الجماعات الجهادية تتربّص بالسودان الجديد

16:02

2020-03-29

دبي - الشروق العربي - من الصعوبة أن تجد دولة من الدول التي تنشط فيها التنظيمات الإسلامية تجمع كل الأطياف الإرهابية في وقت واحد، وإذا وُجد تنظيمان أو أكثر، على اختلاف مستويات القوة المسلحة والتوجهات السياسية في مكان ما، في أفغانستان أو سوريا أو ليبيا مثلا، ستقوم حروب بينية طاحنة حول من يتولى الزعامة والقيادة.

يبدو أن السودان مرشح ليصبح استثناء في هذه القاعدة، بعد أن توالت التقديرات الأمنية التي تحذر من تحوّله إلى مكان نشيط تلتقي عنده كل الألوان، ليس لأن الحركة الإسلامية في السودان استوعبت مبكرا القادمين من الاتجاهات الأربعة، بل لأن جسمها فضفاض، ونجح البلد في التعامل مع جميع القوى، وانحصر الخلاف في حدود تنظيرية ولم يصل في أي لحظة إلى الصدام مباشرة، حتى عندما طرد نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير بعض القيادات الإسلاموية كان ذلك لأسباب انتهازية اضطرارية كي تعيش البقية الباقية من القيادات الأخرى.

انشغلت السلطة الانتقالية السودانية بترتيب أوراقها الداخلية وأولت المعركة مع بقايا النظام السابق وامتداداته في الحركة الإسلامية والأحزاب التي عملت في كنف البشير حيث لقيت اهتماما كبيرا، تارة لتأمين الثورة الوليدة، وأخرى لتجفيف المنابع في الدولة العميقة، وثالثة بحجة إزالة التمكين وقمع المتربصين. كلها خطوات قطعت فيها الحكومة شوطا، لكن لم تتمكن من إغلاقها لأسباب تتعلق بالقدرة والرغبة والإرادة وترتيب الأولويات وتوازنات القوى الظاهرة والخفية.

لم يلتفت كثيرون إلى ملف في غاية الخطورة، من المرجح أن يتصاعد الحديث عنه الفترة المقبلة، ويخص الحركات والجماعات والتنظيمات والفصائل الإسلاموية التي تتخذ من الأراضي السودانية مأوى لها. قد تكون أجهزة الاستخبارات لديها معلومات كافية عن تحركاتهم، غير أن المواطنين وبعض المهتمين من سياسيين وإعلاميين لا يملكون ذلك، ما جعل قضية هؤلاء متوارية خلف الجدران مع أنها حيوية ولن تخص السودان وحده.

حرّكت محاولة الإرهاب الفاشلة التي تعرض لها رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك، في 9 مارس 2020، الكثير من المياه الراكدة في هذا المضمار، وكشفت عن جانب معتبر من الجزء الغاطس، حيث بدأت الخرطوم تنتبه للثعابين التي تتحرك في أطراف البلاد، واستقبلت فرقا أمنية من دول عديدة، أهمها من مصر والولايات المتحدة، وبعدها أخذت تولي اهتماما بالملف.

تفكيك الألغاز

وضعت هذه التطورات النقاط على الحروف، أو بمعنى أدق فكّكت بعض الألغاز المهمة في ملف استمرار السودان على لائحة الإرهاب الأميركية، والتي لم تفلح التنازلات المادية الكبيرة التي قدمتها الخرطوم وعبارات الغزل والاستحسان السياسي من جانب واشنطن في تجاوزها. وأكدت أنّ تمسك الإدارة الأميركية بهذه الورقة يتخطى الدواعي البيروقراطية المعروفة، ويصل إلى مستوى الخوف من أن يعود السودان حاضنة للجماعات الإرهابية.

لم تقترب الخطوات المعلنة التي اتخذتها السلطة الانتقالية من هؤلاء، وكل التحركات التي قامت بها تقزّمت ودارت حول ملاحقة فلول البشير أو لجنة إزالة التمكين وما ينطويان عليه من مراوحات سياسية أصبحت محل إزعاج لكثير من قوى الثورة، لأنها أصبحت علامة على تسهيل مهام عناصر الثورة المضادة لتخريب السودان، وتحويله من نموذج واعد للديمقراطية في المنطقة إلى نموذج للعنف والتطرف والاقتتال، ما لم يتمّ الدخول في مواجهة صريحة مع رعاته الكامنين في ربوعه، لأنهم متنوعو التوجهات ويجتمعون على تبني الإرهاب كلغة واحدة يجيدون التحدث بها.

