على طريق النار في سيناء: مافيا التهريب تموّل الإرهاب

11:52

2014-09-22

الشروق العربيمداهمات متواصلة للأوكار وتصفيات شبه يومية للعناصر التكفيرية، تبادل لإطلاق النار، وطريق بطول 50 كيلومترا تقريبا تزرع به العبوات الناسفة وتحفر أسفله الأنفاق الملغمة ويحقق الإرهاب، الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة أهدافه من آن إلى آخر، ويوقع غدرا شهداء في صفوف قوات الأمن، هذا ما رصدته عدسة “العرب” خلال جولتها في مناطق القتال الملتهبة بشمال سيناء، العريش والشيخ زويد وكمين الريسة، الأشهر في عدد الاستهدافات.

خطورة الرحلة أنها جاءت بعد أيام من استشهاد 11 ضابطا وجنديا بتفجير الإرهابيين لمدرعة جنود بقوات الشرطة، وبعد ساعات معدودة من اكتشاف قوات الأمن لـ 12 عبوة ناسفة زرعت على جانبي طريق العريش الشيخ زويد، بعضها احتوت على ربع طن من المواد شديدة الانفجار.

ليس من سمع كمن رأى، كما يقولون، حرب شرسة، تلك التي تخوضها القوات المسلحة المصرية والشرطة في سيناء، الطرقات في العريش محصّنة بسواتر رملية، وكمائن بالطرق الرئيسية، وكل بضع كيلومترات تجد أمامك تحويلات لطرق فرعية، مدرعات لقوات الشرطة والجيش تجوب الطرقات الرابطة بين المدن، وبالشوارع الداخلية لتمشيطها وملاحقة البؤر الإرهابية، والقيادات الأمنية تضع في مكاتبها أسرة للراحة سويعات من جهد متواصل على مدار الأربع والعشرين ساعة.

الجنود يرتدون أقنعة سوداء ويقبضون على أسلحتهم وتطلّ رؤوسهم من المدرعات راصدة أي حركة مشبوهة، العيون كالصقور تبحث عن الفريسة، قبل أن تصيبهم رصاصات الغدر، يحملون أرواحهم على أكفهم، يرددون “النصر على الإرهاب أو الشهادة”، “دماؤنا ليست أغلى من دماء زملائنا الذين استشهدوا”.

داخل الجبال وبين التجمعات السكنية، يختبئ الإرهاب الغادر، يتربص ينتظر الفرصة، لاستهداف الجنود. وبين مطرقة الإجراءات الأمنية الاستثنائية، التي قد تنغص على المواطنين حياتهم، وسندان استهداف الإرهابيين، يقبع الشرفاء في سيناء، مجبرين على الحياة في ظروف صعبة حيث يفرض حظر تجوال على الطرق الرئيسية من الرابعة وتنقطع الاتصالات والإنترنت، من السادسة صباحا إلى السادسة مساء، وتحدق بهم الأخطار من كل جانب.

نقطة البداية

 

كان التحرك من القاهرة لمعبر رفح الحدودي في الثالثة من فجر الأحد (7 سبتمبر الجاري)، ضمن قافلة من 10 أفراد، بينهم رئيس اتحاد الصحفيين الدوليين جيم بوملحة فرانكو سدي فراسيكو، رئيس اتحاد الصحفيين الإيطاليين، وعبدالناصر النجار، نقيب الصحفيين الفلسطينيين، وسبعة من الزملاء الصحفيين بينهم أربعة فلسطينيين وثلاثة مصريين، بينهم كاتب هذا التحقيق، في زيارة لقطاع غزة، وتقديم واجب العزاء لأسر الزملاء الصحفيين، شهداء العدوان الإسرائيلي الأخير.

423 كيلومترا المسافة من القاهرة إلى معبر رفح الحدودي، يتطلب قطعها السفر إلى محافظة الإسماعيلية، وعبور قناة السويس من خلال “معدية” (مركب صغير)، خاصة في ظل غلق كوبري السلام، احترازيا وخشية استهدافه من قبل الجماعات الإرهابية، على “المعدية” كان كمين قوات مسلحة، حيث يقف الملازم أول نبيل، الذي عطل عبور الوفد ثلاث ساعات، ورغم ذلك حظي باحترام غالبية الوفد، فهذا الضابط الصغير المنضبط، مدرك لخطورة اللحظة الراهنة، لاحظ أن تصريح العبور الخاص بالأجانب لا يحمل ختما، وهو أمر متعارف عليه بين مخاطبات موافقات الأجهزة السيادية، حيث يتضمن الموافقة، مشيرا إلى رقم المخاطبة فقط.

مع اتصالات متكررة تمسك الضابط بأن يأتيه الأمر من قيادته المباشرة ليمر الوفد، دون الاعتراف بأي اتصال من أي جهة أخرى، متسائلا بمنطقية، كيف لي أن أتحقق من هوية من يحادثني على الهاتف؟

بعد ساعات الانتظار، والتأكد من سلامة تصاريح المرور من معبر رفح إلى غزة سمح للوفد بعبور القنطرة شرق لسيناء (381 كيلومترا) من الإسماعيلية إلى مدينة العريش، رافق الوفد دورية أمنية، حيث بداية الطريق الخطر، مرورا بمنطقة بئر العبد، مع الاقتراب من العريش يقل عدد السيارات حتى يندر، ومن حين إلى آخر تجد واحات النخيل ومزارع الزيتون تحد الطريق، فما تلبث أن تنطلق لمساحات جرداء، أرض بكر، تبلغ مساحتها سدس مساحة مصر، إنها سيناء الباحثة لأكثر من ثلاثين عاما بعد التحرير عن التعمير.

