إيران والمعركة المستمرة للاستيلاء على لبنان

13:08

2019-11-12

نديم قطيش

دبي - الشروق العربي - تخشى قوى ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 في لبنان، العودة إلى ما عصف بالبلاد نتيجة تمحور السياسة طويلاً حول انقسام معسكري 8 و14 مارس (آذار) المولودين عام 2005.
والخشية مردها أمران:
أولاً: على الضد من ثورة 2019 التي جعلت الفساد والفشل ركنيها الأساسيين، فرقت انتفاضة الاستقلال 2005 بين أولويتي السيادة والإصلاح، لصالح الأولى، وصبت كل تركيزها على إنهاء الوصاية السورية على لبنان، وهي معركة لم تكن تحتمل «ترف» التدقيق في نزاهة القوى الضرورية لقيادة هذه المعركة. وما كان بين جماهير انتفاضة الاستقلال ما يكفي من القوى المدنية لمقارعة الأجسام الثقيلة للأحزاب المنضوية في الانتفاضة، والتي أدارت وجهتها وخياراتها.
ثانياً: على الضد من انتفاضة 2005 وطبيعة موضوعها السياسي الحاد والاستراتيجي الذي أدى إلى انقسام عمودي بين اللبنانيين، وسرعان ما اتخذ هويات مذهبية متضادة، فتحت ثورة 2019 الباب واسعاً أمام ولادة عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين، عابر للمناطق والطوائف والطبقات. يقوم هذا العقد على الربط الأفقي بين المكونات اللبنانية على قاعدتي المصلحة المشتركة في اللافساد، وجودة الخدمة العامة، وكفاءة الاقتصاد، كما على تبلور هوية وطنية متخففة من أثقال الهويات الفرعية المذهبية والمناطقية.
تقلق هذه الفوارق الرئيسية قوى ثورة أكتوبر اليوم، وتدفعها رغبتها في عدم إيقاع ثورة 2019 في أخطاء انتفاضة 2005 ومصيرها، إلى إحداث قطيعة جذرية مع الأدبيات السياسية للأخيرة.
بكلام مباشر، لا يريد أحد اليوم أن يسمع في لبنان عن المسؤولية الإيرانية عن الانهيار الذي تواجهه البلاد، أو أن يزج بالثورة في صراعات إقليمية كان قد سبق لها وأجهضت انتفاضة 2005، ولا يريد أحد للعامل الإيراني أن يصير مطية حزبية، لهذه الجهة أو تلك، لتبرئة الذات من المسؤوليات المعقدة والمركبة عن الفشل الذي وصل إليه لبنان.
ولئن كانت هذه الممانعة لتحديد المسؤولية الإيرانية عن مآلات الأمور في لبنان تمتلك مشروعيتها وأسبابها، فإنها أيضاً ممانعة تهدد الموقف السياسي للثورة بولادة مشوهة وناقصة.
في لبنان كما في العراق، وعبر سياقات مختلفة، أمسكت إيران خلال العقد الفائت بكامل القرار السياسي اللبناني والعراقي، وألغت بتدرج الحدود الفاصلة بين موقف الدولة وموقف الميليشيا أو الميليشيات الدائرة في فلكها. وحكمت البلدين وفق معادلة ثلاثية تقوم على دولة ضعيفة وميليشيا (أو ميليشيات) قوية، تدير طبقة واسعة من الفاسدين في مقابل مصادرة القرار الاستراتيجي للدولة.
من هنا يبدو الانتفاض ضد الفساد في لبنان قاصراً، إذ يحيد سلاح «حزب الله»، ولو لأسباب براغماتية كانت مقبولة في بداية الثورة. فمنذ عام 2008 باتت الحياة السياسية والوطنية اللبنانية أسيرة لقرار السلاح، بشكل وصل إلى ذروته مع انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، ثم إقرار قانون للانتخاب أهدى «حزب الله» أكثرية برلمانية، قال عنها قاسم سليماني إنها حولت «حزب الله» من «حزب مقاومة إلى حكومة مقاومة في لبنان».
إذ ذاك، ليس من باب الصدفة أنه ومنذ بداية مسار إلغاء المسافة بين الدولة وموقفها وموقف ميليشيا «حزب الله»، دخل لبنان في مرحلة من انخفاض النمو الاقتصادي لم يتجاوز منذ عام 2011، عتبة 2 في المائة، حتى وصل إلى ما دون الصفر قبل اندلاع الثورة. صحيح أن هذا العقد شهد اندلاع الثورة السورية في ربيع عام 2011، بكل انعكاساتها الاقتصادية الكبرى على لبنان، وتوسطه انخفاض حاد وسريع في أسعار النفط، وواكبه انهيار في العملات الأفريقية، موطن بعض الانتشار اللبناني، ما انعكس كله على تحويلات الاغتراب اللبناني النقدية؛ لكن ذلك تزامن أيضاً مع معركة قاسية للاستحواذ الإيراني على النظام السياسي، تخللته فراغات مديدة في المؤسسات السيادية. فمنذ سقوط حكومة الحريري الأولى مطلع عام 2011، شهد لبنان ما مجموعه: سنة ونصف سنة من الفراغ الحكومي بصيغة تصريف الأعمال، وسنتان ونصف سنة من الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية، دعك من حكومة انقلاب شكلها «حزب الله» خلافاً لنتائج الانتخابات البرلمانية برئاسة نجيب ميقاتي حكمت نحو سنتين. زد على ذلك إتمام عهد «حزب الله» برئاسة ميشال عون سنته الثالثة الشهر الفائت.
تسع سنوات مجموع الزمن الذي استحوذ فيه «حزب الله» بالكامل على القرار السياسي اللبناني في العقد الفائت، الذي انتهى بثورة غير مسبوقة في تاريخ لبنان. عقد كامل جعل فيه «حزب الله» قراره مساوياً لقرار الدولة، أو العكس، بما جعل لبنان محاصراً عربياً وأميركياً، كامتداد موضوعي لحصار «حزب الله».
كل شيء يوحي بأن معركة الاستحواذ مستمرة، وآخر مظاهرها دعوة رئيس الجمهورية اللبنانية لاجتماع مالي في قصر الرئاسة، من دون دعوة رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري، بالتوازي مع تأخير البدء في الاستشارات النيابية الملزمة، تحت عنوان أن الاتفاق السياسي على تشكيل الحكومة يسبق تكليف الشخص المعني بتشكيلها؛ خلافاً لمنطوق الدستور نصاً وروحاً.
مجدداً، في لبنان كما في العراق، معركة استحواذ واحدة على النظام السياسي تستمر فيها إيران، تتمظهر في العراق في «إلغاء» قرار عادل عبد المهدي بالاستقالة، وفي لبنان بمحاولة إلغاء استقالة سعد الحريري عبر تكليف قسري له بحكومة تعيد إنتاج الحكومة المستقيلة ولو بصيغ معدلة، أو فليواجه العزل السياسي، الآتية إشاراته بكثرة من أوساط توصف بأنها قريبة من تيار عون و«حزب الله».