التحدي أمام السودان يبدو متعاظما الآن لأنه يحتاج إلى رؤية داخلية واضحة، وتحسين التعامل مع القوى المتمركزة في أراضيه وتلك التي لها امتدادات خارجية

يتذكّر المتابعون تصريحات دقيقة أدلى بها حمدوك لصيحفة “وول ستريت جورنال” في ديسمبر الماضي، حملت تحذيرا خطيرا مما سيواجهه السودان من تحديات، حيث أشار الرجل إلى أن بلاده لها حدود مع سبع دول جوار، قائلا “لدينا بوكو حرام في الغرب، وحركة الشباب الصومالية في الشرق، وداعش في الشمال والأطراف”.

بصرف النظر عن حجم التهديد الراهن الذي يمثله هؤلاء للدولة، وهو كبير، غير أن هذا الكلام لا يتناسب مع البطء الذي يطغى على تصرفات الخرطوم في هذا المجال، لأن التصريحات السابقة رافقتها كلمات واضحة بأن حمدوك لديه تصور لقيام واشنطن بتنفيذ عملية لمكافحة الإرهاب في السودان، على غرار نموذج الدعم المقدم لمنطقة الساحل الأفريقي، حيث تمّ نشر عناصر أميركية جنبا إلى جنب مع القوات المحلية للمساعدة في قتال الجماعات المسلحة، وهي إشارة في غاية الأهمية، حيث تتضمن اعترافا بقبول عملية من هذا النوع.

إذا وضعنا قرب دخول الدور الأممي الجديد في السودان من خلال تدشين البعثة السياسية التي طلبها حمدوك لبلاده مع بداية مايو المقبل، تتضح جوانب أخرى من الصورة تتعلق بأن يكون السودان في عهدة الأمم المتحدة، مراقبة وإشرافا، بالتالي تسهل مشاركة المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب الذي تخيّم ملامحه على السودان، فكي يصبح السودان نموذجا ملهما للسلام لا بد من تنظيفه أولا من المكونات السالبة لهذا الأمر، وفي مقدمتها تجفيف العنف بأنواعه.

الخطر القادم من الغرب

أعلنت السلطات السودانية في 6 ديسمبر الماضي إحباط محاولة لتسلل عدد من العناصر الإرهابية التابعة لبوكوحرام عبر الحدود مع تشاد، وقامت بتسليمهم لحكومة إنغامينا. وجاءت العملية بعد بنحو شهرين من تردّد معلومات عن تسلل عناصر أخرى داخل السودان.

وقتها قال المفكر السوداني الحاج وراق، “إنهم لجأوا إلى التلويح بالشريعة الإسلامية في محاولة لاستمالة العاطفة العامة للمسلمين”، وتم تحذير أجهزة الأمن من مخاطر تحول إقليم دارفور بغرب السودان إلى مركز جذب لعناصر هذه الجماعة التي تجاوز حضورها نيجيريا، وبدأت أذرعها تتمدد في منطقة بحيرة تشاد التي تضم، الكاميرون والنيجر ونيجيريا وتشاد.

اتخذت الخرطوم حزمة من التدابير الأمنية، بينها العزم على تشكيل قوة من القوات المسلحة والشرطة لمواجهة الأزمات القادمة من الغرب، أي على الشريط الحدودي مع كل من تشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، وحماية السودان من المخاطر الناجمة عن استمرار تسلل عناصر من جماعة بوكوحرام التي بدأت عملياتها الإرهابية تتزايد وتصل إلى عمق الأراضي التشادية، حيث استهدفت قبل أيام عشرات الجنود، بما يعد جرس إنذار يوحي بأن طموحاتها التوسعية لن تقف عند حدود الجغرافيا التقليدية.

أرخى انهماك السلطة الانتقالية في ترتيب الأوضاع السياسية بظلاله على نظيرتها الأمنية على الحدود الغربية الشاسعة، وأدى إلى صعوبة إحكام السيطرة عليها، لذلك أصدر الحاكم العسكري لولاية شمال دارفور، اللواء الركن مالك الطيب خوجلى، في 29 يناير الماضي، قرارا بإغلاق الحدود الجغرافية للولاية لمنع دخول السيارات غير المقننة من دول الجوار، ومصادرة أي سيارة تعبر الحدود، ويستخدم بعضها في تهريب البشر والأسلحة.

وقال مدير شرطة الجمارك بولاية شمال دارفور، في 12 فبراير الماضي، إن إدارته فرغت من حصر وتسجيل نحو 15 ألف سيارة دخلت البلاد بطرق غير مشروعة، من ليبيا وتشاد، وغالبيتها من نوع الدفع الرباعي التابعة لبوكوحرام.

