خريف أم ربيع دولي للإخوان

12:06

2014-09-22

محمد أبو الفضل

الضربات السياسية والأمنية التي وجهت للإخوان في مصر ودول أخرى، بعثت برسائل تشي أن الجماعة على وشك الاندثار، كما أن انكشافها شعبيا، وتبين زيف خطابها نزع عنها غطاء مهما تدثرت به فترات طويلة، وجاءت المحاولات الظاهرة للتضييق عليها مؤخرا، وسقوط عدد من أوراقها في بعض الدول، لتوحي أن شجرة الجماعة دخلت خريفا طويلا، قد تبقى رهينة له حقبا متعددة، دون أن ترى الفصول التالية التي يزدهر فيها الشجر.

الفريق المؤيد للخريف الدولي، استند في تأكيد حجته على ثلاثة عوامل رئيسية، أولها ما قامت به قطر من ترحيل لسبعة من القيادات الإخوانية، وربما تتلوهم شخصيات أخرى، تحت وابل الضغوط الإقليمية والدولية، وهو ما اعتبر في تقدير البعض ينطوي على تغير في السياسة القَطرية الداعمة للإخوان، وثانيها المعلومات التي رشحت من قبل جهات بريطانية بشأن إدخال تعديلات على المعاملة المرنة مع الجماعة، وتشديد تحركات عناصرها، وفرض قيود على عملية الدخول والخروج.

وثالثها إصرار مصر على مطالبة الانتربول الدولي بتسليم عدد من الشخصيات الإخوانية، ما يمثل حرجا للدول التي تستضيف هؤلاء، في وقت تعتبرهم القاهرة ضمن زمرة الإرهابيين، بسبب إدراج الجماعة التي ينتمون إليها قانونيا تنظيما إرهابيا، وفي وقت يحتشد العالم لمجابهة الإرهابيين، من أمثال “داعش” وأخواتها.

الانطباع السابق أصبح سائدا في دوائر مصرية مختلفة، رسمية وغير رسمية، وهناك قطاع كبير ينتظر سقوطا لشجرة الإخوان، وليس دخولها فصلا شاحبا من فصول العام، واستمد هذا القطاع تفاؤله، أصلا، من حالة الانكسار السياسي والأمني الذي تعرضت له الجماعة في مصر، ورفض كل محاولات جس النبض للمصالحة معها، وربما يكون الشق المحلي صحيحا، فحتى يفيق الإخوان من كبوتهم أمامهم شوط مضن، لكن في الشق الدولي أعتقد أن المسألة يمكن أن تسير بصورة معاكسة، بمعنى أن المؤشرات القاتمة التي تنتظر الجماعة، قد تحمل في طياتها مكونات برّاقة وإيجابية، وهنا يمكن التوقف عند أربعة محددات أساسية.

أولا، المواجهة الدولية لمكافحة إرهاب “داعش” وأمثالها، ستضع الولايات المتحدة وحلفاءها في خندق المعادين للإسلام، وسوف تجبر أجنحة كثيرة من التيارات الإسلامية، متشددة ومعتدلة، على تأييد “الدواعش” والوقوف ضد الغرب، والتفكير في العودة لاستهدافه في عقر داره، ولتخفيف حدة الاحتقان المتوقع لن يكون أمام قوى التحالف الدولي، سوى الحرص على استمرار مهادنة الإخوان، والعودة إلى اللعبة القديمة للتفرقة بين المتطرفين والمعتدلين، وجذب جناح لضرب آخر، ولتخفيف حدة تصوير الأمر على أنه مواجهة ضد الإسلام.

ثانيا، جولات جس النبض التي قام بها جون كيري وزير الخارجية الأميركي مؤخرا، تركت لدى إدارة باراك أوباما انطباعات بعدم الارتياح لمواقف عدد من الدول الشرق الأوسطية لدخول الحرب بسلاسة ضد “داعش”، لذلك تفرض المواقف التي يمكن وصفها بـ“المتعنتة” لمصر مثلا الاحتفاظ بورقة الإخوان، لأنها قد تكون إحدى المنغّصات التي يجري توظيفها في المستقبل بوتيرة أكبر، فالاقتراب من خطاب الجماعة، أو عدم مبارحته أصلا يمكن أن يجبر دول ما يسمى بـ”الممانعة المستترة” إلى الاقتراب من الرؤية الأميركية، بالتالي ما ينتظر الإخوان ربما يكون ربيعا وليس خريفا.

ثالثا، الولاءات الوطنية عند الإخوان لا محل لها من الإعراب، ولا يضير الجماعة أي انتكاسات محلية تتعرض لها الدولة الأم، ولعل العبارة الشهيرة لمرشد الإخوان السابق مهدي عاكف “طز في مصر.. والمسلم الماليزي أفضل من المسيحي المصري” لا تزال شاهدا له دلالة كبيرة على المضمون الذي تحمله الجماعة للدولة.

لذلك سوف يكون الدعم الخارجي لاستمرار النفور من الولاءات الوطنية وسيلة جيدة لتقوية المعارضة الداخلية، وفرملة أي توجهات استقلالية لدى النظام المصري، الذي تفوّق خلال الفترة الماضية على جميع الرهانات السلبية، وحولها إلى منافع تدعم وجهة نظره، ويبدو إصرار الإخوان الغريب على مواصلة طريق العنف والتخريب دليلا على أن هناك جهات خارجية تدعمه، خاصة أننا لم نر إدانة واضحة لكل مظاهر العنف التي ارتكبها الإخوان، في حين تتوالى الإدانات المغرضة من جانب منظمات حقوقية دولية على النظام، وتتعاطف مع تصرفات الإخوان.

رابعا، وجود منافذ دولية يتنفس من خلالها الإخوان، فحتى منفذ الدوحة لم يغلق ولا زال مشرعا، كما أن انفتاح منفذ تركيا على مصراعيه، أوحى لكثيرين بوجود تفاهم بين أنقرة وقوى دولية، حيث لا تجرؤ تركيا- أردوغان على استقبال هذا العدد من قيادات الجماعة ما لم تكن قد حصلت على ضوء أخضر أميركي، الأمر الذي يعزز تكهنات راجت بأن الإخوان لم يدخلوا خريفا ولن يدخلوا بياتا شتويا، بل ربما ينتظرهم ربيعا جديدا، يعادُ فيه توظيفهم بما يتناسب مع المعطيات الإقليمية، التي تحمل في طياتها بقاء طويلا في المنطقة للولايات المتحدة وعدد من حلفائها، بشكل يمثل دعما مباشرا للإخوان.

في كل الأحوال، الأيام المقبلة سوف تكشف لنا كيف سيعاد إنتاج ورقة الإخوان، وما هي طبيعة الأدوار التي ستسند إليهم، وطبيعة العراقيل التي سيقومون بها؟ وإذا كانت الجماعة لم تستمر طويلا في حكم مصر، فإن مواصلة دورها في مربع المعارضة بشراسة، قد يكون مفيدا لبعض القوى المصرة على عدم وقف دعم الإخوان سياسيا.