في مدخل العريش تستقبلك الشاليهات، ونسائم البحر وجمال المدينة، فسيناء يحدها شمالا البحر المتوسط وغربا خليج السويس وجنوبا البحر الأحمر وخليج العقبة، وهي الرابط بين أفريقيا وآسيا عبر الحد المشترك مع فلسطين شرقا.

داخل المدينة المشهد يبدو مختلفا، الطرقات القريبة من أقسام الشرطة ومديرية الأمن شبه مغلقة، بسواتر رملية وعوائق خرسانية، مع تكرار استهدافها من الإرهاب، كانت الساعة قاربت الثالثة بعد الظهر، عندما رفضت قوات الأمن استكمال الوفد لرحلته.

في اليوم نفسه، قال اللواء على العزازي نائب مدير أمن شمال سيناء: “المعبر يغلق في الثالثة ونصف والطريق من العريش لرفح شديد الخطورة، ولدينا عمليات مداهمات واسعة، وسلامتكم تقتضي المبيت في العريش والتحرك غدا في الثامنة صباحا، فقوات التأمين تمشط الطريق بشكل يومي”.

بعد مفاوضات باءت بالفشل اضطر المرتبطون بمواعيد سفر على طائرات العودة، أن يغيروا مواعيد الحجز، في ما قرر رئيس اتحاد الصحفيين الإيطاليين العودة للقاهرة لارتباطات تحتم سفره، فتولت مديرية الأمن تأمين عودته.

في الصباح جاء الخبر الفاجعة، مدرعة استهدفت بقذيفة “أر بي جيه” واستشهد ضابط وأصيب آخرون، على الطريق ذاته، لكن كان القرار مواصلة الرحلة، ليبدأ طريق النار مع الخروج من العريش وتزداد الخطورة مع الاقتراب من مدينة الشيخ زويد.

على الطريق من العريش إلى الشيخ زويد، تفاجأ من كيلو متر إلى آخر، بآثار حفر لعبوات ناسفة اقتلعت أو أخرى انفجرت، وتنتشر الكمائن الأمنية لقوات الجيش والسواتر الرملية.

ليست سيناء كلها خطرة، فالمؤكد أن البؤر الإرهابية والمنطقة الخطرة لا تعدو مساحتها 58 كيلومترا طولا من العريش إلى حدود رفح، وبعرض 15 كيلومترا، شريط ساحلي بشماء سيناء، يضم العريش والشيخ زويد ورفح، بما تشمله تلك المدن من قرى تابعة، أخطرها المهدية بالشيخ زويد، ومنطقة الريسة التي شهد كمينها قرابة 25 استهدافا من 25 يناير 2011 وحتى الآن.

المشهد أصعب في مدينة الشيخ زويد، فالتحصينات على الطريق تشير إلى خطورة المنطقة، في ميدان المدينة آثار معركة شرسة، بالقرب من الطريق المؤدي إلى المهدية، فأبواب المحال التجارية محطمة، وأثار رصاص مخترق لأسوار منشآت عامة ومنازل، وبعض فوارغ الرصاصات متناثرة، وأثار حريق إطارات وبقايا “موتسيكل” محترق، وهي وسيلة انتشر استخدامها في الحركة من قبل إرهابيين ومواطنين.

في مدينة الشيخ زويد باتت الحركة محدودة وخروج الأهالي من منازلهم للضرورة فقط وقبل الثالثة عصرا، لم تعد تلك المدينة التي تعج بالحركة.

 

قصور على الطراز الأوروبي

 

في رحلة العودة يوم الخميس (11 سبتمبر) كانت الساعة الثانية ظهرا، عند الانطلاق من معبر رفح باتجاه العريش، بلا أي حراسة أو حماية، على بعد 10 كيلومترات من حدود رفح باتجاه الشيخ زويد ومنها للعريش، لفت انتباهي عدد من القصور الشاهقة ذات الطراز الأوروبي تقف وسط صحراء جرداء في مناطق التنمية بها محدودة، وينتشر بها الاقتصاد الأسود حيث تجارة المخدرات وتهريب السلاح والبشر.

أحد المصادر البدوية الذي اتصلت به قال: “قبل ظهور الأنفاق كانت رفح الحدودية منطقة فقيرة لانعدام التنمية يعاني أهلها ضيق العيش، ومع ظهور الأنفاق في السنوات الأخيرة، انقلب الوضع وظهرت في المنطقة القصور والفيلات واقتنى أهلها أحدث السيارات، وبالطبع هذا من عوائد تجارة التهريب عبر الأنفاق.

على بعد 15 كيلومترا من معبر رفح باتجاه الشيخ زويد، كانت آثار جريمة إرهابية واضحة جلية، بقايا مدرعة تعرضت لتفجير، متناثرة على جانبي الطريق، وأثار ترميم للطريق حديثة بعد انفجار، فالإرهابيون يعتمدون أساليب متطورة في التفجيرات، يحفرون أنفاقا أسفل الطريق، ويضعون به المتفجرات، وعلى بعد يصل إلى كيلومترين، يختبئ الإرهابي، ليفجر الطريق مع مرور أول دورية للأمن، وهذه هي الطريقة التي استخدمت في استهداف مدرعة الشرطة التي استشهد بها 11 جنديا بداية سبتمبر الجاري.

المؤكد أن الجيش والشرطة لا يحاربان الإرهاب، بل مافيا التهريب التي تضررت من فرض الأمن قبضته على المنطقة. والحل الجذري يكمن في التنمية والمواجهة الفكرية حتى يتم انتزاع شباب سيناء من مخالب الفقر ومافيا التهريب والفكر التكفيري.