"استخفاف بأرواح الناس": مئات الآلاف من الكمامات المغشوشة تغرق الأسواق

16:01

2020-03-29

دبي - الشروق العربي - بينما يصارع العالم أزمة تفشي فيروس كورونا، تُباع مئات الآلاف من الأقنعة الطبيّة المغشوشة غير المطابقة للمواصفات، كما علمت الإندبندنت.

غالباً، تُصنّع تلك الأقنعة المغشوشة في معامل استغلاليّة غير معقّمة كانت تُستخدم سابقاً في صناعة حقائب يد وسراويل جينز مقلّدة.

يضع المصنِّعون على بضاعتهم أسماء مزيّفة لعلامات تجاريّة خاصة بشركات مستلزمات طبيّة معروفة جداً على غرار "اِم 3"، وفقاً لمصادر من قطاع المستلزمات الطبيّة، ومسؤولي إنفاذ القانون، وكما تبيِّن صور فوتوغرافيّة حصلت عليها الإندبندنت.

حتى إنّهم يزوِّرون أختام تصديق ومستندات "سي إي" علامة المطابقة الأوروبيّة، التي ترمي إلى تأكيد أنّ السلع توافق المعايير الأوروبيّة، مثلما كانوا يزوِّرون ملصقات "رالف لورين" أو "غوتشي" على القمصان والحقائب المقلّدة.

أظهرت صور حصلت عليها الإندبندنت عاملين في مصانع نسيج تركيّة ينكبّون على خياطة الكمامات، في ظروف وصفها خبراء بغير المعقمة ودون المستوى المطلوب. ويوم الثلاثاء الماضي، صادرت الشرطة التركيّة مليون كمّامة وألقت القبض على خمسة أشخاص، في مداهمة لإحدى الورشات التي تُصنِّع لوازم طبيّة غير مرخّصة في إسطنبول.

قال أحد العاملين في الصناعة، وهو يشتري أقنعة واقية لاستخدامها عند تصنيع الإلكترونيّات، "إنّهم يستخدمون برنامج فوتوشوب أو ما شابه ويصنعون رخصهم الخاصة. حتى أنّهم يُشركون معهم مصانع الصناديق الورقيّة كي تصنع لهم صناديق مزّيفة تحمل شعارات معيّنة، مثلما كانوا يبيعون قمصاناً صيفيّة مقلّدة من العلامة التجاريّة الشهيرة "نايكي". ونظراً إلى أنّ أحداً لم يعد يشتري قمصاناً نصف أكمام، أخذوا في تصنيع الأقنعة".

وحذَّرت إنتربول، منظمة الشرطة الجنائيّة الدوليّة، الأسبوع الماضي من زيادة حادّة في كمِّيات الأقنعة الطبيّة المغشوشة والإمدادات الطبيّة الأخرى، عارضاً تفاصيل عن عملية تضمّ 90 دولة أسفرت عن توقيف 121 شخصاً، وضبط ما قيمته 14 مليون دولار (12 مليون جنيه إسترلينيّ) من "مواد صيدلانيّة مُحتملة الخطورة"، بحسب وصفه.

في هذا الصدد، قال يورغن شتوك الأمين العام لإنتربول، إنّ "أيّ أمر لن يثني المجرمين عن تحقيق الأرباح. ويُظهر الاتجار غير المشروع بتلك الأدوات الطبيّة المزوّرة، أثناء أزمة صحّية عامة، استخفافهم التامّ بصحّة الناس أو بأرواحهم".

جليّ أنّ الأقنعة الجراحيّة أصبحت عنصراً جوهريّاً في المعركة التي يخوضها العالم ضدّ كورونا، كذلك باتت الرمز الأبرز للوباء الذي أحدث تحوّلات جذريّة في الحياة، في شتى أنحاء الكوكب. واشتكى العاملون في المجال الطبيّ عبر العالم أنّهم لا يملكون ما يكفي منها. مثلاً، يقول أطباء وممرِّضون وممرضات من إيران إلى إيطاليا فالولايات المتّحدة إنّهم مُجبرون على إعادة استخدام الأقنعة التي في الأحوال العاديّة يرمونها في القمامة بعد معاينة كل مريض. وتسعى حكومات قومية ومحليّة جاهدة للحصول على كميات إضافيّة من الأقنعة.

