من أجل تعطيل الحياة فيها وضرب الاقتصاد اللبناني وحرب مخيّم نهر البارد التي استهدفت منذ العام 2007 إيجاد “داعش” في شمال لبنان، في طرابلس تحديدا، لتبرير العودة السورية إليه. من يتذكّر ما قاله حسن نصرالله عن مخيّم نهر البارد واعتباره المخيّم “خطّا أحمر”؟

لم تكن غزوة بيروت والجبل الدرزي سوى حلقة مكملة في مسلسل إخضاع لبنان. لم تكن المطالب الشعبية والعمالية التي تخرج إلى الشارع، بين الحين والآخر، سوى وسيلة تستخدمها قوى التعطيل من أجل ضرب مؤسسات الدولة اللبنانية.

لم يكن الإتيان بحكومة “حزب الله” برئاسة نجيب ميقاتي سوى محاولة أخرى لتأكيد أن المشروع الإيـراني الـذي يترافق مع شراء أراضي المسيحيين والدروز في مناطـق معيّنة، لا يمكن أن يتوقّـف قبل تغيير طبيعة لبنان ونظامه وتركيبته الاجتماعية.

ليس صدفة أن تكون حكومة “حزب الله” ألغت التأشيرات بالنسبة إلى الإيرانيين، وفعلت كلّ ما تستطيع من أجل عزل لبنان عن محيطه العربي ومنع العرب، خصوصا الخليجيين، من المجيء إلى لبنان.

هناك محطات كثيرة يمكن التوقّف عندها وصولا إلى ما نحن عليه الآن، أي الفراغ الرئاسي في ظلّ التوتير في عرسال ومنع الحكومة اللبنانية من استعادة الجنود ورجال الأمن المخطوفين لدى إرهابيي “داعش” و”النصرة” بالطرق التي تعتبرها مناسبة.

هذا الفراغ هو بمثابة ضرب لكلّ مؤسسات الدولة اللبنانية. كلّ الهدف الوصول إلى مرحلة يستسلم فيها اللبنانيون لـ”حزب الله” وسلاحه الذي عاد عليهم بالويلات. إنّه السلاح الذي يوجهه الحزب إلى صدور اللبنانيين الذين يرفضون، أقلّه إلى الآن، التسليم بأنّ رئيسهم يجب أن يكون في خدمة إيران، تماما كما كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في العراق.

يرفض اللبنانيون، بكلّ بساطة، أن يختار “حزب الله” رئيس الجمهورية اللبنانية، وأن يكون البديل عن الفراغ “المثالثة” بين المسيحيين والسنّة والشيعة، بديلا من المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. هذه لعبة ذات طابع ابتزازي، أقلّ ما يمن أن يقال عنها أنّها مكشوفة أكثر من اللزوم.

هناك صمود للفراغ الرئاسي. لكنّ هناك صمودا للبنانيين أيضا. أفضل تعبير عن هذا الصمود إسقاط حكومة “حزب الله” ومجيء تمّام صائب سلام، بكلّ ما يمثّله، رئيسا لمجلس الوزراء.

تمام سلام يقاتل يوميا، على رأس النواة الصالحة في حكومته، المشروع الإيراني الساعي إلى تغيير وجه لبنان، والقضاء على ثقافة الحياة فيه لمصلحة ثقافة الموت. بات الفراغ الرئاسي أفضل تعبير عن هذه الثقافة خلال المرحلة بالغة الخطورة التي يمرّ بها لبنان…