جاءت الخطوة بعد دخول هذا الكم الكبير من السيارات في توقيت متزامن تقريبا، بغرض إيجاد نقطة تمركز جديدة للجماعة الإرهابية في السودان، حيث ضاعفت من وتيرة نشاطها في الدول المجاورة في ظل انشغال السلطة الانتقالية بالتركيز نسبيا على مكافحة بقايا النظام السابق دون التفات كبير لما تمثله الجماعات التكفيرية من مخاطر.

المشكلة أن تنظيم داعش أبدى اهتماما بالسودان أيضا منذ سقوط نظام البشير في أبريل من العام الماضي. ولدى قياداته قناعة بأن هذا البلد يمثل بؤرة خصبة لاستعادة جانب من بريق التنظيم. وقد أشار أبوبكر البغدادي، أميره الراحل، إلى اهتمامه بالسودان كـ”ساحة معركة مستقبلية”. وتم توجيه رسالة إعلامية مؤخرا من مؤسسة الوفاء الموالية لداعش بعنوان “نداء إلى أهل السودان من الداخل منها وإليها”، قد ألمحت إلى اغتنام الفرصة لإقامة “الدولة الإسلامية”.

أكدت التوترات التي حدثت في شرق السودان قبل نحو شهرين، وجود أصابع لقوى إسلامية تنحدر من إريتريا والصومال للعبث بالتركيبة الاجتماعية في هذه المنطقة الرخوة، وكانت لفترات طويلة ممرا لعبور عناصر متشددة وأسلحة تأتي عبر البحر الأحمر وتمر إلى داخل السودان، أو إلى الحدود الشمالية باتجاه الأراضي المصرية.

فن الحيل والمناورات

لعب مثلث السياسة والتاريخ والجغرافيا أدوارا مهمة ليكون السودان في هذا الموقف الصعب. فهناك أبعاد متشابكة ماضوية للحركة أو الجبهة الإسلامية في العمل السياسي، من تحالفات وتعاون وتنسيق مع عدد من الأحزاب، منحت كوادرها خبرة جيدة في فن الحيل والمناورات. وهناك ثلاثة عقود من البقاء في السلطة مكّنتها من تجريف القوى المنافسة والتغلغل في نسيج الدولة العميقة وشرائح متنوعة في المجتمع، وخلق شبكات من المصالح الاقتصادية.

يضاف إلى هذين العنصرين عامل الجغرافيا الذي جعل السودان محاطا بسبع دول من جميع الاتجاهات، الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية، علاوة على ساحل طويل على البحر الأحمر، وكل اتجاه يحمل تناقضات سياسية وأمنية واجتماعية متباينة، فبالتالي من الطبيعي أن يؤدي تكاتف كل ذلك إلى جعل السودان مركز جذب للقوى الإسلاموية على مدار السنوات الماضية، خاصة أن دول الجوار تنتعش فيها عناصر متطرفة تنتمي إلى تنظيمات مختلفة.

يبدو التحدّي أمام السودان متعاظما الآن، لأنه يحتاج إلى رؤية داخلية واضحة، وتحسين التعامل مع القوى المتمركزة في أراضيه، وتلك التي لها امتدادات خارجية، وهي معادلة صعبة تتطلب تعاونا صريحا مع الدول الضالعة في مكافحة الإرهاب على المستويين الإقليمي والدولي.

يؤجج التراخي في الحسم النيران، ويفضي إلى زيادة حدة الأزمات وليس تخفيفها. فالوقت لن يكون في صالح السلطة الانتقالية، لأن هذا معناه نجاح القوى السياسية المتشددة وأجنحتها العسكرية المتعددة في عملية إعادة التموضع التي فرضها سقوط نظام البشير، كما أن الدول الحاضنة لهؤلاء، مثل تركيا وقطر، لن تتردد في ضخ المزيد من الدماء في جسدهم باعتبارهم الوقود الذي ينهي مقاطع كثيرة في المعركة الخفية الدائرة بالسودان.

لذلك فالمواجهة الصارمة المباشرة أهم من فكرة الانحناء للعواصف أو علاجها بالمسكّنات، ففي لحظة ما يمكن أن تهبّ عاصفة لا تستطيع السلطة الانتقالية تحمّل تبعاتها، أو تفقد المهدئات دورها، ووقتها تكون الأمور قد تطوّرت بما يصعّب السيطرة عليها.

انشرWhatsAppTwitterFacebook