للأسف، ترفع المشكلة المُضافة التي تشكِّلها الأقنعة المزيّفة المُحتملة وطأة التحدِّيات التي تواجه خبراء الطب وصانعي السياسات. وضمن أولئك الذين يدّقون ناقوس الخطر، مصنِّعو سلع طبيّة ووسطاء تجاريّون قلقون على سمعتهم وعلى تفشي الداء.

تحدّث في هذا الشأن جلال صدرالدين داي، رئيس المجلس التأديبيّ لــ "مسيد مرمرة" جمعية مصنِّعي ومورِّدي الأجهزة الطبيّة، وقال إنّ "شركات المنسوجات في تركيا تنتج حاضراً تلك الأقنعة".

"لا أعلم كيف يحصلون على رخصهم. ليس الاستحصال على الترخيص أمراً يسيراً. يشكِّل ذلك خطراً كبيراً على قطاع المستلزمات الطبيّة التركيّة. حاليّاً، ثمة صورة سيئة عن القطاع. وتُلقي مسألة الكمامات هذه بتبعاتها علينا جميعاً".

الأقنعة الواقية، التي يمكن استخدامها في المجالات الطبيّة وكذلك الصناعيّة، غدت سلعة أساسيّة مطلوبة بشدّة بالنسبة إلى موظّفي المستشفيات العاملين في الخطوط الأماميّة، الذين يحاولون حماية أنفسهم من الإصابة بعدوى كوفيد- 19،  وبالنسبة إلى الأشخاص العاديين الساعين إلى وقف انتقالها.

غير أنّ الأقنعة المغشوشة يمكن أن تشكِّل تهديداً على صحّة العاملين في المجال الطبيّ، ذلك أنّها ليست مصنوعة من مواد مناسبة أو في بيئات معقّمة. يمكن أن تفتقر تاليّاً إلى المواصفات التي تمنع الفيروسات أو البكتيريا من الدخول في ممرات تنفّسيّة، وفقاً لخبراء في الصناعة.

وقال أحد العاملين في الصناعة، إنّ "الأقنعة التي لا تستوفي الكثافة المطلوبة تعني أنّ الفيروس يمكن أن يصل إلى أنف من يرتديها أو فمه".

لكنّ مسؤولاً تنفيذيّاً آخر في قطاع الصناعة الطبيّة، ذكر أن بعض الأقنعة المزوّرة التي تنتجها شركات النسيج بدلاً من مصانع مستلزمات الرعاية الصحيّة تبقى "أفضل من لا شيء". وفقاً لكلامه، ما دامت تستوفي المعايير الأساسيّة المتعلِّقة باستخدام ثلاث طبقات من المواد وتزن حوالى 60 غراماً، فمن المرجح أن تكون كافية لمنع تسلّل فيروس كورونا، الذي ينتقل عبر رذاذ سائل. على أقل تقدير، بحسب ما ذكر، "ينبغي إجراء دراسات أكاديميّة إضافيّة" في هذا الشأن.

في الحقيقة، نتيجة الطلب الهائل على الصعيد العالميّ، يستحيل أن تتمكّن مصانع أدوية تقليديّة من إنتاج أقنعة طبيّة كافية. "إنّها حالة طارئة"، قال سيردار أغالار من "كابا ميديكال"، شركة توريد سلع استهلاكيّة طبيّة مقرها في إسطنبول، "وليس هذا وقتاً عاديّاً".

ليس حجم الإنتاج المغشوش معروفاً، وحسب مصادر من القطاع، يشمل مصانع في الصين والهند وتركيا أصيبت بذعر نتيجة انهيار صناعة النسيج في أعقاب ظهور وباء فيروس كورونا العالميّ. قال أحد المصادر، إنّ مصنعاً واحداً فقط في تركيا ينتج 450 ألف قناع يوميّاً، وتوجد على الأرجح عشرات من تلك المصانع في البلاد. كذلك ذكر مصدر مطلِّع أنّ في مقدور تركيا الآن إنتاج نحو 50 مليون قناع يوميّاً، بحسب التقديرات.

في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت صناعة الأقنعة في تركيا قفزة حينما كان وباء فيروس كورونا يجتاح الصين، التي تُعتبر أكبر مصنِّع لمعدات الوقاية الطبيّة في العالم. على المنوال نفسه، يقول وسطاء تجاريّون تحدّثوا إلى الإندبندنت إنّهم بدأوا يلاحظون ارتفاعاً هائلاً حول العالم في عروض لبيع كميات كثيرة ضخمة من أقنعة كانت دون المستوى بشكل جليّ، ومعبأة غالباً في صناديق من دون أغلفة بلاستيكيّة تبقيها معقّمة.

