يــاســر عــرفــات..!!

14:00

2019-11-10

أكرم عطا الله

دبي - الشروق العربي - أن تكتب عن ياسر عرفات يعني أن تمدد نصف قرن من الصخب على ورقة صماء، لا تجيد سرد الرواية المحشوة بالأمل في ذكرى واقع تأسطر بجدارة كما الأبطال في الملاحم القديمة، عندما كان يمد يده من تابوت كان يطوف العواصم ويسلم علينا، شاهراً وصيته الأخيرة على جدار القدس، والزهرة التي سترفع علمها وترش من قارورة عطرها الذي سال من صخور المدينة العتيقة.
يا لتاريخ تمدد على مساحة بين زمنين... أوله كان ياسر عرفات... وآخره كان ياسر عرفات ....عندما امتشق ارادة سَخِر منها التاريخ الماكر وهو ينظر لفقر الطبيعة وما أورثته لذلك الرجل النحيل ... لكن الأسطورة تصنع معجزتها حين تستولد عنقاء من كومة رماد تتحدى بها أعتى الأساطير.
إنه ياسر عرفات العائد بقوة من زمن الحكايات القديمة التي كانت ترتسم على ملامحه، وهو يحمل إرث أحد عشر ألف عام وعام، ليعيد زراعة الحنطة في أودية كانت سماؤها بخيلة بالمطر، ليسقيها بعرق تصبب من جباه عندما أذن بها لتأتيه رجالاً من كل فج عميق ويصنع معجزة، ولم يصدقه رفاق الأمس إلا حين قرر أن يطعم لحمه لجنازير الدبابات، ليكتشف الجميع حينها أن عظامه المدججة بالإصرار كانت أقوى من كل الهزائم.
هو ياسر عرفات الذي أوقد ثورة من العدم، عندما لم يسمح للعدم أن يطأ عتبة عقله، حين كان طالب الهندسة يقيس المسافات بين النكبات التي حلت بشعبه، ليرى أن مسؤولية ذلك الجسد النحيل أن يعيد صخرة أطلس الى مكانها بعد أن تدحرجت من قمة الجبل نحو قاع الوادي.
هو ياسر عرفات الذي كتَبَنا لنصف قرن حين كان الحبر عزيزاً لعقود، كتب قصتنا الطويلة في الشوارع والساحات وعلى موجات البحر ونسمات الريح، هو الذي سار بنا نحو الحلم بلا توقف وفتح صدره للرصاص القادم من كل الجهات، ولم يتوقف في رحلة تشبه الأساطير القديمة، مثل أدويسيوس الذي حمله البحر حين سألوه وهو يغادر شواطئ بيروت: إلى أين الرحيل؟ قال: الى فلسطين، .... لم يكن ساخراً بل كان ساحراً ....ثورياً من الطراز الرفيع، ظل واقفاً حتى الرمق الأخير معانداً كل هذا الارث الثقيل من الكوابيس التي تساقطت على شعبه بلا انقطاع.
ياسر عرفات الذي لا تعرف غيره أجيال من الفلسطينيين، ظل حتى اللحظة الأخيرة الأبَ الذي لم يتوقف عن الحنوّ وهو يتفقد كل آلامهم وآمالهم، ويتحسس همومهم وقلوبهم التي تهفو نحو مستقبل بلا خوف، ظل يعد الدموع في مُقَل عجزت لكثرة ما ألقى عليها التاريخ بحجارته الثقيلة لعقود بلا رحمة.
في زمن السرعة تنطوي السيرة لمجرد الغياب، لكن الرجل مَهَرَ تاريخنا ووضع بصمته على قلوبنا جميعاً وسكن في الذاكرة .... عميقاً ليزيد حضوره كلما زاد الرحيل، فالأبطال وحدهم يبقون في الذاكرة آباء وملهمين لشعوبهم كلما تراجع الحلم وخفت صوت النشيد وأوشك اللحن على الذبول. ظل حاضراً بصورته التي لا تختفي وملامحه التي لا تنطفئ رغم الوجوه الكثيرة إلا من وجهه، ظل شاخصاً بعينيه المفتوحتين على سارية العلم.
يزداد بريقُه كلما اشتدت الظلمة أكثر في زمن انهار فيه كل شيء، واستبدل العربي قبلته نحو أمكنة لا تليق بأمة تفانت بالمجد طويلاً، واذ بها تسقط عند أول نداء لسرقة القدس وتاريخها، يزداد بريقه كلما أوغل الفلسطيني في لحمه حد التحطم، وليس هناك من يداوي جراحات انفلت طفحها على جلد الوطن وصراعاً على السلطة والارث الذي خلفه راحلنا، لنقسمه إلى شظايا متناثرة.
في كل منا شيء من ياسر عرفات، هكذا قال شاعرنا الكبير محمود درويش، وهو يودع الرجل الذي وزع ملامحه علينا حباً وحنيناً لذكريات سنظل نبحث عنها وسط الغبار الذي خلفته كل معاركه التي خاضها بلا توقف، شاهراً بإصبعيه شارة النصر وسط سيوف لم تتوقف عن ممارسة هوايتها في البتر.
لقد ترك الراحل رسالته الممهورة بالشهادة كرجل عاش وغادر دون أن يضعف لحظة، تآمرت عليه كل القبائل، ووصل مدفع الدبابة باب غرفته الصغيرة، أغمض عينيه واثقاً من أن شعبه سيكمل الطريق قبل أن يصاب بالخذلان من وهج الحكم والسلطة، ففي ذكراه التي تحاسبنا فيه روحه مما فعلناه بأنفسنا لحظة أن غادر، علينا أن نتذكر أننا بعده غرقنا في صراع القبائل، ولكل قبيلة صحراء وشارة وشيخ.
كأن ياسر عرفات مَن قرأ شعر تكويننا وتكوّننا، وكأن سر وحدتنا كان معه، لا توقظوه.. اتركوه نائماً ولا تعلموه عن حالنا بعده، فقط مروا على الضريح وتذكروا أنه كان هنا رجل ضحى بالسلطة والجاه والحياة ليحيا الوطن ولنحيا!!!