في الواقع، أسهمت الحكومة الصينيّة في إشاعة فوضى الكمامات، ذلك عبر الطلب من شركات لا تعرف عن المعايير الطبيّة إلا القليل، إنتاج وشراء أكبر عدد ممكن من الأقنعة. هكذا، تواصلت تلك الشركات مع سماسرة في أنحاء العالم وضعوا طلبات لعشرات الملايين من الأقنعة.

في الأحوال العاديّة، تنتج تركيا زهاء 150 مليون قناع طبيّ سنويّاً. طلبت الصين 200 مليون كمامة من مصانع تركيِّة في يناير الماضي، فضلاً عن طلبات من إيطاليا وهولندا وفرنسا وبولندا وألمانيا، ما أدّى إلى زيادة في الطلب وارتفاع في الأسعار. وتصاعدت الأسعار في تركيا من بين 0.02 دولار و0.04 دولار إلى 0.50 و0.60 دولار للقناع الواحد.

سردار أغالار من شركة "كابا ميديكال" قال إنّ فرصة تحقيق مكاسب ضخمة، حملت شركات تفتقر إلى الخبرة الطبيّة على دخول سوق الكمامات.

وأضاف قائلاً: "إنّه خطأ الحكومة الصينيّة. خلقت حالة من الذعر واستعانت بوسطاء تجاريين لا يُعوّل عليهم".

اشترت الشركات مواد خاماً دون المستوى المطلوب، وطلبت المعدات وخيَّطت الأقنعة وفقاً لمعايير معتادة في صناعة المنسوجات.

وقال وسيط للإندبندنت: "النقطة الأساسيّة أنّ توفّر صناعة ضخمة حقيقيّة تفي بالمعايير الأوروبيّة، يحتاج إلى آلات بالموجات فوق الصوتيّة بعيداً عن ضغط الخطأ البشريّ".

في العام الحاليّ، ضبطت الصين عشرات الآلاف من الكمّامات المزوّرة التي باعها تجّار تجزئة وجملة في هونغ كونغ والبر الصينيّ. كذلك في فبراير (شباط) الماضي، تخلّصت الصين من أقنعة طبيّة غير مطابقة للمواصفات تساوي ما يربو على مليون دولار، ابتاعتها من شركات تركيّة. بعد تلك الحادثة، انخرط السفير الصينيّ شخصيّاً في العمليّة، وبدأ بنفسه تقييم مدى جودة الأقنعة وتولى عمليات الشراء"، بحسب ما قال مصدر في قطاع الأدوات الطبيّة الوقائيّة في الصين.

في تركيا، تضرَّر بشدّة قطاع المنتجات الطبيّة الذي تبلغ قيمته ملياري دولار، من جراء التباطؤ الاقتصاديّ واتهامات بتخزين السلع. وكما قال داي، المستشفيات متأخرة أشهراً عن دفع الفواتير المتوجِّبة عليها، ما يفاقم صعوبة مواكبة الطلبات الجديدة، بالنسبة إلى المصانع الشرعيّة.

اتهمت السلطات التركية الأسبوع الحالي شركات الإمدادات الطبيّة بتكديس الكمامات، وهدَّدت بالسيطرة على الصناعة ما لم تبع مجموعة الشركات المكوّنة للقطاع أقنعة واقية ومعدّات أخرى للحكومة.

ونقلت وسائل إعلام تركيّة محليّة عن سليمان سويلو وزير الداخلية التركيّ قوله إنّ الشرطة داهمت الأحد الماضي فعلاً مستودعات تعود إلى منتجي أقنعة طبيّة لمطالبتهم بتوقيع عقود تنص على بيع بضاعتهم لوزارة الصحة. يقول عاملون في الصناعة إنّ وجود التخزين، يرجع جزئيّاً إلى قوانين جديدة سُنت في الشهر الحالي تجعل من الصعب تصدير الأقنعة. ويتنبأ الخبراء بأنّ المزيد من الحكومات ستلجأ في نهاية المطاف إلى قوانين الطوارئ من أجل السيطرة على اللوازم الطبيّة.

وقال نوكيت كوكوكيل، نائب رئيس مستشفى غوفين في أنقرة، "أرى مثيلاً هنا (تركيا) للقرار الذي أُتخذ في الولايات المتحدة الأميركيّة استناداً إلى قانون "إنتاج الدفاع". من الوارد أن تضطر حكومات عدّة إلى النظر في التدخّل".